عمر بن الخطاب في مذاهب المسلمين

Omar bin al-khattab

181

الباحث يواجه في تحليله لعلم التاريخ مشكلة كبيرة , تتمثل في التزوير والتلاعب بالتاريخ والروايات , اذ تمت كتابة التاريخ الإسلامي في زمن تسلط من كانت افعالهم محلاً للسوء قبل استلامهم للسلطة , اَي في عهد النبوة . فَلَو تم أخذ رواية وموقف استشارة النبي لأصحابه في غزوة (بدر) يمكن ايجاد روايتين , احداهما قالت ان بعض المهاجرين اعترض على قتال النبي لقريش , خوفاً او حَمية[1] , والأخرى استبدلت هذا المقطع بان (أبا بكر بن أبي قحافة) قام فقال فأحسن , وأن (عمر بن الخطاب) قام فقال فأحسن , وأتمت ما في الرواية الأولى من قول وجهاد (المقداد) و (سعد بن عبادة) و (سعد بن معاذ)[2] . الأمر الذي يعني –بعد جمع الروايتين– أن المعترضين في الحقيقة هما (أبو بكر) و (عمر) , فتم إخفاء أسمائهم في مرحلة , ثم تم إرجاع هذه الأسماء مع التحسينات في مرحلة أخرى . وكثيراً ما ابتليت كتب المؤرخين والرواة القديمة بأمور مثل الحذف , والتحسين , والتعميم , والتعويم .

فمن الحذف : (… فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك , وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب , فكانوا أربعة آلاف , وعقدوا اللواء في دار الندوة , وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة , وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير , وخرجوا يقودهم أبو سفيان . ووافتهم بنو سليم بمرّ الظهران , وهم سبعمائة يقودهم [ سفيان بن عبد شمس ] …)[3] , لكن في رواية أخرى (… ثم خرجوا إلى غطفان , فدعوهم , فاستجابوا لهم , ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك , فاستجاب لهم من استجاب , فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف , ووافتهم بنو سليم بمر الظهران , وخرجت بنو أسد وفزارة)[4] , فتم حذف اسم (سفيان بن عبد شمس) في الرواية الثانية , لأنه والد (أبي الأعور السلمي) قائد جيش معاوية في (صفّين) .

ومن التعويم : (…ثم ارتحل رسول الله من ذفران , حتى نزل قريباً من بدر, فركب هو [ وأبو بكر ] رضي الله عنه, أي وقيل بدل أبي بكر [ قتادة بن النعمان ] , وقيل [ معاذ بن جبل ] …)[5] , وهنا لأن الرواية الحقيقية تضمنت اسم رجل واحد معروف , وأريد استبداله برجل آخر ليس له تاريخ واقعي , عنوة , ولم يكن ذلك مستساغاً , تم ترديد المقصود بين عدة رجال , ليتم حذف الاسم الواقعي مستقبلاً , فتختار الامة غيره وفقاً لعاطفتها .

ومن التعميم : (واستشار أصحابه في ذلك, فقال المقداد بن الأسود “أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون ” , … , فلما سمع أصحاب رسول الله ذلك تابعوه , فأشرق عند ذلك وجه رسول الله .. ثم قال أشيروا عليّ , فقال [ عمر ] “يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت, ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك, فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته” , …)[6] , بينما في الرواية الثانية (… واستشارهم , فنهاه [ بعض المهاجرين ] عن المسير وقال “إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت” , وقال المقداد “والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون , ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون” …)[7] , فتم اخراج القائل الحقيقي من مثلبة هذا القول السلبي , وتم تركه قولاً عاماً لقائل عام مجهول من الامة , والأسباب واضحة .

ومن التحسين : (واستشار أصحابه في ذلك , فقال المقداد بن الأسود “أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون” , … , ثم قال أشيروا عليّ, فقال [ عمر ] “يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت, ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك, فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته” , …) , لكن في رواية أخرى جاء (… فاستشار الناس , وأخبرهم عن قريش فقام [ أبو بكر ] الصدّيق , فقال وأحسن . ثم قام [ عمر بن الخطاب ] , فقال وأحسن , ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله , امض لما أراك الله فنحن معك , والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا , إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون …)[8] , فتم تحسين ما قاله (أبو بكر) و (عمر) في العنوان , واخفاء مضمون ما قالاه .

لهذا من الصعوبة بمكان على غير الباحث المحقق إيجاد صورة تاريخية قريبة للحقيقة . وقد منح هذا المستوى من التلاعب ضعاف المعرفة وعامة من لا يدقق فرصة التمسك بما يناسب عاطفته من المكتوب[9] .

وكان هذا الحزب باسم قريش , رغم اشتماله على اخرين , لأنه انطلق من حيث العداء القرشي للنبي , وانتهى الى حكم قريش غير العلوية , وقد استمد لاحقاً كينونته المعرفية من مدخلات قريش الرسمية السلطوية . وقد اعتمد كثيراً على القبائل الأعرابية في صحراء (نجد) , وكذلك قبائل الشام , مهاجرها ومقيمها . ففي معركة (الخندق) أقبلت قريش ومن تبعها فنزلت بمجتمع الأسيال, ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل (نجد) إلى جانب جبل (أحد)[10] , وكان هذان هما قسمي الحرب على الإسلام ورسول الله . وقد ظلت هذه المنطقة –بسبب بداوتها– على عداء الحق من حيث تشعر او لا تشعر , سوى من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد , وقد شهدت هجرة غيّرت مسار الكثير من قبائلها نحو الأفضل , وهي في القرنين الأخيرين كانت منطلق جل البلاء على الامة .

ولفهم الخريطة السياسية والعقائدية لتلك الحقب يجب سلوك مسالك ليست هيّنة الكشف , فَلَو تم اخذ مثال الحروب السياسية ضد اغتصاب (ابي بكر) للخلافة , والتي تمت تسميتها حروب (الردّة) , اي الارتداد عن الاسلام , مع تاريخ فتح العراق , فالباحث ملزم بأمثال (محمد بن عمر الواقدي) , مولى قبيلة (اسلم)[11] , وهي القبيلة التي أعلنت الأحكام العرفية في (المدينة) يوم “السقيفة” نصرة ل(ابي بكر) , واتفاقاً مع (عمر) . لذلك هو يروي عن شخصيات (اسلم) روايات خارقة .

 

لقد تميز المخالفون ل(علي بن ابي طالب) بمجموعة مشتركات , منها ضعف البنية الأخلاقية , وحب المال , والعصبية القبلية إضافة للبداوة , وقلة الروافد المعرفية , وسطحية المنهج العقلي , والعنصرية .

جاء في صحيح (مسلم) أنّ (عمر) قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي ( من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى. قال: إنه قارئ لكتاب اللَّه, عالم بالفرائض. و أخرجه أبو يعلى من وجه آخر, و فيه: إني وجدته أقرأهم لكتاب اللَّه. و فيه: و أفقههم في دين اللَّه )[12] .

 

لقد نقل (البخاري) عن (عبد الله بن عمر) قصة (عمر بن الخطاب) حين كان يرتاد مجالس الكهنة السحّارين في الجاهلية , كيف أنهم كانوا مضطربين هم وشياطينهم بسبب قرب ظهور نبي عربي فصيح على دين التوحيد[13] .

 

ومن غريب التاريخ ان ينشغل (عمر) بإسلام (أبي قحافة) والد (أبي بكر) , الذي كان من مسلمة الفتح , اسلم يوم فتح مكة , اذ ما أسرع ان جاء به (عمر بن الخطاب) الى النبي مبشراً بإسلامه , ولا يُعلم وجه سرور (عمر) بإسلام هذا الرجل ذلك الْيَوْمَ الذي دخلت فيه قريش بأجمعها للإسلام , وعلى رأسها زعيم باطلها (أبو سفيان بن حرب)[14] , رغم أن القوم اختلفوا في من جاء ب(أبي قحافة) الى النبي , هل هو (عمر) أم (أبو بكر)[15] .

 

وفِي موقف يجمع عدة من قيادات المخالفين , منهم (أبو بكر بن ابيّ قحافة) و (المغيرة ابن شعبة) و (عمر بن الخطاب) و (عثمان بن عفان) , يوم (الحديبية) , حين جاء احد سادة العرب (عروة بن مسعود الثقفي) وسيطا , بين قريش والنبي , فكأن القوم وجدوا متنفساً لعقدهم الاجتماعية حين وجدوه بين يدي رسول الله ضيفا , فشتمه (أبو بكر) بلفظ فاحش , وضرب (المغيرة) يده , فسأل (عروة) رسول الله عنهم , فعرّفهم له , فعيّرهم , فسكتوا . فيما قال (عمر) لرسول الله انه يخاف الذهاب الى قريش رسولاً ولا عشيرة له فيها , ورفض تنفيذ امر النبي ونصحه ب(عثمان) , ولا يُعرف كيف بعدها أعز الله الإسلام ب(عمر)! , ثم ان (عمر) سعى -بعد ان اصطلح رسول الله مع مندوب قريش (سهيل بن عمرو) – الى تشكيك الناس في مقام النبي , وكذلك حاول جاهداً دفع (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) ليقتل أباه , لتقول العرب ربما أن رسول القوم قُتِل عند (محمد) , فتنفر منه وضده , لكن ضن الولد بابيه ودفع الفتنة وسوء النية[16]. ويوم (الحديبية) أيضا حين بايع الناس رسول الله على الموت , غاب (عمر بن الخطاب) عن تلك البيعة , وقد أوجد له القوم عذراً بفرس يطلبه من احد الأنصار في تلك الساعة وأنه بايع بعد ذلك[17] .

وفي معركة (اُحد) نادى (أبو سفيان) على المسلمين , وسأل عن رسول الله وعن غيره بحسب الرواية , فقال رسول الله “لا تجيبوه” , لكنّ الوحيد الذي لم يتمالك نفسه كان (عمر بن الخطاب) , اذ خالف امر رسول الله , فأجاب[18] .

و (عمر بن الخطاب) , الذب اختلفت روايات القوم في سبب اسلامه وتاريخه , ولي الخلافة بعد (أبي بكر) , تولية فضولية , بنص من الأخير , رغم أنه لم يجاهد ولم يشهر سيفاً في حرب . فصنع له الحاكمون بعده فضائل في أمهات الكتب , لأنه سبب مجيء بني امية الى السلطة , كما أنه كان المعادل الموضوعي في قبالة أهل البيت لدى العَلَويين في عيون العباسيين خصومهم . وكان يراجع (علي بن أبي طالب) في معضلات المشاكل في فترة حكمه التي تجاوزت العشر سنين , وقد أقرّ بحاجته الدائمة لعلم (علي) , حتى قتله مولى مجوسي في عام 23 هجرية[19] .

