تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – قريش

689

الحزب القرشي :
اننا نواجه هنا مشكلة كبيرة هي التزوير والتلاعب بالتاريخ والروايات ، اذ تمت كتابة التاريخ الإسلامي في زمن تسلط من كانت افعالهم محلاً للسوء قبل استلامهم للسلطة اَي في عهد النبوة . فَلَو اخذنا رواية وموقف استشارة النبي لأصحابه في غزوة بدر سنجد روايتين ، احدهما قالت ان بعض المهاجرين اعترض على قتال النبي لقريش ، خوفاً او حمية[1] ، والأخرى استبدلت هذا المقطع بان أبا بكر قام فقال فأحسن ، وان عمراً قام فقال فأحسن ، وأتمت ما في الرواية الأولى من قول وجهاد المقداد وسعد بن عبادة وسعد بن معاذ[2] . مما يعني – بعد جمع الروايتين – ان المعترضين في الحقيقة هم أبو بكر وعمر ، فتم إخفاء أسمائهم في مرحلة ، ثم تم إرجاع هذه الأسماء مع التحسينات في مرحلة أخرى .

وقد تميزت كتب المؤرخين والرواة القديمة بأمور ، منها : الحذف ، التحسين ، التعميم ، التعويم .

فمن الحذف : ( … فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير وخرجوا يقودهم أبو سفيان ووافتهم بنو سليم بمر الظهران وهم سبعمائة يقودهم [ سفيان بن عبد شمس ] … ) ، لكن نجد في رواية أخرى ( … ثم خرجوا إلى غطفان ، فدعوهم ، فاستجابوا لهم ، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك ، فاستجاب لهم من استجاب ، فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة ) ، وقد تم حذف اسم ( سفيان بن عبد شمس ) في الكتاب الثاني ، لأنه والد ( أبي الأعور السلمي ) قائد جيش معاوية في صفين .

ومن التعويم : ( …ثم ارتحل رسول الله من ذفران حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو [ وأبو بكر ] رضي الله عنه، أي وقيل بدل أبي بكر [ قتادة بن النعمان ] ، وقيل [ معاذ بن جبل ] … ) ، وهنا لأن الرواية الحقيقية تضمنت اسم رجل واحد معروف ، وأريد استبداله برجل آخر ليس له تاريخ واقعي عنوة ، ولم يكن ذلك مستساغاً .

ومن التعميم : ( واستشار أصحابه في ذلك، فقال المقداد بن الأسود أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون، … ، فلما سمع أصحاب رسول الله ذلك تابعوه، فأشرق عند ذلك وجه رسول الله والتعدد ممكن لكنه بعيد ثم قال أشيروا عليّ، فقال [ عمر ] يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته، … ) ، بينما في الرواية الثانية ( … واستشارهم فنهاه [ بعض المهاجرين ] عن المسير وقال إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت وقال المقداد والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون … ) ، والأسباب واضحة .

ومن التحسين : ( واستشار أصحابه في ذلك، فقال المقداد بن الأسود أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون، … ، ثم قال أشيروا عليّ، فقال [ عمر ] يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته، … ) ، لكن في أخرى ( … فاستشار الناس ، وأخبرهم عن قريش فقام [ أبو بكر ] الصديق ، فقال وأحسن . ثم قام [ عمر بن الخطاب ] ، فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون … ) .

لهذا نجد من الصعوبة بمكان على غير الباحث المحقق إيجاد صورة تاريخية قريبة للحقيقة ، وقد منح هذا المستوى من التلاعب ضعاف المعرفة وعامة من لا يدقق فرصة التمسك بما يناسب عاطفته من المكتوب .

شهادة عمرية

يقول عمرو بن العاص لمعاوية يوم صفين ( إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قرابة قريبة، و رحم ماسة، و قدم في الإسلام لا يعتد أحد بمثله، و نجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إنّه قد ساد إليك بأصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المعدودين، و فرسانهم و قرائهم و أشرافهم و قدمائهم في‌ الإسلام، و لهم في النفوس مهابة، فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر، و مضايق الغيض، و احملهم على الجاهد، و اتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا، فتظهر فيهم كآبة الخذلان، و مهما نسيت فلا تنس أنّك على باطل .. )[3] .

وجعلناه بهذا العنوان ، رغم اشتماله على اخرين ، لانه انطلق من حيث العداء القرشي للنبي ، وانتهى الى حكم قريش غير العلوية ، وقد استمد لاحقاً كينونته المعرفية من مدخلات قريش الرسمية السلطوية . وقد اعتمد كثيراً على القبائل الإعرابية في ( نجد ) ، وكذلك قبائل الشام ، مهاجرها ومقيمها . ففي معركة الخندق أقبلت قريش ومن تبعها فنزلت بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد[4] ، وكان هذان هما قسمي الحرب على الإسلام ورسول الله . وقد ظلت هذه المنطقة – بسبب بداوتها – على عداء الحق من حيث تشعر او لا تشعر ، سوى من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد . وهي في القرنين الأخيرين كانت منطلق جل البلاء على الامة .