فيما يدّعي القوم ان (عمر بن الخطاب) اسرع في اعلان اسلامه في اندية قريش , لشجاعته , وان قريشاً اجتمعت عليه وآذته وصرعته , لولا مجيئ (العاص بن وائل) –وهو الذي نزل القران الكريم يحكي كفره وعناده , وهو احد الساخرين من النبي الكريم- ليذكّرهم بمكانة (عمر بن الخطاب) في (بني عدي)[20], وأنه يخشى على قريش منهم . والحقيقة ان (بني عدي) لم يكن لهم ذكر في قريش ولا زعيم وكانوا محميين ببني امية , فكيف يكون ذلك التذكير منطقيا , لا سيما ان قريشاً ما هابت (بني هاشم) , رغم أنهم الأشد بأساً في العرب والاعز مالاً وولدا , ثم اين هي شجاعة (عمر) حين صرعه القوم[21] .

وليس من المصادفة ان تكون الفتنة بين المهاجرين والأنصار على ماء (بني المصطلق) بسبب أجير ل(عمر) يدعى (جهجاه بن مسعود) , اختلف مع حليف للأنصار , فسعى بعض المهاجرين الى رسول الله ضد (عبد الله بن ابيّ بن سلول) , وكان (عمر) منتظراً عنده ليطلب من النبي قتل (عبد الله) , الذي كان من الشرف في قومه انه ينتظر ان يتوج ملكا , الا ان رسول الله سار بالقوم في غير أوان الرحيل , ليتعبوا فيناموا عند الوصول , لتنتهي الفتنة , بعدما اخبر (عمرَ) انه لا يقتل أصحابه , ولينبه (عمرَ) عند الوصول الى (المدينة) انه لو قتل (عبد الله بن ابيّ) ذلك الْيَوْمَ لأرعدت له رجال صارت تنتظره في (ابن اُبيّ) بعد هذا الموقف ومنهم (عبد الله بن عبد الله بن اُبيّ) , وليسقط ما في يد (عمر) , وان كانت الحادثة لا تكشف عن سوء نية (عمر) فهي تكشف على الأقل عن ضعف رأيه[22] . لذلك كان (عمر) حين يسال النبي ولم يجبه ثلاثاً يحرّك بعيره بعيداً خشية ان ينزل فيه قرآن[23] , فكيف لمؤمن واثق ان يظن ذلك ! . وهو الذي بثّ مع شريكه (طلحة بن عبيد الله) إشاعة ان النبي قد مات حين هربوا وألقوا سلاحهم يوم (اُحد)[24] .

ويبدو ان (عمر بن الخطاب) اعتاد ان يثير الشغب بين المسلمين , فحين دخل (سعيد بن العاص) على (عمر) في خلافته وجلس في ناحية من المجلس , ذكّره (عمر) أن قاتل أبيه كان (علي بن أبي طالب) , دون سابق مناسبة , و (علي) جالس , لكنّ (علياً) و (سعيداً) أجابوه بما يسكته ويوئد الفتنة[25] .

وشبيه هذا ما كان من تكذيب (عمر بن الخطاب) ل(ابن ابي حدرد) , حين اخبر النبي عن قدوم (هَوازن) لحربه , فكذّبه (عمر) , فقال (ابن ابيّ حدرد) ما نصه “لئن كذبتني يا (عمر) فربما كذّبت بالحق” , فاشتكاه (عمر) الى النبي , ولكنّ النبي لم ينكر عليه بل قال مؤكداً (( قد كنت ضالاً فهداك الله )) [26], ومن غير الواضح سبب الإصرار من (عمر) على تكذيب هذه الأخبار الخطيرة على دولة الإسلام , وكأنه يريد الا يستعد المسلمون ويأخذوا حذرهم .

وفتنة (عمر) يوم فتح مكة , حين كانت الراية بيد (سعد بن عبادة) سيد الأنصار , ثم بيد ولده (قيس) , لكنّ (عمر) زعم انه يخشى من صولة للأنصار على قريش , فعالج رسول الله الفتنة بنقل الراية الى يد (علي بن أبي طالب)[27] .

وكان من شجاعة (عمر) انه يقوم عند راس الأسير او الذي لا حول له ولا قوة , فيقول للنبي (دعني اضرب عنقه يا رسول الله) , كما فعل مع (حاطب بن ابيّ بلتعة) في قضية الكتاب الذي ارسله الى قريش مع امرأة[28] . و (حاطب) هذا -الذي أراد (عمر بن الخطاب) ضرب عنقه- هو ذاته من صلى عليه (عثمان بن عفان) عند موته في خلافته[29] متمولاً , في الوقت الذي يموت فيه (أبو ذَر الغفاري) غريبا . و(عمر) كان من النوع الذي يجبّن أصحابه ويجبنونه[30] .

 

ولخصائص الخلفاء الثلاثة الأوائل التي يعرفها الرسول فيهم , لم يكن ينتخبهم لقيادة معركة او ولاية مدينة , في حضوره وفي سفره , بل كانوا اذ ذاك ينتظرون مرض الرسول ليختطفوا الراية في جمع من المسلمين , اذا نزلوا معركة كانت الغلبة الظاهرة فيها للمسلمين , كما فعل (أبو بكر) و(عمر) يوم (خَيْبَر) , حين اصابت الشقيقة رأس رسول الله ولم يخرج ليومين , اذ اخذوا راية الجيش عنوة , كما في رواية (بريدة) , لعلّهم يكسبون نصراً ما فيكون شفيعاً لسمعتهم , غافلين عن ضرورة إذن القيادة العسكرية العليا المتمثّلة بحامل الرسالة , الذي حين أتى فاجئهم وكسر خطتهم بحديث ((لأعطينها غداً رجلاً يحب الله ورسوله , ويحبه الله ورسوله , , يأخذها عنوة)) , وهو الحديث الذي بيّن فضل (علي بن أبي طالب) بصورة أجلى , وهو خلاف مرادهم , ففتح على يديه , بعد ان هزموا هم وفشلوا في عمليتهم العسكرية[31] . ومن المحتمل جدا ان حديث ((يحبه الله ورسوله)) كان قبل أخذهما الراية , فتمنيا ان يكونا هما وَهْماً . وقد كانت سراياهم مهزومة او غير منتجة اذا تم انتدابهم , كأنما أراد رسول الله أحيانا بيان سبب عدم تكليفهم , فحين بعث (عمر بن الخطاب) الى (هَوازن) رجع بلا قتال , في ثلاثين رجلا , وحين سُأل لماذا لم يقاتل (خثعم) ؟ , قال انه لم يؤمر الا بقتال (هَوازن) , وحين تم انتداب حليفهم يوم السقيفة (بشير بن سعد) –والد (النعمان بن بشير) , الذي ولّوه في خلافتهم على الكوفة- لقتال (بني مرة) , عاد منهزماً وحده , بعدما قُتِل من معه , ولجأ هو الى يهودي يعرفه , الامر الذي يدل على انكساره وهروبه من المعركة قبل انتهائها[32].

 

ويبدو ان اول اجتماع لقوى انقلاب يوم (سقيفة بني ساعدة) كان في غزوة (ذات السلاسل) , ضمن سرية (عمرو بن العاص) , اذ كان فيها (أبو بكر) و(عمر بن الخطاب) , وقبلهم (أبو عبيدة عامر بن الجراح) , وهي ذات الغزوة التي نقلوا احاديث حب وتفضيل النبي ل(أبي بكر) و(عمر) على الناس فيها , نقلاً عن (عمرو بن العاص) , الذي صلى بالناس على جنابة فيها , فيما نهى (أبو عبيدة) الصحابيَ الكريم الزعيم (قيس بن سعد بن عبادة) عن ذبح الجزور وإطعام المسلمين , خشية أن تزداد كرامته عند الناس , فيما جعل (أبو عبيدة) الناس يأكلون ميتة حوت العنبر . ولم يكتفوا بهذا الفعل , بل نسب المدافعون عن قوى الانقلاب من كتبة التاريخ ان رسول الله أجاز لهم ذلك للاضطرار , ثم طلب منهم شيئا من ذلك اللحم ليأكله . وقد فات هؤلاء المزورين ان الجيش ان أكلوا للاضطرار فما بال رسول الله يريد الاكل منه بلا اضطرار , وكأنهم بعد ان أخفوا اسم الكريم (قيس بن سعد بن عبادة) عن الرواية أرادوا الإساءة لمقام النبي , لحفظ مقام قوى الانقلاب[33] ! . ولا يُعلم هل احرز الناقل كرامة (عمرو بن العاص) على النبي وآله , حتى يتم قبول الحديث منه او عنه في تفضيل بعض الصحابة على غيرهم . و(أبو بكر) و (عمر) هما من أساءا لسمعة (قيس بن سعد بن عبادة) عند الناس , لشدة كرمه , فاشتكاهما أبوه الى النبي (محمد) , واتهمهما بأنهما يسعيان ليكون ابنه بخيلا[34]  .

لذلك ليست هناك غرابة في غياب (أبي بكر) و(عمر بن الخطاب) و(عثمان بن عفان) عن نجدة النبي وعن تحشيد الرجال , وأن رسول الله محمداً لم يؤمّرهم على سرية او يخلّفهم على (المدينة) , حيث استعمل غيرهم مثل (علي بن أبي طالب) و(ابا ذَر الغفاري) و(ابن أم مكتوم) .

وكانت الراية يوم فتح مكة ل(سعد) و (قيس) ابنه , حتى اثار (عمر بن الخطاب) الفتنة , فأعطاها النبي ل(علي بن أبي طالب) . وقد حاول رواة السلطة لاحقاً -على لسان (ابي هُريرة) – جعلها ذاك الْيَوْمَ بيد (الزبير) و(خالد بن الوليد) و(ابي عبيدة)[35]. وكان (قيس) من الأوائل الذين نهضوا مع الامام (الحسن) حين خذله الناس . وكان (سعد بن عبادة) وابوه وجده وجد جده سادة في الجاهلية والإسلام , يطعمون الطعام , وكان فيهم السؤدد , وكان يجير فيجار , وكذلك كان ابنه (قيس) . وكان ل(سعد) ستة أبناء كلهم نصروا رسول الله[36] .