خصائص المخالفين لعلي

تميز المخالفون لعلي بن ابي طالب بمجموعة مشتركات ، منها ضعف البنية الأخلاقية ، وحب المال ، والعصبية القبلية إضافة للبداوة ، وقلة الروافد المعرفية ، وسطحية المنهج العقلي . ففي صحيح مسلم: أنّ عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى. قال: إنه قارئ لكتاب اللَّه، عالم بالفرائض. و أخرجه أبو يعلى من وجه آخر، و فيه: إني وجدته أقرأهم لكتاب اللَّه. و فيه: و أفقههم في دين اللَّه[5] .

أبو بكر

ومن غريب التاريخ ان ينشغل اول خليفة للمسلمين وأفضلهم عند شق الامة الأكبر يوم الفتح الأعظم بطوق لأخته مفقود ، باحثاً عنه منشغلاً عن قضية الجيش الإسلامي ، وعن اسلام ابيه ذلك الْيَوْمَ ، اذ كان ابوه ( أبو قحافة ) من مسلمة الفتح اسلم يوم فتح مكة ، فأسرع ان جاء به عمر بن الخطاب الى النبي مبشراً بإسلامه ، ولا نعلم وجه سرور عمر بإسلام هذا الرجل ذلك الْيَوْمَ الذي دخلت فيه قريش بأجمعها للإسلام وعلى رأسها زعيم باطلها أبو سفيان بن حرب[6] . وفِي معركة احد حين برز عبد الرحمن بن أبي بكر وكان مع المشركين وطلب المبارزة فأراد أبو بكر أن يبرز إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شم سيفك وأمتعنا بك[7] . لانه علم ضعف الرجل لا شك ، وجزم بموته .

عمر بن الخطاب

وفِي موقف يجمع عدة من قيادات المخالفين منهم أبو بكر بن ابيّ قحافة والمغيرة ابن شعبة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، يوم الحديبية ، حين جاء احد سادة العرب عروة بن مسعود الثقفي وسيطا ، بين قريش والنبي ، فكأن القوم وجدوا متنفساً لعقدهم الاجتماعية حين وجدوه بين يدي رسول الله ضيفا ، فشتمه أبو بكر بلفظ فاحش ، وضرب المغيرة يده ، فسأل عروة رسول الله عنهم فعرّفهم ، فعيّرهم ، فسكتوا ، فيما قال عمر لرسول الله انه يخاف الذهاب رسولاً لقريش ولا عشيرة له فيها ، ورفض تنفيذ امر النبي ونصحه بعثمان ، ولا نعرف كيف بعدها أعز الله الإسلام بعمر! ، ثم ظل عثمان بين ظهراني المشركين بين قومه بني أمية بداعي انهم حبسوه ، ولا نعرف أيضا ما نفعهم من حبس رسول ما! ، ثم ان عمر سعى بعد ان اصطلح رسول الله مع مندوب قريش سهيل بن عمرو الى تشكيك الناس في مقام النبي ، وكذلك حاول جاهداً دفع أبا جندل بن سهيل بن عمرو ليقتل أباه ، وما أظن هذا الا لتقول العرب انه رسول قوم قُتِل عند محمد فتنفر منه وضده ، لكن ضن الولد بابيه ودفع الفتنة وسوء النية [8]. ويوم الحديبية أيضا حين بايع الناس رسول الله على الموت غاب عمر بن الخطاب عن تلك البيعة ، وقد أوجد له القوم عذراً بفرس يطلبه من احد الأنصار في تلك الساعة وانه بايع بعد ذلك[9] .

وفي معركة احد نادى أبو سفيان على المسلمين ، وسال عن رسول الله وعن غيره حسب الرواية ، فقال رسول الله ( لا تجيبوه ) ، لكنّ الوحيد الذي ارتأى الاجابة ولم يتمالك نفسه كان هو عمر بن الخطاب ، اذ خالف امر رسول فأجاب[10] .

وعمر صحابي، ولي الخلافة بعد أبي بكر بنص منه، و تصريح، و تولية فضولية. و شهد المشاهد كلها، و لم يجرد في حرب سيفا، و ما جاهد بنفسه، و قد اختلق له أذناب بني أمية، على لسان النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أحاديث في مناقبه، و اصطنعوا له فضائل واهية، و ولي الخلافة غير الشرعية عشر سنين، و خمسة أشهر، و قيل: ستة أشهر. و قتل عام 23 و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و كان مدّة خلافته يراجع أمير المؤمنين (عليه السلام) في مهامه، و مشاكله، و مسائله، بصورة مستمرة، و يعرض عليه القضايا، و يستعين به فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه، و على غيره من الصحابة، و قوله غير مرة: (لو لا عليّ لهلك عمر)، و قوله: (لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، و قوله: (لا يفتينّ أحد في المسجد و عليّ حاضر)[11] .