 

ان بيان رسول الله مقام (علي) في غدير (خم) وتوليته بولاية النبي على المؤمنين والمؤمنات , بعد ان نعى اليهم نفسه , كافٍ لأي عاقل في قبول حق (علي) بالولاية السياسية والدينية , وتهنئة (عمر بن الخطاب) ل(علي) يومها[37] لا تترك لبساً في فهم الناس لمفهوم هذه الولاية . الا ان سيف (علي) في جهاد أهل الشرك كان قد أثار النفوس ضده , وجعل قبائل الأعراب تنتظر في أمره اَي طارئ , وهو ما وفره الانقلاب . وبعد اسلام قريش الاضطراري , وإسلام الأعراب من (قيس عيلان) , صاحبة آخر معركة عنيدة ضد النبي والتي دخلت الإسلام تحت حد السيف وبتأليف قلوب زعمائها بالمال , والتي تتحين أخذ الثأر من النبي نفسه , او في أهل بيته , وكما هو واضح من اضطرار النبي للمرة الأولى في جميع مشاهده ان يستخلف (علياً) على (المدينة) , وقد كان حامل لوائه في كل المعارك , في غزوة (تبوك) , الغزوة الأولى بعد دخول جميع قريش و(قيس عيلان) في الإسلام , لأسباب سياسية تتعلق بأمن الدولة الإسلامية , كان النبي حريصاً بما لا يدع مجالاً للريب ان يتخلص من كل المرجفين في امر (علي) , فأنفذهم في سرية (أسامة بن زيد) , وفيهم (أبو بكر) و(عمر بن الخطاب) و(أبو عبيدة بن الجراح) و(سعد بن ابي وقّاص) واخرون , من الذين لم يكن من الصدفة ثبوت تمردهم على حق (علي) مستقبلا . وكانت هذه المرة الثانية التي يبعث فيها النبي من لا يريده في العاصمة (المدينة) من المهاجرين في سرية بعيدة , اذ بعث (أبا عبيدة بن الجراح) و(سعد بن ابي وقاص) في سرية (عبد الله بن جحش) الى عمق التحالف المضري النجدي القرشي في (بطن نخلة) بين مكة والطائف , ولم يخبرهم بالمهمة مباشرة , فبكى (أبو عبيدة) قبل تحرك السرية , فتركه النبي , وبكاؤه بكاء خائف لا شك , وتخلف (سعد بن ابي وقاص) بعد علمه بخطورة المهمة . وان كان القوم قد أوجدوا ل(ابي عبيدة) عذراً لاحقاً بأنه بكى صبابة لرسول الله , وان (سعداً) و(عتبة بن غزوان) تخلُّفا يبحثان عن ناقة ضلت[38] , وما ضلّت الناقة ولكن ضلّ صاحباها .

وقد كان النبي يعلم انه مودّع , وان الحال ليس حال بعثة عسكرية عند التروي والتفكّر في الأمر , لكنه ما شاء ان يحضر احدهم امر الخلافة بعده , ولو شاء ما ارسله , بل أقصاهم الى ارض بعيدة هي ارض الروم . فيما جعل عليهم (أسامة بن زيد) الشاب الصغير أميراً , توكيداً للحجة في استخلاف (علي بن أبي طالب) , كيلا يقولوا هو صغير وفِي المهاجرين من هو اكبر منه . وقد اعترضوا على إمرة (أسامة) , فنهاهم النبي بعد ان غضب منهم . ولما رأى النبي منهم الخذلان وعدم الخروج كان يكرر – حرصاً على حق (علي) – أنفذوا بعث (أسامة)[39] . الا انهم خالفوا أمره وتركوا السرية وعادوا الى (المدينة) يتربصون , وراحوا يقيمون الصلاة , مرة ل(عمر) ومرة ل(ابي بكر) , باقتراح من (عبد الله بن زمعة)[40] حفيد (الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى) الذي كان من المستهزئين برسول الله , ويكنى (أبا زمعة) , وكان وأصحابه يتغامزون بالنبي وأصحابه ويستهزؤون بهم ويصفرون ويصفقون , فدعا عليه رسول الله أن يعمى ويثكل ولده , فعمي فشغله عن رسول الله , وقُتل ابنه معه ب(بدر) كافرا , قتله (أبو دجانة) , وقُتل ابن ابنه (عتيب) , قتله (حمزة) و(علي) , اشتركا في قتله , وقتل ابن ابنه (الحارث بن زمعة بن الأسود) , قتله (علي)[41] , وقد نال (عبد الله بن زمعة) رعاية خاصة من الخلفاء الثلاثة بعد هذا , وهو الذي ضرب الصحابي الجليل (عبد الله بن مسعود) في خلافة (عثمان) وبأمره . ومنه يُفهم ان هذه الأحداث لم تكن عفوية أبدا , ويُعلم كيف جعل انقلاب (السقيفة) للمنافقين من أبناء الكافرين المعاندين سلطاناً على الصحابة المؤمنين .

فلما رأى النبي منهم هذا الفعل أيقن ان حق (علي بن أبي طالب) يحتاج الى الكتابة , فأمرهم بإحضار ما يكتب به وفيه , الا انهم عمدوا الى التشكيك في صحة النبي العقلية , بقول (عمر بن الخطاب) ان النبي ” غلبه الوجع ” او ” انه يهجر “[42] , فخشي النبي ان يسري التشكيك الى كل رسالته , لا سيما ان قبائل الأعراب المهزومة حديثاً تتربص السوء ب(المدينة) , وهي الأقرب اليها من قبائل العراق الموالية , فتنهار الدولة وتتمزق قبل وصول عصائب أهل العراق , الامر الذي يعطي الروم والفرس فرصة القضاء عليها , فاضطر النبي الى طرد الحاضرين من المكان بياناً لما هم عليه من السوء .

ولا يُدرى كيف شكك (عمر بن الخطاب) بشرعية ما يكتبه النبي من وصية اثناء مرضه , ثم يجلي اليهود وأهل الكتاب من جزيرة العرب اثناء الشطر الثاني من خلافته لحديث روي اليه انه قاله النبي اثناء مرضه الذي رحل فيه ! , اَي بعد عشرات السنين , فبدا ل(عمر) في أهل الكتاب ما لم يبدُ للنبي ذاته ولا ل(ابي بكر) اثناء خلافته ولا ل(عمر) اثناء الشطر الأول من خلافته , بحديث مدّعى قال ان النبي قاله في ذات الحال الذي شكك في شرعيته (عمر)[43] .

 

ان النبي محمداً أراد ان يكتب كتاباً للمسلمين , وهو في فراش المرض , لن يضلّوا بعده أبدا , لكنّ (عمر بن الخطاب) – في خطوة أولى – قال ( انّ الرجل ليهجر ) , بمعنى انه ” يتحدث بغير وعيه من شدّة المرض ” , فكثر اللغط حول جدوى الكتاب , فبادرهم (عمر) مرّة اخرى ( حسبنا كتاب الله ) , وهو يعلم انهم سيختلفون في تأويله , ولا يُدرى كيف انه اكتفى بكتاب الله ولم يتم جمعه بعد – حسب رواية القوم – ! . فأمرهم النبي بالخروج من عنده , حيث لا يجوز عند النبي التنازع . ولم يكتب لهم ذلك الكتاب , لكنّه أورثه في عقيدة اجلّاء الصحابة . وكان (ابن عباس) يقول عن ذلك الْيَوْمَ بعدها ( ان الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم )[44] .

وقد يتساءل احد ما ” لماذا امتنع النبي عن الكتابة لقول (عمر) , ولماذا لم يكتب كتابه رغم اعتراضه ؟ ” , وجواب ذلك : انّ (عمر) وجماعته بهذه المقولة قد اسقطوا شرعية الكتاب , بادّعائهم انّ النبي لم يكن في وعيه , لذلك ما عاد الكتاب نافعا من الناحية العامة . كما انّ النبي خاف ما هو اخطر من ذلك , خاف ان يسري تشكيك (عمر) هذا ليشمل احكام الاسلام وآيات القران , ولن يتورع القوم في اتهامها .

ثمّ ابتدأت المرحلة الثانية في حركة الحزب العمري في عملية الانقلاب على الاسلام , حيث انهم تخلّفوا عن جيش (اسامة) , الذي أخرجهم النبي فيه اتّقاءً لشرّهم ودفعاً لخطرهم , ولعن من تخلّف عن ذلك الجيش . واللطيف ان رسول الله لم يأمر (أسامة بن زيد) بقتال احد , بل امر ان يوطئ الخيل تخوم فلسطين والبلقاء[45], وهذا مُلفت في جيش فيه هذا العدد من الصحابة لا وجهة لها من الناس , بل من الأرض , خلافاً لمعارك رسول الله الدفاعية او سراياه المنجدة لقوم من المسلمين او جيوشه الكاسرة لشوكة قريش المعتدين , ومن ثم يلعن من تخلّف عنه . وهو الامر الذي تنبّه اليه (أبو بكر) وحزبه لاحقاً بعد نجاح انقلابهم , فجعلوا هذا السر في ابعادهم عن (المدينة) علة لفتح الشام , ليحرزوا بهذا تعليلاً آخر لخروج هذا الجيش , ويشغلوا الناس أيضا . وقد تخلفت قوى الانقلاب جميعاً عن هذا الجيش , بما فيهم (أبو بكر) و(عمر) وأصحابهم , بعدما شككوا في تأمير (أسامة بن زيد) عليهم كما شككوا سابقاً في تأمير النبي لأبيه (زيد بن حارثة) .

اما لعن رسول الله لمن تخلف عن هذه السرية[46] فقد حرّفه أمثال (سيف بن عمر التميمي) استنقاذاً لهذه الفئة , فتم حذف اللعن مرة بلا إضافة في رواية[47], ثم في رواية أخرى استخدموا الاستبدال اذ أوردوا اللعن لكن لشأن اخر لا مناسبة له تربطه مع الحدث ومع غضبة النبي واصراره على إنفاذ البعثة , فرووا انه قال بعد امر الانفاذ ( لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد )[48]. ومجمل احاديث هذه الفترة العصيبة في تاريخ المسلمين وردت عن طريق الوضّاع (سيف بن عمر التميمي) , الذي رفض القوم حديثه في الفقه وقبلوا حديثه في السير! . كأنما الفقه بلا معرفة التاريخ ورجاله ومعرفة الصادق والكاذب منهم يستحق ان يكون دِينا . فقد كانت قصصه نافعة لهم جدا للتغطية على احداث الانقلاب الحقيقية . الا ان رسول الله قد أنبأ الناس حينها بقدوم الفتن كقطع الليل المظلم كما روى (ابي مويهبة) مولاه[49]. ولو كان يعلم ان ما بعده خير ما قال ذلك . حتى ان رواية (سيف) عن (ابي ضمرة) عن (الحسن البصري) خليط عجيب من مجموعة قصص , جعلت من (ابي بكر) خليفة , و(عمر) مع جيش (أسامة) خارج (المدينة) مع مجموعة المسلمين[50].

ان الانقلابيين كانوا قد عقدوا اتفاقاً بينهم وبين قبيلة (اسلم) لفرض الأحكام العرفية في (المدينة) , عند رحيل النبي مباشرة , وانشغال المسلمين بتجهيزه . فكان دور (عمر) إشاعة ” انّ النبي لم يمت ” , و هدّد من يقول بموته , فيما يكون دور (ابي بكر بن ابي قحافة) – وهو كبش الفداء في هذه المرحلة – التأكد من انشغال الصحابة المقربين وزعماء الناس بتجهيز النبي , ليعلن موته مع المطالبة بخلافته في نفس اللحظة . وعند الاعتراض – وهو امر طبيعي تجاه هذين العنصرين المغمورين – يأتي دور قبيلة (اسلم) في رفع السلاح واحتلال (المدينة) .