وليس من المصادفة ان تكون الفتنة بين المهاجرين والأنصار على ماء بني المصطلق بسبب أجير لعمر يدعى ( جهجاه بن مسعود ) اختلف مع حليف للأنصار ، فسعى بعض المهاجرين الى رسول الله ضد عبد الله بن ابيّ بن سلول ، وكان عمر منتظراً عنده ليطلب من النبي قتل عبد الله الذي كان من الشرف في قومه انه ينتظر ان يتوج ملكا ، الا ان رسول الله سار بالقوم في غير أوان الرحيل ليتعبوا فيناموا عند الوصول لتنتهي الفتنة بعدما اخبر عمراً انه لا يقتل أصحابه ، ولينبه عمراً عند الوصول الى المدينة انه لو قتل عبد الله بن ابيّ ذلك الْيَوْمَ لارعدت له رجال صارت تنتظره في ابن ابيّ بعد هذا الموقف ومنهم عبد الله بن عبد الله بن ابيّ ، وليسقط ما في يد عمر ، وان كانت الحادثة لا تكشف عن سوء نية عمر فهي تكشف على الأقل عن نزقه[12] . لذلك كان عمر حين يسال النبي ولم يجبه ثلاثاً يحرك بعيره بعيداً خشية ان ينزل فيه قران[13] ، فكيف لمؤمن واثق عاقل ان يظن كذا! . وهو الذي بثّ مع شريكه طلحة بن عبيد الله إشاعة ان النبي قد مات حين هربوا وألقوا سلاحهم يوم احد[14] .

ويبدو ان عمر بن الخطاب اعتاد امر ان يثير الشغب بين المسلمين فحين دخل سعيد بن العاص على عمر في خلافته فجلس ناحية ( قال سعيد : فنظر إلي عمر ، وقال : ما لي أراك كان في نفسك علي شيئا أ تظن اني قتلت أباك والله لوددت اني كنت قتلته ولو قتلته لم اعتذر من قتل كافر ولكني مررت به يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه فهبته ورغت عنه فقال إلى أين يا ابن الخطاب وصمد له علي فتناوله فوالله ما رمت مكاني حتى قتله. وكان علي حاضرا في المجلس فقال : اللهم غفرا ذهب الشرك بما فيه ومحا الاسلام ما تقدم فما لك تهيج الناس علي . فكف عمر ، فقال سعيد : أما أنه ما كان يسرني أن يكون قاتل أبي غير ابن عمه علي بن أبي طالب )[15] .

وشبيه هذا ما كان من تكذيب عمر بن الخطاب لابن ابي حدرد حين اخبر النبي عن قدوم هَوازن لحربه ، فكذّبه عمر ، فقال ابن ابيّ حدرد ( لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق ) ، فاشتكاه عمر للنبي ، ولكنّ النبي لم ينكر عليه بل قال مؤكداً ( قد كنت ضالاً فهداك الله ) [16]، ومن غير الواضح سبب الإصرار من عمر على تكذيب هذه الأخبار الخطيرة على دولة الإسلام ، وكأنه يريد الا يحذر المسلمون ويأخذوا استعدادهم .

وفتنة عمر يوم فتح مكة حين كانت الراية بيد سعد بن عبادة سيد الأنصار ، ثم بيد ولده قيس ، لكنّ عمر زعم انه يخشى من صولة للأنصار على قريش ، فعالج رسول الله الفتنة بنقل الراية الى يد علي بن ابي طالب[17] .

واستعمل عمر على بعض الشام سعيد بن عامر الجمحي ، الذي شارك في قتل المؤمن ( خبيب بن عدي ) صبرا ، وكانت تصيبه غشية حتى مات جزاء دعوة خبيب عليه ، ومع ذلك امتدحه عمر فقال ( من سرَّه ان ينظر الى رجل نسيج وحده فلينظر الى سعيد بن عامر ) ، وازداد عنده خيرا حين سمع انه تناله غشية من قتله خبيباً[18] . ولا عجب اذ ارتدى قادة عمر في الشام خالد وأبو عبيدة الديباج والحرير رغم حرمته لاستقباله[19] .

وكان من غريب عمر انه يقوم عند راس الأسير او الذي لا حول له ولا قوة فيقول للنبي ( دعني اضرب عنقه يا رسول الله ) ، كما فعل مع حاطب بن ابيّ بلتعة في قضية الكتاب الذي ارسله الى قريش مع امرأة[20] . وحاطب هذا الذي أراد عمر بن الخطاب ضرب عنقه هو ذاته من صلى عليه عثمان بن عفان عند موته في خلافته[21] متمولاً ، في الوقت الذي يموت فيه أبو ذَر الغفاري غريبا . وعمر كان من النوع الذي يجبّن أصحابه ويجبنونه[22] .

وفِي مفارقة عجيبة ، حين صارت الخلافة الى عمر كان أمامه رجلان احدهما فارس المسلمين المضحي يوم الخندق علي بن ابي طالب المنتصر وفارس المشركين المقتحم للخندق على رسول الله مع عمرو بن عبد ود وهو عكرمة بن ابي جهل المهزوم والرافض ان يرافق خالد بن الوليد في إظهار الإسلام خوفاً وسياسياً حتى والقائل يوم فتح مكة حين أذّن بلال ( لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول )[23] ، فاختار لقيادة المسلمين العسكرية عكرمة وترك عليا . وعكرمة بن ابي جهل كان احد الذين امر رسول الله بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة ، هو وعبد الله بن سعد ابي سرح الأخ غير الشقيق لعثمان بن عفان ، الا ان الخلافة الانقلابية جعلتهم قادة وأمراء ، بعد عزل أصحاب رسول الله الذابّين عنه[24] .

وكذلك حين اتي الى عمر بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير بن مطعم احد المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح وأهداه السيف ، ثم سأله عن اصل النعمان ، والعرب تعرف ان المناذرة ورثة السبئيين القحطانيين بلا لَبْس ، لذلك عرف جبير ان الرجل يرشوه ليتلاعب بالأنساب لأسباب قبلية وسياسية ، فقال ان النعمان بن المنذر من ولد قنص بن معد[25] ، من عدنان ، وكانت من أولى عمليات التزوير السلطوي السياسي في التاريخ الإسلامي ، والتي مهدت للتغيير الديموغرافي .

وعن جويرية ، قال : كان قيس – بن سعد بن عبادة – يستدين ، ويطعم ، فقال أبو بكر وعمر : إن تركنا هذا الفتى ، أهلك مال أبيه ، فمشيا في الناس ، فقام سعد عند النبي – صلى الله عليه وسلم – وقال : من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب ، يبخلان علي ابني[26] .

عثمان بن عفان

اما عثمان بن عفان ، فهو المتأفف من غبار بناء مسجد رسول الله ، والمهدد لعمار بن ياسر حين ارتجز مقارناً بين من يبني المساجد وبين يضيق من غبارها[27] . وبحسب شهادة عبد الله بن عمر انه لم يحضر بدراً ، وفرَّ يوم احد حتى بلغ المدينة وأقام ثلاثاً فقال له رسول الله ( لقد ذهبتم فيها عريضة )[28] ، وتخلُّف عن بيعة الرضوان ، وان كان ابن عمر أراد نصرته إعلاميا من خلال التبرير للسائل ، الا ان شهادة ابن عمر[29] كافية في بيان ما عليه الرجل من ضعف عملي في عقيدته . ولم يفت القوم ان يجعلوا له فضيلة الأوائل ، اذ جعلوه ممن هاجر الى الحبشة ، ثم أعادوه مبكراً الى مكة ليظهروه في جملة من صور إسلامية الى جانب النبي ، لأنهم يعلمون ان مهاجري الحبشة إنما رجعوا بعد الحديبية والصلح ، وهي فترة طويلة على رواة السلطة ان يغيب فيها عثمان . فاختلقوا لإعادته الافتراضية قصة أساؤوا فيها لمقام النبي إساءة عظيمة ومرعبة . اذ ادعوا ان الشيطان ذكر آلهة قريش بخير على لسان النبي بالقول ( تلك الغرانيق العُلى وان شفاعتهن لترتجى ) وقريش تسمع ، فسجد النبي وسجد عتاة قريش ، فوصل الخبر الى مهاجري الحبشة ان قريشاً اسلمت جميعها فعاد قسم كبير منهم الى عشائرهم ، وفِي العائدين عثمان بن عفان[30] . ولا يمكن ان يظن حتى الساذج لهذه القصة من مصداقية ، لكذبها أولاً على حضرة النبي والقران الكريم الذي يقول (( ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى * عَلَّمَه شديد القوى )) ، وهي آيات في اول سورة النجم التي ادعوا نفث الشيطان كلماته فيها ، فكأنما أعماهم هم الشيطان عن الربط بين كلام الله وبيانه وبين دعواهم القبيحة ، واستحالة ان يتصور الشاهد لهذا المقام – على فرض قبوله وفرض المحال ليس بمحال – تبعية قريش وإيمانهم بالنبي لمجرد الاشتباه في تلك اللحظة ، ثم المسير لأشهر طويلة بين الدول ليوهم أهل الحبشة ، ومن الواضح ان قريشاً والنبي ظلوا اعداءً بعد لحظة واحدة من هذه الحادثة الوهمية المدعاة . ثم ان المهاجرين الى الحبشة إنما خرجوا نتيجة لإيذاء كفار قريش لهم ، فكيف باتوا في عشائرهم التي اذتهم وهي لمّا تزل كافرة ! . والقصة منقولة عن يزيد بن زياد المدني ، الراوي تكلّمَ معاوية بدعاء رسول الله على المنبر[31] ، والذي قال البخاري عنه ( لا يتابع على حديثه )[32] ، عن احد مسلمة اليهود محمد بن كعب القرظي .