وحين كان الخليفة الشرعي (علي بن أبي طالب) – الذي يعلمون انّ قيمه لن تدعه يترك اخاه وسيد الخلق محمداً بلا تجهيز – مشغولاً برسول الله جاء الرجلان الى سقيفة (بني ساعدة) للمطالبة بالخلافة (القرشية) , فنهاهم الانصار , الذين كانوا يرونها حقاً مفروضاً ل(علي بن ابي طالب) , لكنّهم اصرّوا على تولّيها بدعوى انها لقريش , وذلك رأي الانصار أيضاً إلا أنهم يرونها ل(هاشم) من قريش , فأبى الأنصار , فتنازع الناس , فارتأى بعض الانصار الاحتفاظ بمقامها لحين قدوم (علي) , فسارع (بشير بن سعد) احد سادة الخزرج لنصرة (ابي بكر) و (عمر) , حسداً منه لابن عمه (سعد بن عبادة) سيد (الخزرج) العام وطمعاً بما ناله هو ثم ابنه – (النعمان بن بشير) – من دنيا مستقبلا , في خطأ تاريخي سيدفع قومه ثمنه بطشا . وقد ورث (النعمان بن بشير) – وهو ثاني اثنين من الأنصار مع معاوية – سوء صنيع ابيه يوم السقيفة فصار عبداً لنزوات بني أمية , بعد ان أعز الله قومه , فيغير باسمهم فساداً على مدن المسلمين في العراق وهي تحت حكم خليفة رسول الله ووصيه (علي بن أبي طالب) , كغارته على (عين التمر) حين ولّى مهزوماً امام مائة وخمسين رجلاً فقط , بعد ان كان القليل من أهله يقاتلون الكثير وينتصرون , لأنهم إنما قاتلوا على الآخرة , وهو قد قاتل على الدنيا .

لكنّ الامر لم يستتب للقوم رغم ذلك , حيث اصرّ الانصار في غالبهم على رفض (ابي بكر) , رغم أخذ البيعة له من البعض , دون وجود وجوه الصحابة وزعماء القبائل , حتى وصلت جموع قبيلة (اسلم) بسلاحها , فاحتلت (المدينة) , وعندها انتعشت امال (عمر) , ودخل الانصار في حيرة الاقتتال . وعلى الاظهر ان (أبا بكر) استخدم قبائل الاعراب مسلحة حول (المدينة) .

وحين جاء (علي بن أبي طالب) , ورغم انه احتج عليهم بقوله ل(ابي بكر) (( إنْ كُنتَ بالقربى حججتَ خصيمهم فغيرك أولى بالنبي واقربُ , وَإِنْ كُنتَ بالشورى ملكتَ امورهم فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ ؟! )) , لكنّه كان مقيّداً بنزاع القوم وانفراط عقد الدين كله .

انّ (علياً) – والعقل كذلك – كان يدرك انّ العمريين لم يعقدوا اتفاقهم مع (اسلم) وحدها , بل لابدّ انّ الامر كان اكبر من ذلك , وانّ قريشاً كانت تعلم , وربما كان للروم واليهود يد في ذلك , كما تبيّن بالدلائل لاحقا . فكان (علي) والأنصار وشيوخ المهاجرين بين أمرين , الوقوف بوجه الفتنة , وبالتالي الحصول على دولة منقسمة , يحكمها (خلفاء) عدّة , او التسليم لحكم (ابي بكر) , حتى يتمّ تغيير الواقع مستقبلا , فكان الثاني اخفّهما ضررا . ولذلك كان (علي بن أبي طالب) قد رد (أبا سفيان) حين جاءه يحرضه على رفض بيعة (ابي بكر) , او كما سماه (ابا فصيل) , اذ علم (علي) من (أبي سفيان) النفاق . وبالفعل فقد اشترى (أبو بكر) ذمة (أبي سفيان) بتولية ابنه (يزيد) على الشام , فقال (أبو سفيان بن حرب) ” وصلته رحم ” . لتبدأ من هنا قصة الملك العضوض . وهذا الإقطاع للشام من قبل الفئة الانقلابية لبني امية لم يأتِ عفويا , بل عن مفاوضات بالتأكيد , وان مقدم (أبي سفيان) ل(علي) كان ورقة ضغط على قوى الانقلاب لرفع سقف المكاسب . وفعلاً أمّر (عمر بن الخطاب) (يزيدَ بن أبي سفيان) على دمشق عند فتحها مباشرة , وولّى (يزيدُ) اخاه معاويةَ على الشام دون الرجوع الى (عمر) قبل رحيله , فأقرّ (عمر بن الخطاب) هذه الولاية[51] . لهذا ليس من المنطقي ما روي من قول (عمر) ل(أبي سفيان) يوم فتح مكة ( لو لم اجد الا الذر لجاهدتكم ) , وإنما هي رواية اريد منها ابعاد (عمر) عن الشبهات والصفقات , وإدخال (علي) في علاقة مع بني امية خفية , اذ نسبوا فيها نصح (علي) ل(أبي سفيان) دون (عمر) او (ابي بكر) , ثم جعلوه على لسان (أبي سفيان) الين القوم , ثم هو مخادع بما رووا , فيما جعلوا (عمر) أعدى القوم لبني امية على لسان (أبي سفيان) [52]. وربما يكون (يزيد) هذا هو ابن (أبي سفيان) الذي كان معه كافراً يوم فتح مكة حين كان يبحث في الحيل للنجاة من غضبة المسلمين لله يومها[53]. لقد جيء ب(علي بن أبي طالب) ليبايع (أبا بكر) مكرهاً[54], وما كانوا ليقدروا عليه لولا ما كان من إيمانه بضرورة حفظ النظام .

ان السلطات الجديدة التي نشأت عن هذا الانقلاب لم تنسَ لقبيلة (اسلم) وقفتها , فكتب كُتَّابها مدحاً فيها , نسبوه – كالعادة – الى رسول الله , ليحرزوا أمرين , شكر هذه القبيلة , وشرعنة فعلها . فعن (زيد بن خالد) عن رسول الله قال ( قريش والأنصار وأسلم وغفار – أو غفار وأسلم – ومن كان من أشجع وجهينة – أو جهينة وأشجع – حلفاء موالي , ليس لهم من دون الله ولا رسوله مولى )[55]. ويبدو ان (عمر) بعدئذ احدث تغييراً ديموغرافياً كبيراً وخطيراً اثناء خلافته بنقل الأعراب الى (المدينة) عاصمة الخلافة واحاطها بجموعهم , في امتداد لظاهرة الاستعانة بهم في حادثة انقلاب السقيفة التي دُبرت من قبل[56].

 

ان نتناول تلك الحقبة من تاريخ الاسلام امر واسع , يمكن التماس بعض اثاره ودلائل أحداثه . ولأن (أبا بكر) لم يكن اكثر من وجهٍ مرحلي لعبور الفئة الانقلابية نحو استلاب الحكم الاسلامي , رغم ان القوم جعلوا له مناقباً وصحبة , وافردوه بلقب “صاحب النبي” وشراكته في الغار عند الهجرة , رغم ان الراوي الوحيد لهذا الحديث هو (أبو بكر) ذاته , كما كان الراوي الوحيد لحديثه الذي رد به شهادة سيدة النساء[57] (فاطمة الزهراء) من ” ان معاشر الأنبياء لا يورّثون ” , ثم كان دور ابنته (عائشة) في تبني هذا الحديث[58]. فحديث (ابي بكر) والغار في الكتب الحديثية التسعة بسند واحد (عن همام عن ثابت عن أنس بن مالك عن ابي بكر , حدّثه …)[59]. وهو معارض بحديث (… ثم نام مكانه , قال وكان المشركون يرمون رسول الله , فجاء أبو بكر , و(علي) نائم , قال وأبو بكر يحسب أنه نبي الله , قال فقال يا نبي الله , قال فقال له علي ” إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه ” , قال فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار …)[60]. ومنه يُدرك بوضوح ان النبي لم يأخذ (أبا بكر) معه مطلقا , ف(أبو بكر) الذي لم يعلم بتوجه رسول الله الى مكة حتى رأى ابنته (عائشة) تتجهز , فسألها عن مقصد رسول الله فلم تعرف , أولى انه لم يكن شيئاً مذكوراً في حركة الرسالة الاسلامية[61]. وقد جعلوا له مقامات بروايات وفاة النبي , عن أمثال (يونس بن بكير) الذي قالوا فيه انه ( احد رجال البرامكة , وانه مرجئ , يتبع السلطان , وضعيف ليس بالقوي , ولا تحل الرواية عنه , ولابد من التثبت فيه ) . وعن (يونس بن عمرو) الذي قالوا ( لا يحتج به , وأن فيه غفلة , وأن حديثه مضطرب ) . وعن (عبد الله بن ابي مليكة) قاضي (الزبير) . ومع هذا احتجوا بهم واثبتوا الفضل ل(ابي بكر) . والروايات جميعها متناقضة متضاربة لا تتفق أبداً مع المنطق . فقد رجع (أسامة بن زيد) ولم ينفذ ما أمره به رسول الله من مسير الجيش الى تخوم فلسطين , رغم اللعن الذي لعنه النبي لمن تخلف عن المسير , وجعلوا يروون عكس ما يستفاد من اللعن من دعاء رسول الله ل(أسامة بن زيد) , فرغم ان النبي لا يتكلم بسبب مرضه الا انهم زعموا أن أسامة فهم انه يقصد الدعاء حينما رفع النبي يده الى السماء وانزلها .

ثم ان رسول الله بعث الى (علي) , فبعثت (عائشة) الى (ابي بكر) , وبعثت (حفصة) الى (عمر) ابيها , فصرفهم جميعاً رسول الله , والظاهر انه لا يستقيم صرفهم مع دعوتهم دون تبليغهم بما أراد , وذلك بعد حشر (عائشة) و(حفصة) آباءهم في هذا المقام . وهو ما لا يتناسب مع ادعائهم من انه قال أمروا (أبا بكر) ليصلي بالناس , وهو قد غضب منه قبل قليل , كما لا يستقيم من ان النبي غيّره الى (عمر) بناءً على رأي (عائشة) ثم رجع اليه بناءً على رأي (عمر) ! , وكأنما رسول الله مسيّر بأيديهم حاشاه . ثم أين هو (علي) الذي بعث اليه النبي من اول الحديث ولم يُعلم ماذا أراد منه , ولا شك انه امر جلل حيث يدعوه وهو مفارق . كما لا يستقيم مع ذكرهم ان النبي خرج وجذب (أبا بكر) ومنعه من الصلاة وصلى النبي بالناس رغم شدة مرضه وصعوبة حركته . فلماذا يفعل هذا وهو الذي دعاه للصلاة بزعمهم ! . الا ان الواضح الموافق لفطرة العقل والفهم السليم ان (أبا بكر) أخذ مكاناً ليس له بتحريض ابنته ومساعدة (عمر) و(حفصة) , بعد ان منعوا النبي من الأسرار ل(علي بن أبي طالب) وأحاطوا به , فسرقوا مقام الإمامة في الصلاة , فخرج النبي رغم شدته ليدفعهم عن هذا المقام , فكيف بمقام امامة الامة . ولأنهم انتبهوا الى هذه العلة في الروايات ابتكروا صلاة جديدة , تحل الإشكال الواضح ها هنا , صلاة بإمامين , فقالوا ان (أبا بكر) كان يصلي بصلاة النبي والنَّاس تصلي بصلاة (ابي بكر) ! . فوقعوا فيما هو اكبر من الإشكال الأول . الا ان هذه الرواية الأخيرة كشفت عناد (عائشة) واغضابها للنبي وهو في شديد علته , اذ يأمرها بشيء فتعترض وترفض تنفيذه ثلاث مرات , وهو لا شك ليس الشيء الذي ذكرته الرواية . لذا يُرى ان القوم اضطربوا في عدد الصلوات التي صلاها بزعمهم (أبو بكر) , فجعلوها سبعة عشر ركعة , بمعنى يوم واحد , وبين ثلاثة ايّام . ثم ان رسول الله بعد دفعه (أبا بكر) عن الصلاة تحدث عن الفتن وقدومها كقطع الليل المظلم , وهو ما يتناسب مع حديث من أغضبه الموقف , لذلك خرج (أبو بكر) مباشرة الى أهله ب(السنح) وقد ترك رسول الله رغم مرضه , الامر الذي يكشف ان النبي قد عنّفه بالكلام وأغلظ له فذهب هارباً ولم يعد الا بعد وفاة النبي . وهي العودة المتفق عليها بينه وبين (عمر) ورجال اخرين . فكانت وظيفة (عمر بن الخطاب) ان يؤخر بيعة الأنصار ل(علي بن أبي طالب) حتى مقدم (ابي بكر) من خارج (المدينة) , فادعى ان النبي لم يمت وانه ذهب لميقات ربه ك(موسى) أربعين ليلة , وانه سيقتل من يقول بموته عند رجوعه , وهدد (عمر) الناس , رغم انهم رووا ان (عائشة) قالت ان النبي مات بين سحري ونحري , فكيف لم توقف (عمر) عن غيه ودعواه ! , الا انها كانت بانتظار عودة ابيها .