وهو – عثمان – الشافع لمعاوية بن المغيرة بن ابي العاص بن أمية جد عبد الملك بن مروان لأمه عند رسول الله ، ومعاوية هذا هو الذي منّ عليه رسول الله يوم بدر فأطلقه ، فرجع ، فأخذه بعد احد يوم حمراء الأسد ، وقال له ( والله لا تُمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول خدعت محمداً مرتين ) وضرب عنقه ، بعد ان أرسل اليه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ، وتجاهل شفاعة عثمان الغريبة فيه ، اذ دلّ الرسولين على مكانه ليقتلاه ، وقد اعتاد عثمان على الشفاعة في امر مهدوري الدم من عتاة الشرك والجهل ، اذ شفع أيضا في عبد الله بن سعد بن ابيّ سرح الذي أهدر النبي دمه يوم فتح مكة ولو كان متعلقا بأستار الكعبة واعتب الصحابة انهم لم يقتلوه حين جاء عثمان ، بعد ان خبأه في داره لأيام ، ولم يبايعه النبي لثلاث مرات [33] ، ولو كان عثمان مستوعباً لفكر ورأي النبي لما احتاج الى من يخبره انه فعل أمراً منكراً عند رسول الله ، بل خالف امر نبيه بكل وضوح. و عبد الله بن سعد هذا اخو بني عامر بن لؤي كان أخاً لعثمان بن عفان بالرضاعة ، وقد ولاه عمر بن الخطاب بعض اعمال المسلمين في خلافته ، ثم ولاه عثمان من بعده[34] ! . وحين اختار هؤلاء عتاة المنافقين واهل الموبقات لولاية مصر لاحقاً مثل ابن ابي سرح , كان علي بن ابي طالب يختار لولايتها ثقاة المسلمين وصلحاء الصحابة مثل قيس بن سعد بن عبادة ومالك بن الحارث الاشتر ومحمد بن ابي بكر[35] .

والغريب ان عثمان الشافع في عتاة الكفرة والمنافقين حين استخلف بعد عمر امر ابن زمعة بضرب وطرد الصحابي البدري حاضر بيعة الرضوان ومعركة الخندق وحنين مع رسول الله أستاذ القران عبد الله بن مسعود ، حتى كسر ضلعاً من أضلاعه على باب المسجد ، وام المؤمنين عائشة تنهى عثمان عن فعل هذا بأصحاب رسول الله ولا ينتهي ! ، لا لشيء الا لمعرفة عثمان بولاء ابن مسعود لعلي بن ابيّ طالب[36]. في إعادة لواقعة ضرب عبد الله بن مسعود من قبل مشركي قريش قبل الهجرة بعد ان جهر بينهم بالقران مضحياً بنفسه الشريفة[37] . فيما يولي عثمان على الناس شرار بني أمية قومه ، ومنهم اخاه لأمه الوليد بن عقبة الذي حده علي على الخمر ، اذ صلى بالناس سكرانا[38] . والوليد هو ابن عقبة بن ابي معيط الذي كان أشد الناس على رسول الله حتى كاد يقتله من خلال خنقه بالثوب[39] .

وقد مزق عثمان المصحف الذي بين أيدي المسلمين ، واختار مصحفاً على رأي زيد . فاعترض عليه اقرأ الناس ( عبد الله بن مسعود ) الا انه ابى . عن ابي فاخرة عن ابيه قال : ( بعث عثمان رضي الله عنه إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه، قال: ولِمَ؟ قال: لأنه كتب القرآن على حرف زيد. قال: أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه، ومن استطاع أن يغلَّ شيئًا فليفعل، والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدًا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة )[40] . ويبدو ان أهل العراق كانوا الى جنب ابن مسعود وفِي صفه يثقون في رأيه وينتظرونه في امر المصحف ، عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَرِهَ أَنْ وَلِيَ زَيْدٌ نَسْخَ كِتَابِ الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ : ” أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابِ الْمَصَاحِفِ فَيُوَلاهَا رَجُلٌ ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ ” ، وَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : ” يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ غُلُّوا الْمَصَاحِفَ وَالْقَوَا اللَّهَ بِهَا فَإِنَّهُ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سورة آل عمران آية 161 ، فَالْقَوَا اللَّهَ بِالْمَصَاحِفِ ” ، قَالَ الزُّهْرِيُّ ” : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ” وَإِنِّي غَالٌّ مُصْحَفِي ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَفْعَلْ ” )[41] . رغم ان رسول الله يقول ( وما اقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرؤوه )[42] ، وقال كذلك – بحسب القوم ومروياتهم – ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ )[43] . وقد اغضب فعله هذا عليَ بن ابي طالب وابا ذرّ الغفاري ، ووصفه علي بأنه امر عظيم ، وتنبأ بأن يسلط الله عليه الحديد[44] .