وإن كان (عمر) جاهل بموت الأنبياء فهو اقل شأناً من ان يصلح للخلافة وفِي الامة اعلم منه , وإن كان قال ما قال عاطفة فهو اقل من ان يكون خليفة أيضاً وفِي الامة احجى منه . فلم يبقَ الا ان يكون متعمداً فعل ما فعل خديعة .

وقد كان إصرار الأنصار على بيعة (علي) دليلاً قاطعاً على ان امر الخلافة قد حُسم في حياة النبي , ولا اقل ان الامة كانت مقتنعة بأن (علياً) هو أفضل الصحابة , اذا شاء أحد ان يترك القول بالوصية . فكيف ساغ تأخيره لاحقاً بعد (عمر) و(عثمان) , حتى مساواته بمعاوية ! .

ومن تناقض الروايات ان الأنصار قالوا لا نبايع الا (علياً) , ثم تدعي رواية أخرى انهم قالو ” منا امير ومنكم امير ” . وتنقل الروايات ان (أبا بكر) احتج على الأنصار في سقيفة (بني ساعدة) ان رسول الله جعل الخلافة في قريش , فأي قريش أولئك الذين جعل رسول الله الخلافة فيهم , هل هم كفار بني امية , ام مسلمة الفتح , ام الهاربين في يوم (اُحد) و(الخندق) . ولأي مناسبة جعل النبي الخلافة في قريش , هل لسبب عصبي قبلي , ام هو امر ديني له قواعد , واذا كان له قواعد ما هي وما هي ضوابطها , وكيف يستقيم ان الامر شورى للأمة بحسب عقيدة القوم اللاحقة وأن النبي جعل في يد قريش عقده .

لكنّ القرشيين من المهاجرين كانوا يعلمون ان النبي حصره في (علي بن أبي طالب) الهاشمي القرشي , لهذا سكت الأنصار عن مثل هذا الاحتجاج , الذي تم فيه رفع الخصوصية عن (علي) وتجريد المعنى ليكون عاماً , فكان تدخل (بشير بن سعد الأنصاري) مساعداً كبيراً لنجاح فعلة القوم ضد (علي) والأنصار , بالإضافة الى شراكة (عويم بن ساعدة الأنصاري) الذي وقف (عمر بن الخطاب) على قبره بعدئذ فقال ( لا يستطيع أحد من أهل الأرض أن يقول أنه خير من صاحب هذا القبر )[62], وكذلك (معن بن عدي الأنصاري) الذي صار من قادة جيش (ابي بكر) بعد نجاح الانقلاب فقُتل في (اليمامة)[63].

ثم رووا ان (علياً) حين سمع ببيعة (ابي بكر) ركض مسرعاً وهو لم يتم لباسه للخروج فبايع وجلس , ورووا كذلك ان (علياً) خاصم (أبا بكر) ستة أشهر ولم يبايع , حتى ان الزبير شهر سيفه نصرة ل(علي) , ورووا كذلك ان (علياً) اجتمع الى (ابي بكر) وحده , رغم نهي (عمر) ل(ابي بكر) ان يجتمع بهم وحده , فاحتج (علي) بالقربى فقط ! وأقر بفضل (ابي بكر) وسابقته ! , ثم بايع . وهي نقولات سمجة تستهين بعقل القارئ وتضطرب حيثما حلت , لأنها ببساطة كاذبة .

حتى ان الكذب عدا الى حقيقة غسل (بني هاشم) لجسد النبي بعد وفاته اذ ولاه (علي بن أبي طالب) و(آل العباس بن عبد المطلب) , فروى (آل الزبير) عن (عائشة) قصة غريبة في غسل وتجهيز النبي , فيها من الأحداث ما يراد منه سلب فضيلة (علي) وجعل (بني هاشم) كباقي الناس وأن الغسل كان موكولاً للملائكة لا لهم , لذلك هي روت انها نادمة انها لم تلِ غسله .

ولتتم هذه العملية الانقلابية انفرد (أبو بكر) بأحاديث نسبها للنبي لم تسمع من غيره حينها , وكانت منه اقرب الى الناس من (عمر) المشكوك دائماً عندخم أمره . منها حديث مضمونه ( معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقه ) , وحديث ( ما قُبض نبي الا يدفن حيث قبض ) المخالف ربما لسنن التاريخ . وبدأت تأليفات كل من (ابي بكر) و(عمر) و(ابي عبيدة بن الجراح) لأحاديث نسبوها للنبي في فضل كل واحد منهم , وهم يقسمون الأدوار داخل السقيفة , في ظاهرة تكشف عن اتفاق مسبق ومخطط , حتى ان (عويم بن ساعدة الأنصاري) و(معن بن عدي الأنصاري) لم يترددا في مخاطبة (عمر) و(ابي بكر) وهما ذاهبان للسقيفة للقاء الأنصار , وكأنهما يفهمان تماماً ما عليه رأي هذه المجموعة القرشية .

كما ظهرت في هذه الفترة احاديث مفصلية مهمة في سياسة العالم الإسلامي , كان الاحرى الا تقال في حال مرض النبي , بل الأولى أن يتم عرضها مسبقاً على منبر القيادة الصريح وأمام الآلاف من الناس , لأنها مرتبطة بالدم والمال والعرض والدين والمستقبل , مثل ( لا يترك في جزيرة العرب دينان ) و ( لا يتخذ المسلمون قبور أنبيائهم مساجد ) . وقد نسبت كل تلك الأحاديث الى (عائشة) , رغم انها تروي انها وأهلها ما دروا بدفن رسول الله ليلة الأربعاء الا بعد ما سمعوا المساحي[64], ورسول الله قُبض يوم الاثنين , فبينهم وبين دفنه يومان جهل (آل ابي بكر) فيهما حال جسد النبي , فأي علاقة تلك .

بعد هذا كله وجد أمثال (المغيرة بن شعبة) – الذي غض (عمر) الطرف عن حدّه في الزنا[65] – فرصة ذهبية للتزوير والانتشار وسط هذا الكم من الكذب , فادعى انه اخر الناس عهداً بالنبي , وراح يركب هذه الدعوى ليحدّث أهل العراق , الذين سألوا (علياً) عن حقيقة هذا المدعى , فأخبرهم بكذب (المغيرة) قبل ان يبادروه[66].

لقد احتج (عمر بن الخطاب) على الأنصار في سقيفة (بني ساعدة) لدعم حق المهاجرين بالخلافة بعد الرسول بمنطق عشائري بدوي لا يُعرف كيف رضاه عقلاء القوم في زمانه وفِي الزمان اللاحق , اذ هو نفى ان تقبل العرب ان تكون الخلافة في غير قبيلة النبي[67]. لكنّ (عمر) – ومن قبل قوله – كيف صرفها عن عشيرة النبي الأقرب من (بني هاشم) لا يُعلم .

ومن احتجاج (عمر) في نفس المقام بتقديم (ابي بكر) للصلاة كفضيلة تقدّمه على غيره , بينما الرسول لم يقدّمه , وان (أبا بكر) بالاتفاق مع ابنته (عائشة) و(عمر) هو الذي تقدم , وقد أرجعه النبي , تُدرك خيوط تلك المؤامرة وأنها لم تكن عفوية , بل كانت مخططة لأيام او لأكثر من ذلك .

ولا شك ان هناك كلاماً لم ينقله رواة التاريخ خلق الفتنة بين (الاوس) و(الخزرج) في تلك السقيفة . وقد اظهر (عمر بن الخطاب) في ذات مقام السقيفة حقداً وإساءة عجيبتين تجاه سيد الأنصار (سعد بن عبادة) , اذ وصفه بالنفاق , وسعى الى قتله . والاغرب ان القائل بهذا وهو (عمر) ليس له من تاريخ (سعد بن عبادة) الإيماني قطرة , و(سعد) صاحب اليد الفضلى هو وابنه على سرايا وعوائل المسلمين . لكن يبدو ان (عمر) كان يختزن عداءه لأضخم الشخصيات الإسلامية , ومن الغريب ان يختار (عمر) كبار الشخصيات الإسلامية لمهاجمتها . ثم كان (عمر) و(أبو بكر) في دائرة مغلقة مع (بشير بن سعد) الذي كان يسير الأحداث بما يضر إرادة (سعد بن عبادة) . ورفض (سعد بن عبادة) سيد الأنصار و(علي بن أبي طالب) سيد المهاجرين بل المسلمين ورفض قبائل العراق الكبرى لخلافة (ابي بكر) دليل دامغ على بطلان تلك الخلافة . لا سيما ان (سعد بن عبادة) اعتبر الشعائر والمناسك التي يأتيها هؤلاء الانقلابيون باطلة , واعتزلهم , فهذا إفتاء ببطلان مناسكهم . وقد نسبوا ان (سعداً) إنما أراد الخلافة له وللأنصار , وهذا خلاف موقفه وموقف ولده (قيس) من نصرة (علي بن أبي طالب) دون (ابي بكر) , وعدم سعي (سعد) في الاستفادة المادية من الاحداث اذا كان هو كما زعموا طالباً للإمارة . الا ان كل تلك المزاعم رويت عن الوضّاع (سيف بن عمر التميمي) [68] .