وقد اساء السيرة ، وقرّب خاصته شرار بني أمية ، وجفا الصالحين من الصحابة ، حتى انه نفى اصدق الناس لهجة ( أبا ذرّ الغفاري ) الى الربذة دفاعاً عن اليهودي كعب الأحبار[45] . فاجتمع عليه أهل العراق وأهل مصر وأهل المدينة فقتلوه . فأقام مطروحاً على الكناسة[46] ثلاثا[47] .

ام المؤمنين عائشة

اما ام المؤمنين عائشة فكانت من عامة الامة ، لا يدفعها دافع السوء التآمري ضد الدين وأهل البيت ، وإنما هي من الصنف الذي لم يستوعب عمق مفاهيم الرسالة ولم يدرك ابعادها ، لذلك كانت تنفعل انفعال النساء ، وتثار استثارة الناس الغير المعصومين . ومثال ذلك قولها للنبي استنكاراً ( انك تزعم انك رسول الله ! ) حين نقل حملها على جمل ام المؤمنين صفية وحمل صفية على جملها[48] ، فكانت ردة فعلها ردة دنيوية بحتة . لذلك هي ما كان لها ان تعي قضية علي بن ابي طالب ، وكان يكفي في إغضابها منه خصومته مع ابيها وكون فاطمة بنت خديجة .

ولخصائصهم التي يعرفها الرسول فيهم لم يكن ينتخبهم لقيادة معركة او ولاية مدينة في حضوره وسفره ، بل كانوا اذ ذاك ينتظرون مرض الرسول ليختطفوا الراية في جمع من المسلمين اذا نزلوا معركة كانت الغلبة الظاهرة فيها للمسلمين ، كما فعل أبو بكر وعمر يوم خَيْبَر حين اصابت الشقيقة رسول الله ولم يخرج ليومين ، اذ اخذوا راية الجيش عنوة كما في رواية بريدة علّهم يكسبون نصراً ما فيكون شفيعاً لسمعتهم ، غافلين عن ضرورة إذن القيادة العسكرية العليا المتمثّلة بحامل الرسالة ، الذي حين أتى فاجئهم وكسر خطتهم بحديث ( لأعطينها – الراية – غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يأخذها عنوة ) ، وهو الحديث الذي بيّن فضل علي بن ابيّ طالب بصورة أجلى ، وهو خلاف مرادهم ، ففتح على يديه ، بعد ان هزموا هم وفشلوا في عمليتهم العسكرية[49] . ومن المحتمل جدا ان حديث ( يحبه الله ورسوله ) كان قبل أخذهما الراية ، فتمنيا ان يكونا هما وهماً . وقد كانت سراياهم مهزومة او غير منتجة اذا تم انتدابهم ، كأنما أراد رسول الله أحيانا بيان سبب عدم توليتهم ، فحين بعث عمراً الى هَوازن رجع بلا قتال في ثلاثين رجلا ، وحين سُأل لماذا لم يقاتل خثعم قال انه لم يؤمر الا بقتال هَوازن ، وحين تم انتداب حليفهم يوم السقيفة بشير بن سعد – ابي النعمان بن بشير الذي ولوه في خلافتهم على الكوفة – لقتال بني مرة عاد منهزماً وحده بعدما قُتِل من معه ولجا هو الى يهودي يعرفه ، الامر الذي يدل على انكساره وهروبه من المعركة قبل انتهائها [50].

خالد بن الوليد

وحين قدم خالد بن الوليد ليعلن إسلامه بين يدي رسول الله في سنة ثمانية من الهجرة – وهذه السنوات قضوها في حربهم ضد الإسلام – اخبر رفيقه عمرو بن العاص عن سبب إسلامه بقوله ( دخل الناس في الإسلام فلم يبق احد به طعم ، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها ) [51]، وهو سبب سياسي لا عقائدي كما هو واضح ، فيما صار هذان لاحقاً ولاة وقادة ، بعد ان اُبعد عنها المسلمون الأوائل . لذلك لم يكن غريبا ان يحاول خالد أخذ ما غنمه بعض المسلمين من سلب المقتول يوم مؤتة عنوة ، بعد ان طمع فيه خالد دون وجه حق وفِي مخالفة واضحة لأمر الرسول والأصول الحربية ، وليس مفاجئاً ان يجبّن خالد أيضا جيش المسلمين ويفرّ بهم من امام الروم ذلك الْيَوْمَ بعد مقتل القادة الثلاث الذين نصبهم رسول الله وليس خالد منهم ، الا انه استغل انكسار النفوس ليكسر الجيش وينهزم فارّا[52] ، وعادة الانكسار والهرب لم تكن الا في هذا القسم من قادة المسلمين ، اذ كان القادة العقائديون يموتون في المعركة او ينتصرون ، كما فعل جعفر بن ابي طالب وصاحباه . وخالد ذاته الذي خالف امر رسول الله يوم فتح مكة بالكف عن القتل ، وقتل سبعين نفساً ، وهو ذات الامر الذي فعله في بني جذيمة بعد فتح مكة اذ أمنهم وطلب منهم إلقاء السلاح لان الجميع مسلمون فَلَمَّا ألقوا سلاحهم قتلهم ، آخذاً بثأر عمه الفاكه بن المغيرة وثار عوف ابيّ عبد الرحمن بن عوف ، اذ قتلتهم جذيمة في الجاهلية بعد ان سرق الفاكه وعوف وعفان أبو عثمان بن عفان ومعهم عوف وعثمان أموال رجل مات من جذيمة كانوا قد وجدوه في اليمن ، ولا يتضح حقيقة ان كانوا قد قتلوه غيلة وأخذوا ماله لان أولادهم هم من كتب التاريخ بعد ذلك ، غير ان ظاهر القصة يخفي باطناً كهذا، الامر الذي يكشف شيئاً من سر العلاقات في الطبقة السياسية الانقلابية مستقبلا ، وحينها فرّ عثمان وابوه عفان من القتال أيضا[53] ، فقال رسول الله ( اللهم أني أبرأ اليك مما صنع خالد ) وبعث علياً اليهم فودى لهم الدماء والاموال [54]. وقد ساعدته في جريمته تلك – وليس مصادفة – قبيلة حليف بني أمية ضد رسول الله ( سفيان بن عبد شمس السلمي ) وابنه قائد جيش معاوية في صفين لاحقاً ( ابي الأعور السلمي ) قبيلة ( بني سليم ) ، ( فأما بنو سليم فقتلوا من بأيديهم واما المهاجرون والأنصار فارسلوا أساراهم )[55] .