 

 

ولا احد يعلم بواطن (عمر) , فهو شخصية تخفي الكثير من الأسرار , اذ لم يكن سمحا , فقد اعترض بشدة وانتقد الرجل المسلم الذي قام بين يدي رسول الله قبل وفاته واعترف بأنه قد نافق , فهو لم يكن يرى الاعتراف بالأمراض الداخلية حتى أمام النبي , حتى ان الكلمة التي قالها (عمر) عندما رد عليه رسول الله اعتراضه في تلك اللحظة لم ينقلها رواتهم , سوى انهم قالوا ان رسول الله قد ضحك , الامر الذي يكشف ان (عمرَ) لم يكن يدرك معاني القيادة النبوية ولم تكن تهمه خطورة النفاق[69] .

 

وقد ادعى القوم ان (أبا بكر) جمع القرآن , على يد (زيد بن ثابت) , من صدور الرجال واوراق الأشجار والجلود والحجارة , بمشورة (عمر) , ثم احتفظ احدهما بالمصحف ولم يذعه في المسلمين , وجعله الى (حفصة بنت عمر) , ثم ورثه (عثمان) , الذي بدأ حملة جمع جديدة للمصحف , لا يُعرف سبب لها , اذا كان بين يديه مصحف تام , قد تركه الخليفتان اللذان لا يُعرف كذلك لمَ لمْ يسمحا للمسلمين بنسخ ما جمعاه تاماً[70] .

 

وفِي مفارقة عجيبة , حين صارت الخلافة الى (عمر) كان أمامه رجلان , احدهما فارس المسلمين المضحي يوم (الخندق) (علي بن أبي طالب) المنتصر , وفارس المشركين المقتحم للخندق على رسول الله مع (عمرو بن عبد ود) وهو (عكرمة بن ابي جهل) , المهزوم , والرافض ان يرافق (خالد بن الوليد) في إظهار الإسلام , خوفاً وسياسة حتى , والقائل يوم فتح مكة -حين أذّن (بلال) – ما نصه (لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول)[71] , فاختار (عمر) لقيادة المسلمين العسكرية الثاني , وهو (عكرمة) وترك (علياً) . و(عكرمة بن ابي جهل) كان احد الذين امر رسول الله بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة , هو و(عبد الله بن سعد ابي سرح) الأخ غير الشقيق ل(عثمان بن عفان) , الا ان الخلافة الانقلابية جعلتهم قادة وأمراء , بعد عزل أصحاب رسول الله الذابّين عنه[72] .

 

واستعمل (عمر) على بعض الشام (سعيد بن عامر الجمحي) , الذي شارك في قتل المؤمن (خبيب بن عدي) صبرا , وكانت تصيبه غشية حتى مات جزاء دعوة (خبيب) عليه , ومع ذلك امتدحه (عمر) فقال (من سرَّه ان ينظر الى رجل نسيج وحده , فلينظر الى سعيد بن عامر) , وازداد عنده خيراً حين سمع انه تناله غشية من قتله (خبيباً)[73] . ولا عجب اذ ارتدى قادة (عمر) في الشام (خالد) و (أبو عبيدة) الديباج والحرير رغم حرمته لاستقباله[74] .

وكذلك حين اتي الى (عمر) بسيف (النعمان بن المنذر) , دعا (جبير بن مطعم) , احد المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح , وأهداه السيف , ثم سأله عن اصل (النعمان) , والعرب تعرف ان المناذرة ورثة السبئيين القحطانيين بلا لَبْس , لذلك عرف (جبير) ان الرجل يرشوه , ليتلاعب بالأنساب , لأسباب قبلية وسياسية , فقال ان (النعمان بن المنذر) من ولد (قنص بن معد)[75] , من (عدنان) , وكانت هذه من أولى عمليات التزوير السلطوي السياسي في التاريخ الإسلامي , والتي مهدت للتغيير الديموغرافي .

وانطلق شيعة (علي) من أهل البحرين من قبيلة (عبد القيس) لقتال الفرس في معركة (طاووس) في خلافة (عمر) , بعد أن عبروا إليهم البحر دون إذن (عمر بن الخطاب) , فاقتتلوا قتالاً عظيماً , بقيادة (خليد بن المنذر بن ساوى العبدي) و (المنذر بن الجارود) و (سوار بن همام) , دون والي (عمر) عليهم (العلاء بن الحضرمي)[76] .

 

وكان شيعة (علي) في الخلافة العمرية حين رجعوا من معركة (اليرموك) ضد الروم في الشام الى القادسية ضد الفرس , يقودهم أشهر الشيعة (مالك الأشتر)[77] , الذي طلب الى أمراء جيش المسلمين الذين جعلهم (عمر بن الخطاب) ألا يشتركوا مع قبيلته (النخع) في القتال ضد الروم , بعد ان رأى تذبذب وتردد وخشية هؤلاء الامراء عند مشاهدتهم عظمة جيش الروم , فاختار القليل الصلب من قومه على الكثير المتردد من غيرهم .

 

فيما كان الصحابي (حذيفة بن اليمان) من أهم شيعة (علي) , وصاحب سر النبي في المنافقين , وهو ما جعله والياً على (المدائن) ابعاداً له وخشية منه بأمر (عمر بن الخطاب) الى ما بعد وفاة (عثمان)[78] .

 

وفيما يتعلق بالهيكل المفترض مادياً , والذي يسميه المسلمون “المسجد الأقصى” , والذي يدّعي اليهود اليوم ملكيته , كبقايا لهيكلهم , فهناك من الاحداث والوقائع الغريبة والمحيرة التي صدرت عن الحكام المسلمين -لصالح الخطط اليهودية- ما يثير العجب . فأول من احدث الايهام تاريخياً كان الخليفة (عمر بن الخطاب) , حينما اختط للمسلمين –عند فتحه (القدس) – مسجداً على الصخرة الجنوبية من مسجد داوود ! , في حين كان مسجد داوود الى الشمال ! , بمشورة اليهودي المتأسلم (كعب الاحبار) , الذي كان يرافقه في الرحلة[79] , وكان يشغل عملياً منصب “المفتي الرسمي للدولة” , رغم وجود نخبة الصحابة , فيما هو اسلم في خلافة (عمر) ! . حتى اتى زمان الخليفة الاموي (عبد الملك بن مروان) , والذي بنى ما يُعرف بأنه اسم للقبة الصفراء المثمنة والمشهورة اليوم “المسجد الأقصى” , فكان تعزيزاً للإيهام الذي ابتدأه (عمر بن الخطاب)[80] . فيما كان (صلاح الدين الايوبي) اول من اعطى اذناً لليهود بالعودة الى قرب “المسجد الأقصى” , بواسطة تدخل طبيبه الخاص اليهودي القبّالي (موسى بن ميمون)[81] . ثم اتى الخليفة العثماني (سليمان القانوني) سنة 1536م ليعطي اليهود (فرمان) يأذن لهم بموجبه بالتعبد قرب مسجد داوود الاصلي[82] .

والرجال الاربعة كانت لهم خاصية مشتركة في التأريخ الانساني الذي يروم البحث مقارنة مجتمعاته , فجميعهم كانوا معادين جداً لآل بيت النبي محمد , وعنيفين مع شيعة آل البيت . وهذان الامران معاً يفتحان باباً للتساؤل حول الدوافع الحقيقية وراء سلوكيات هؤلاء الرجال الاربعة , وخصوصاً ان الاعلام الرسمي جعلهم من قمم التاريخ , فيما يعزز الاعلام القبالي[83] المعاصر فكرة الرفع من شأنهم وطمس عيوبهم .

ف(عمر) لا يمكن ان يتغاضى احد عن موقفه من بنت الرسول (فاطمة الزهراء) وكسره ضلعها , وحرقه لدار (علي) وصي الرسول , وقمعه لشيعة (علي) من الصحابة , وموقفه من نبط العراق المسلمين والمسيحيين .

 

وقد كان من مستوى معرفة (عمر بن الخطاب) أنه يظن ان آخر ارض العرب هي البصرة , ثم تبتدأ ارض العجم , وهم النبط , لشدة اختلاط العرب بالنبط بعد ذلك[84] .

ومما هو مشهور العنصرية التي واجهت بها الفترتان العمرية والاموية شعوب (النبط) , اذ امتهنوهم وعيّروا بهم وأقصوهم , واستغربوا لسانهم وعدّوه اعجميا , واستهانوا بهم كونهم يمتهنون الزراعة . كما يدل على ذلك ما رواه (ابن الحاج) عن غضب (عمر بن الخطاب) حين رأى كثرة (النبط) في العمل التجاري ونفور العرب عنه[85] . و (عمر) -كما هو معروف- قد أجلى غير المسلمين عن (المدينة) , فيما تشير الرواية الى غلبة (النبط) على سوقها . وَمِمَّا يعنيه ذلك ايضاً انّ (النبط) كانوا يسكنون (المدينة) بكثرة .

وقد عانى انباط العراق الامرّين , لما لهم من ارث سومري عقلي , لا يناسب سلطات الانقلاب في عهود الخلافة الإسلامية المغتصبة , اذ ورد أن (الحجاج بن يوسف الثقفي) نفى (النبط) عن (واسط) , وهي في وسط بلاد العراق , وأمر عامله على البصرة (الحكم بن أيوب) بنفيهم , لأنه لا يتفق مع أفكارهم , حتى من كان منهم قارئاً للقرآن ومتفقهاً في الدين , بل وصلت ثقافة بعض العرب السلطويين أنه يرى أن (النبط) جنس شرير بطبعه وابن زنا , فقد ورد أن (المأمون العباسي) ذكر أن (عمر) كان يجوّز للعربي بيع جاره النبطي اذا احتاج الى ثمنه[86] . وكانت من عنصرية (عمر بن الخطاب) تجاههم ان تبلغ انه طلب الى واليه (حُذيفة بن اليمان) ان يطلّق زوجته النبطية , فأبى (حُذيفة) الا ان يخبره (عمر) أحلال ام حرام , فأخبره (عمر) انها حلال ولكن فيهن “خلابة” ! . رغم زواج المهاجرين والأنصار من نساء أهل السواد بكثرة كما ينقل (مسلم) مولى (حُذيفة) و (جابر)[87] . ومن قبل في زمن النبي كان (عمر) عنصرياً تجاه غير العرب , اذ اساء الى (سلمان الفارسي المحمدي) في نسبه في جمع من قريش , فنهاهم النبي حين اعلمه (سلمان) وأبان فضل (سلمان) عليهم بتقواه[88] حتى ان (سلمان) خطب من (عمر) –اختباراً له ذهبت حمية الجاهلية عن قلبه ام لا كما عبّر– فردّه[89]. وقد كان جنود (عمر بن الخطاب) -الأعراب الذين بعثهم من شبه الجزيرة- يغيرون على هؤلاء الانباط , في متاجرهم الكبرى في البصرة , وهي ثغر الصين والهند والميناء التجاري الأكبر , وعلى (دست ميسان) الغنية بالثروة الحيوانية , ويقتلون زعماء تلك المناطق , رغم انهم أهل كتاب , اذ كان من الأسرى أبو ((الحسن البصري)) , وعلى رغم ان الرواة جعلوا ينسبون انهم يخرجون لقتال المسلمين , الا ان هذا مستبعد منهم ابتداءً , لأنهم كانوا جماعات صغيرة في تلك الأسواق والصومعات , تقاتلهم فرق صغيرة ايضاً من الأعراب , ولا يمكن تصور قتال رسمي بهذه الكيفية , الا انهم قطعاً كانوا يدافعون عن حريمهم وتجارتهم وثرواتهم , الامر الذي دفعهم امام التدفق العربي هذا الى الدخول في تحالفات مع القبائل العربية , لا سيما أهل شمال البصرة و (دست ميسان) , اذ كانت (ذي قار) وجنوب البصرة المحيطة بهم تستوطنها قبائل عربية كبرى[90] . خصوصاً ان (عمر بن الخطاب) ولى على البصرة حزبه , (عتبة بن غزوان) ثم ((المغيرة بن شعبة)) ثم (أبا موسى الأشعري) , والله يعلم ما فعلوا بالناس , مثلما كان ولاته على مكة واليمن والكوفة وبلاد الشام والبحرين وعُمان (عتاب بن أسيد) و (يعلى بن منية) – ابن أخت (عتبة بن غزوان) , وأسلم يوم الفتح- و (سعد بن ابي وقاص) و (أبو عبيدة) و (عثمان بن ابي العاص) و (حذيفة بن محصن) , وقد ترك خيار الصحابة وأهل الورع منهم[91]. والاغرب ان (عمر) أعطى مسيحيي (القدس) -الذين يؤلهون عيسى- أماناً مفتوحاً شاملاً , بكتاب مختوم[92] , لم يعط بعضه لنصارى العراق النساطرة الموحدين , الذين سلب جنوده أراضيهم وثرواتهم .

 

وقد كانت (نجران) مركزاً نصرانياً مهماً , شهد صراعاً فكرياً ودينياً , وهم الذين احرقهم صاحب الاخدود , وقد ظلوا هناك الى زمان (عمر) حين هاجر اغلبهم الى العراق[93] .

 

 

ومن ولاة الخلافة العمرية (عبد الله بن سعد بن ابي سرح) اخو (بني عامر بن لؤي) , الذي أهدر النبي دمه يوم فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة , وأعتب الصحابة انهم لم يقتلوه حين جاء به (عثمان) , بعد ان خبأه في داره لأيام , ولم يبايعه النبي لثلاث مرات[94] , كان أخاً ل(عثمان بن عفان) بالرضاعة , وقد ولّاه (عمر بن الخطاب) بعض اعمال المسلمين في خلافته , ثم ولّاه (عثمان) من بعده[95] ! .

لقد ورث زعماء بني امية سياسة (عمر بن الخطاب) العنصرية تجاه الموالي والعجم من خلال تفضيله العرب عليهم , وتوسعوا فيها , اذ صار (معاوية) يخلق تفضيلاً وامتهاناً داخل العرب أنفسهم , بمستوى البلدان , كالعراق والشام , اذ وصم العراق بالنفاق , في تعميم سمج , ولا شك ان من يتهمه (معاوية) بالنفاق سيكون الأقرب الى الحق . او على مستوى القبائل , ك(مضر) و(ربيعة) , وعلى مستوى الشعوب ك(قحطان) و(عدنان) .

 

واتماماً للحركة الانقلابية , اختار (عمر) من بعده -في مخالفة لدعوى الشورى , وهروباً من ضرورات النص- مجموعة يغلي في اغلبها بغض (علي بن أبي طالب) , منهم (عثمان) , الذي وتر (علي) رؤوسَ قبيلته من بني أمية من أجل الإسلام , وفيهم (سعد بن ابي وقّاص) , الذي لم يبايع (علي بن أبي طالب) حتى بعد بيعة الامة له , وقد قتل ولده (عمر بن سعد) سيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي) , وَ (عبد الرحمن بن عوف) , الذي حين مات ترك من الأموال والكنوز الدنيوية ما يكسِّر بالفؤوس , والمدافع عن رأس الكفر (امية بن خلف) وابنه حين أراد (بلال) قتله , لولا ان استعان (بلال) بالمسلمين فقتلوهما , وَكان (عَبد الرحمن) يحاول تهريب (ابن خلف)[96] , و(طلحة بن عبيد الله) , الذي قتل (علي) عمه وإخوته على الإسلام ايضاً[97]. ولم يفت القوم ان يجعلوا الفضائل لأمثال هؤلاء . فينقلون عن (سعد بن ابي وقّاص) نفسه ان رسول الله قال له “ارم فداك ابي وامي”[98] , كما هي معظم فضائله[99] , رغم ان (سعد بن ابي وقاص) كان احد الهاربين من السبعة سرية (عبد الله بن جحش) الذين بعثهم رسول الله الى (بطن نخلة) بين مكة و(الطائف) يستخبروا امر قريش ومددها النجدي , لا كما أشار المؤرخون , لأن هذه المنطقة كانت رافد قريش العسكري , حتى ان (ابليس) لما تمثّل لقريش في (دار الندوة) في اجتماعهم لقتل النبي , ونسبوه قال لهم انه رجل من (نجد) , فاطمأنوا له مباشرة , لذا كانت خطرة جداً وبعيدة عن (المدينة) , لذا استرجع قائد السرية حين قرأ كتاب رسول الله بالسير اليها قبل واقعة (بدر) , وقد أمره النبي الا يقرأه الا في منطقة محددة , وقد كان اختبارا واضحاً لأمثال (سعد) ومن معه , اذ لم يخرج في السرية بأمر النبي الا المهاجرون , فيهم (عمار بن ياسر) الذي صمد وصبر وقاتل , فيما فرّ (سعد بن ابي وقاص) و(عتبة بن غزوان) . وقد أوجد لهما القوم عذراً كالعادة بأنهما تخلُّفا يبحثان عن ناقة لهم ضلت[100] ! .

واشترى (عثمان) سكوت (الزبير) بمئات الالاف من الدراهم , بلغت في اول عهده ستمائة الف , ثم يجمع (الزبير) الأموال والقروض من الخليفة ومن غيره , حتى بلغت تركته التي ورثها أبناؤه واستعانوا بها على إقامة دولتهم اكثر من خمساً وثلاثين مليون درهم . كذلك كانت ذمة (طلحة بن عبيد الله التيمي) , الذي غضب حين لم ينتظر (عبد الرحمن بن عوف) وصوله الى مقر الشورى بعد ان جعله (عمر بن الخطاب) فيها , فبايعوا (عثمان) دون اخذ رأيه , فوصله (عثمان) بمئات الالاف من الدراهم , واسقط عنه ديونه لبيت المال , حتى بلغت تركته التي ورثها أبناؤه ثلاثين مليون درهم . ثم سايروا الناس وتيار الغاضبين على (عثمان) وصاروا من المؤلبين عليه . وهذا ما يفسر انقلاب (الزبير) و(طلحة) ومن شابههم على خليفة عادل مثل (علي بن أبي طالب) , لا يحابي احداً على احد بسبب العنوان او لشراء ذمته , بعد ان بايعوه , وتأملوا دفعة أخرى من الثروة لموقفهم , لكنهم لم يحظوا بما أرادوا من الدنيا[101] .

 

وحين طالب الثائرون على (عثمان) بتغيير سياسته الرأسمالية المجحفة , طالبوه ايضاً بعدم الرجوع الى ما كانت عليه سياسة (عمر) المالية , من الانفاق على البطالين وغير العاملين , تحت ظل عناوين غير شرعية ابتكرها (عمر) , لينفق على أناس أراد كسب ودهم , وحجب المال الكثير عن غيرهم , من الذين استحقوه بكدهم وجهدهم , لكنهم كانوا معارضين ل(عمر) , ولم يستطيعوا حينها الاعتراض , خوفاً على وحدة الدولة الإسلامية . فسياسة (عمر) هي من فرخت جور سياسة (عثمان) , التي طغت في البلاد , فأكثرت فيها الفساد وجاءت ببني امية[102] .

ف(عثمان) حين استخلف بعد (عمر) , امر مساعده (ابن زمعة) بضرب وطرد الصحابي البدري وحاضر بيعة الرضوان ومعارك (الخندق) و(حنين) مع رسول الله وأستاذ القرآن (عبد الله بن مسعود) , حتى كسر ضلعاً من أضلاعه على باب المسجد , و(عائشة) تنهى (عثمان) عن فعل هذا بأصحاب رسول الله ولا ينتهي ! , لا لشيء الا لمعرفة (عثمان) بولاء ابن مسعود ل(علي بن أبي طالب)[103], في إعادة لواقعة ضرب (عبد الله بن مسعود) من قبل مشركي قريش قبل الهجرة , بعد ان جهر بينهم بالقرآن مضحياً بنفسه الشريفة[104] .

 

لقد جاءت قبائل العراق التاريخي الكبرى , مثل (مذحج) و(النخع) و(زبيد) و(عبد القيس)[105] , وقد كانوا نصارى , طائعين في اسلامهم الى رسول الله , ولو شاءوا لقاتلوا عن دينهم النصراني , كما قاتلوا بعدئذ عن الإسلام بشراسة , لكنهم كانوا مختارين باحثين عن الحق , لا كما يدّعي المدّعون من إجبارهم بالسيف على الإسلام , فهل السيف الا سيفهم . لكن ارادت أقلام (بني امية) الا يجعلوا لهم فضلاً دينياً على الحاكم , كما ارادت الخلافة العمرية من قبل الا يكون لهم فضل على قريش . هذا فضلاً عن اهل العراق من (ربيعة) و(مضر) و(النبط) في جزيرة الشمال العراقية حتى حدود تكريت التي كان اغلب أهلها نصارى[106] .

 

 

 

تخلّف مجموعة ممن حملوا العنوان العام لمفهوم “الصحابة” عن بيعة امير المؤمنين (علي) , كانوا عثمانية الهوى ومن خزان بيت مال (عثمان) وممن اثروا على حساب الامة التي تجهل فعالهم[107] , فيهم (صهيب الرومي) الذي جعله (عمر بن الخطاب) على الصلاة عند اختيار (عثمان)[108] , و(فضالة بن عبيد) الذي ولي القضاء لمعاوية بن (أبي سفيان) ومات في دمشق تحت رعايته بعدما ولي له الجيش[109] , و(قدامة بن مظعون) خال أبناء (عمر بن الخطاب) وواليه على البحرين والذي حدّه على شربه للخمر وعزله[110] , و(كعب بن عجرة) الذي كان عابداً للأصنام دون أهل (المدينة) حتى تأخر إسلامه عنهم[111] . لكنّ هذه الدعوات والدعايات لم تكن تنطلي على الواعين من زعماء القبائل , مثل (زيد بن صوحان العبدي) امير (عبد القيس) , الذي حين راسلته (عائشة) ان يخذّل الناس عن (علي) ويجلس في بيته استغرب وقال ما مضمونه ” أمرتنا بأمر هي مأمورة به من الجلوس في بيتها , ونهتنا عن امر هي منهية عنه وقد أُمرنا بالقتال “[112] .