وخالد أيضاً خالف امر رسول الله يوم هَوازن ، اذ قتل امرأة لا ذنب لها ، فأرسل خلفه النبي ونهاه[56] . وَمِمَّا يدل على نزقه وسوء نواياه استماعه لمخنّث نصحه بإحدى النساء يوم الطائف ان يطأها[57] ، وهو قد اعتاد هذا الامر كما ثبت في قتله مالك بن نويرة ووطئه امرأته بغير حق ولا شرع لاحقا .

لكنّ الغريب ان تحرز عائلة خالد بن الوليد بن المغيرة غنائم السلطة في الإسلام . فعبد الرحمن بن خالد – شهد صفين مع معاوية . وهشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد، ولي المدينة . وإبراهيم ومحمد ابنا هشام بن إسماعيل بن هشام ” بن الوليد ” وليا المدينة ومكة زمن هشام بن عبد الملك. وهشام بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد، ولي شرط المدينة. والأزرق وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة، ولي اليمن لابن الزبير[58] .

الانقلاب

ويبدو ان اول اجتماع لقوى الانقلاب كان في غزوة ذات السلاسل ضمن سرية عمرو بن العاص ، اذ كان فيها أبو بكر وعمر بن الخطاب وقبلهم أبو عبيدة عامر بن الجراح ، وهي ذات الغزوة التي نقلوا احاديث حب وتفضيل النبي لابي بكر وعمر على الناس عن عمرو بن العاص الذي صلى بالناس على جنابة فيها ، فيما نهى أبو عبيدة الصحابيَ الكريم الزعيم قيس بن سعد بن عبادة عن ذبح الجزور وإطعام المسلمين خشية كرامته ، فيما جعلهم أبو عبيدة يأكلون ميتة حوت العنبر، ولم يكتفوا بهذا الفعل ، بل نسب المدافعون عن قوى الانقلاب من كتبة التاريخ ان رسول الله أجاز لهم ذلك للاضطرار ، ثم طلب منهم شيئا من ذلك اللحم ليأكله ، وقد فاته انهم ان أكلوا للاضطرار فما بال رسول الله يريد الاكل منه ، وكأنهم بعد ان أخفوا اسم الكريم قيس بن سعد بن عبادة عن الرواية أرادوا الإساءة لمقام النبي لحفظ مقام قوى الانقلاب[59]! . ولا نعلم هل احرز الناقل كرامة عمرو بن العاص على النبي واله حتى نقبل منه او عنه حديثاً في التفضيل .

الحزب الاموي

فيما يسلم أبو سفيان – الذي كتب ولده التاريخ الإسلامي لاحقا – بعد ان قال له رسول الله ما مضمونه ( الم يأن ان تعلم ان لا اله الا الله ) وهو يجيب ان في النفس من هذه الشهادة الخالصة شيء ، ولكنه اقرّ بها في ذات اللحظة، مع انه حدّث نفسه بجمعٍ جديد ضد النبي في ذات الساعة ، حتى أخزاه رسول الله وفضحه امام نفسه[60] ، وهو ما لا يحتاج فيه النبيه الى مناقشة في أسبابها السياسية ، ومع هذا يجعلون إسلامه وأولاده معادلاً لإسلام علي وأولاده .

وقد لعن رسول الله أبا سفيان وولده معاوية في حديث عاصم بن عمرو قال ( دخلت مسجد رسول الله وأصحاب النبي يقولون : نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله ، قلت من هذا ؟ قالوا : معاوية أخذ بيد ابيه ، ورسول الله على المنبر يخرجان من المسجد . فقال رسول الله : لعن الله القائد والمقود ، وَيْل لهذه الامة من معاوية ذي الاستاه )[61] . وكذلك لعن رسول الله محمد أبا سفيان وولده معاوية وولده عتبة[62] .

ينقل ابن كثير في كتاب البداية والنهاية حديث غزوة هَوازن فيقول ( قال: فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا، فلما رأى رسول الله أمر الناس ومعه رهط من أهل بيته: علي بن أبي طالب، وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وقيل الفضيل بن أبي سفيان، وأيمن ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد … قال ابن إسحاق: والتفت رسول الله إلى أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر يومئذ، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلة رسول الله فقال: «من هذا؟» قال: ابن أمك يا رسول الله . قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان صخر بن حرب – يعني وكان إسلامه بعد مدخولا، وكانت الأزلام بعد معه يومئذ – قال: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية – يعني لأمه – وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله : ألا بطل السحر اليوم )[63] . وقد حفظ أبناء هند من ال ابي سفيان للعبد الحبشي ( وحشي ) طعنته لحمزة بن عبد المطلب عّم النبي ، اذ مات تحت ولايتهم في حمص في الشام يُحد كل يوم في الخمر[64] ، بعد ان كان احد عناصر جيوش ابي بكر التي يقودها خالد بن الوليد[65] ، اذ يبدو انه لم يبقَ احد من كفار قريش والاعراب الا استعان به . وقد نذرت هند بنت عتبة زوجة ابي سفيان رعايته حتى ترمّ عظامها بعد قتله حمزة عّم النبي ، وبعد ان جدعت ونساؤها اذان وأنوف شهداء المسلمين ، ثم لاكت كبد الحمزة ثم لفظته [66]. وهند كانت لجوجة حقودة ، كما يتضح من حديثها مع رسول الله حين أخذ البيعة على النساء يوم الفتح[67] . وهي احدى اللواتي امر رسول الله بقتلهن يوم الفتح وان كن متعلقات بأستار الكعبة[68] .

وقد كان أبو سفيان وولداه يزيد ومعاوية من المؤلفة قلوبهم بأموال وغنائم الجعرانة[69] . فقد أعطى رسول الله كلاً من ابي سفيان وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن كلدة وعلقمة بن علاثة والعلاء بن حارثة والحارث بن هشام وجبير بن مطعم ومالك بن عوف وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وعيينة بن أحصن وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس مئة مئة من الإبل يأتلف قلوبهم ، وحين عوتب انه لم يعط جعيل بن سراقة الضمري مثلهم قال ( اما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع ، ولكن تالفتهما ليسلما )[70] . لكنّ أبا سفيان ابى الا النفاق في اول تجربة من النبي له ، اذ بعثه في سرية الى الطائف ، فضربته ثقيف على وجهه ، فعاد منهزماً يذم أصحابه[71] . ولما بويع عثمان جاء أبو سفيان إلى قبر حمزة فرفسه برجله وقال: يا أبا عمارة إن الذي تقاتلنا عليه يوم بدر صار في أيدي صبياننا[72] .

ومع ذلك ينقل عائذ بن عمر: ( أن سلمان ، وصهيبا ، وبلالا ، كانوا قعودا ، فمر بهم أبو سفيان ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ؟ قال : فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم ، لقد أغضبت ربك ، فرجع إليهم ، فقال : أي إخواننا ، لعلكم غضبتم ؟ قالوا : لا يا أبا بكر ، يغفر الله لك )[73] . وهو امر غريب في بابه ممن صار خليفة المسلمين الأول ويُدّعى له أولية الإسلام في رجل هو شيخ المشركين وسيدهم . لهذا ربما لم يبايع بلال بن رباح أبا بكر بن ابي قحافة ولم يُؤذَّن له وهجره الى الشام التي مات فيها بالطاعون[74] . وشيخ قريش هذا هو من وقف وزوجته هند يوم بدر يحرض قريشاً على الجلد في قتال رسول الله[75] . وعن عبد الله بن الزبير ان أبا سفيان ( الصحابي الجليل ) كان واقفاً يوم اليرموك على تل في جماعة لا يقاتلون يشجع الروم ضد المسلمين[76] .

وكان عكرمة بن ابي جهل – الذي صار قائداً لجيوش المسلمين لاحقا – من القلائل الذين اصروا على الكفر وقتال النبي يوم فتح مكة ، اذ اتخذ من الخندمة مقراً ، فقاتل جيش المسلمين ، حتى فرّ منهزماً مع جماعة من أصحابه[77] .

لذلك لا نجد غرابة في غياب أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان عن نجدة النبي وعن تحشيد الرجال ، وان رسول الله محمداً لم يؤمّرهم على سرية او يخلّفهم على المدينة ، حيث استعمل غيرهم مثل علي بن ابيّ طالب وابا ذَر الغفاري وابن أم مكتوم .

الشراكة والانقلاب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.