 

وقد أخذ الثلاثة الخلفاء امر السلطة بطرق غير واضحة وغير ثابتة , ف(أبو بكر) قال ان ولايتها بالشورى , ولم يكن من مشير حينها . ومن ثم أفضاها الى (عمر بن الخطاب) بالوصية[113] , ولم يقبلوا قبلاً الوصاية ب(علي) . ولا يُعرف كيف ردوا دعوى (علي) في حقه بالخلافة ورسول الله يقول (( لا تشكو علياً , فوالله انه لأخشى في ذات الله من ان يشكى ))[114] . فيما (عمر) جعلها في ستة يبغضون (علياً)[115] .

ومن الغرابة ما قاله (طه حسين) في معرض نقده لضيق مجلس الشورى الذي صنعه (عمر) لاختيار الخليفة بعده , وعدم ضمه للأنصار الذين كان لهم الفضل المعروف في الإسلام , ولا اقل من اعتراف (ابي بكر) لهم عند الانقلاب بانهم الوزراء وانهم هم فضلاء الدين واهل دعوته ولا يجوز بحال التجاوز عنهم , وبغض النظر عن تجاوز الكاتب عن مناقشة حقيقة ان المجلس كان يضم من علم (عمر) ارتباط نفوسهم بالمال والدنيا سوى (علي) , وأنهم كانوا اصهار بعض , وأنهم لن يختاروا (علياً) بحال , وكذلك عند تجاوز لفتة انهم عرضوا الخلافة على (علي بن أبي طالب) بشرط السير بسيرة الشيخين التي رفضها جملة وتفصيلاً بوجود كتاب الله وسنة نبيه , وأنهم لو كانوا يرون فضلاً ل(عثمان) على (علي) لما قدّموا (علياً) عليه ابتداء , مع ذلك كله يُعلم ان (طه حسين) يعلم في قرارة نفسه ان (عمر) يعلم جيداً ان الأنصار لو حضروا الشورى لن يكون الخليفة الا (علي)[116] .

ففي هؤلاء الستة من مجلس شورى (عمر) ثلاثة سلبوها من (علي) في اول الامر عند وفاة رسول الله وبايعوا مع عشائرهم (أبا بكر) , هم (عبد الرحمن بن عوف) و(سعد بن ابي وقاص) الزهريان , و(عثمان بن عفان) الأموي[117].

كما ان الشخص الذي لكفته الترجيح عند التساوي (عبد الرحمن بن عوف) كان صهر (عثمان بن عفان) وابن عّم (سعد) الذي لم يبايع (علياً) حتى مات[118] . وكان (عبد الرحمن بن عوف) الذي جعله (عمر) رئيساً لمجلس الستة الذين يختارون الخليفة بعده صهر بني امية رهط (عثمان بن عفان) من عدة طرق , فهو متزوج من (ام كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط) اخت (عثمان) بالرضاعة , وصهر (عتبة بن ربيعة بن عبد شمس) أي متزوج من خالة معاوية , وصهر (شيبة بن ربيعة بن عبد شمس) . وهو اذ اختار (عثمان) ورشحه لهذه القرابة وخوفاً من عدل (علي بن أبي طالب) , لكنّ (عبد الرحمن) اضطر ان يتراجع عن تأييد (عثمان) بعد ذلك حين بلغ ما بلغ من جور على الصحابة وابتعاد عن السنة النبوية , ودعا الناس الى مجاهدته ومنعه من الاسراف على نفسه وعلى الامة , من خلال توليته اقاربه الامويين بعد ان قاطعه[119] .

فيما رابعهم (طلحة بن عبيد الله) , قتل (علي بن أبي طالب) عمه وإخوته على الإسلام . و(طلحة) هو الذي كان في زمان (عثمان) يملك معظم (خيبر) وشيء من أراضي الحجاز واراضي العراق . وهذا ما يكشف سر انقلابه على خلافة (علي بن أبي طالب) العادلة .

ومعادلة الغنى المٌحدَث بفعل الميول السياسية تسببت في تغلّب جماعات من مُحدَثي المال والحضارة على عالم الاقتصاد الإسلامي , الى جانب اثرهم السياسي منذ زمان (ابي بكر) و(عمر) , الامر الذين يعني إضعاف مكانة العائلات والزعامات النجيبة التي انتصر بتأثير وجودها رسول الله والإسلام , لصالح هذه القوى الدنيوية المترفة حديثا[120]. فيما بلغت احدى قوافل تجارة (عبد الرحمن بن عوف) في زمان (عثمان) خمسمائة راحلة وما عليها افضل منها قيمة , وقد ترك من الذهب ما يقطع بالفؤوس , ومن الجمال الالاف , ومن المزارع الكثير . فخلق (عثمان) طبقية صريحة تفوق طبقية (عمر) المقنّعة , الامر الذي كسر شوكة الوحدة الاجتماعية للبلاد الإسلامية[121]. ولا يمكن فهم فضل هؤلاء المُحدَثين الجدد على صحابة رسول الله الآخرين الذي ظلوا فقراء او متوسطي الحال مثل (ابي ذرّ) و(المقداد) و(عمار) وسادة الأنصار مثل (قيس بن سعد بن عبادة) . حتى صار الامر –جراء هذه السياسة الدنيوية لاستلاب السلطة– كما وصفه (أبو فراس الحمداني) بقوله ( الحق مهتضم والدين مخترم * وفيء آل رسول الله مقتسم .. قام النبي بها يوم الغدير لهم * والله يشهد والأملاك والأمم .. حتى إذا أصبحت في غير صاحبها * باتت تنازعها الذؤبان والرخم .. وصيروا أمرهم شورى كأنهم * لا يعلمون ولاة الحق أيهم .. تالله ما جهل الأقوام موضعها * لكنهم ستروا وجه الذي علموا .. ثم ادعاها بنو العباس ملكهم * ولا لهم قدم فيها ولا قدم )[122] .

ان دعوى أصحاب (ابي بكر) في تقديمه مناقضة لفعل رسول الله بتقديم (علي بن أبي طالب) ليبلّغ عنه الحجيج حين نزلت سورة براءة , اذ قال (( لا يبلّغ عني غيري او رجل منّي )) , فإن كان النبي يقصد ب “منّي” النسب فهي عنصرية قبلية جاهلية , وحاشاه , وان كان يقصد بها الثقة فهو قد رد (أبا بكر) وقدّم (علي)ا[123] , وإن كان يقصد بها المقام ف(علي) أولى بالمقام بعده , لا سيما ان هذا التبليغ في اخر سنيّ النبي وفِي جمع عامة أمة الإسلام , كأنه أراد البلاغ ب(علي) لا بالسورة .

 

 

فيما نقل (مسلم) عن (عمر بن الخطاب) أن الناس تحدثوا فعلاً أن رسول طلق (عائشة) و (حفصة) , وأن (عمر) دخل عليهما موبخاً , وقد أخبر بنته (حفصة) أن رسول الله لا يحبها ولولاه لطلقها النبي , فبكت كثيرا , فراح (عمر) يبحث عن رسول الله , فوجده معتزلاً غاضباً , فظل يتملقه كيلا يطلقهما , فلم يرده النبي من سمو خلقه ومن كمال سلوك الأنبياء في احتمال الأذى , فذهب ينشر الخبر بين الناس بأعلى صوته , فنزل قوله تعالى (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ))[124] .

وكان (ابن عباس) يذكّر (عمر بن الخطاب) عن المرأتين من أزواج النبي اللتين قال الله تعالى (( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما )) , و (عمر) يقر أنهما (عائشة) و(حفصة) , كما أقر في حديث آخر أن ابنته (حفصة) تغاضب النبي وتخاصمه , وأن النبي اعتزلهن تسعاً وعشرين ليلة , وأنه لاحقاً خيّرهن بالطلاق[125] .

 

 

لكنّ العراق لم يخلُ من وجود رواسب أعرابية , او ناصبية , لم تكن تستوعب بعد إمامة (علي بن أبي طالب) , وهي ربما تكون قبائل كبيرة في الصحراء , او مجاميع فرعية من قبائل العراقين تخضع لزعماء عمريين , مثل (ابي موسى الأشعري) , الذي كان والي (عمر) على الكوفة , والذي كان أيقونة اللاوعي فعلياً , التي ساهمت في إضعاف جبهة (علي)[126], حتى كسر ضلع الحق في قضية الحكمين في (صفّين) , بسبب ميله ل(عبد الله بن عمر) , حتى راح يثبط الناس عن نصرة (علي بن أبي طالب) ويرد على (الحسن بن علي) , الإمام المفترض الطاعة , وعلى (عمار بن ياسر) , جدلاً بغير وعي وحجة , و(علي) خليفة المسلمين[127] .

 

ان تبرير الانقطاع عن الواقع التاريخي الحقيقي للإسلام لا يتم إلا بمعرفة القطع الذي أوجدته الحقبة العمرية , حيث امر (عمر بن الخطاب) بمنع تدوين حديث رسول الله , وكذلك استبدل جيل الزعماء من الصحابة بجيل اخر – مهّد له (ابو بكر) – من قادة الحرب في قريش وقبائل اخرى , كانوا في الغالب مناوئين لرسول الله او مهدوري الدم , او الذين اشتراهم بالمال بعد ان كانوا من أهل الردة كما يروون مثل (الزبرقان بن بدر) الذي اشتراه وقومه بخراج البحرين ثم صار مقرباً من (عمر)[128] . ومثل (الاشعث بن قيس الكندي) الذي زوجه أبو بكر اخته (ام فروة بنت ابي قحافة) , رغم انهم يروون انه كان مرتداً وقتل (أبو بكر) رجال قبيلته كندة صبراً وسبى الف امرأة منها[129] , ثم ولاه الانقلابيون أذربيجان . فيما اسكت – بالقوة – الرواة المصاحبين للنبي وللأحداث الاولى او المهمة في الاسلام , وأطلق العنان ل (كعب الأحبار) بالرواية والإفتاء[130] . ومنع الكثير من الصحابة الاجلاء من مغادرة المدينة الى الامصار . وقد اعتذر له كتبة السلطان بانه خشي الفتنة عليهم . ان الفتنة التي جعلوها عذراً ل(عمر بن الخطاب) في منعه الصحابة من الخروج الى امصار المسلمين هي الثورة التي كانوا سيحركونها ضد النظام القائم المخالف للشريعة , بدليل ان (عثمان) حين سمح للصحابة بالحركة خارج (المدينة) – ليبعدهم عنه وعن معارضة عطاياه لأسرته – قاموا بالانتفاض فعلاً وتحريك عامة المسلمين ضده , الامر الذي يعني ان (عمر) كان يعتقلهم عملياً في الإقامة الجبرية , ومن ثم تزداد خطوط الانقلاب وضوحا[131] .

وعلى هذا الأساس – العمري – بنى المستشرقون رؤيتهم للتاريخ الاسلامي , وحاولوا اعتماداً عليه – وبصورة متعمدة – إظهار الاسلام خالياً من القيم السماوية والإنسانية , وليس فيه إِلَّا السيف والبداوة , وهما ما ميّزا الدين العمري فعلا .

يقول (غيومان لوسيتر) في كتابه “تاريخ فرنسا” (انّ هؤلاء العرب قد فرضوا دينهم بالقوة وقالوا للناس اسلموا او موتوا , بينما اتباع المسيح ربحوا النفوس ببرّهم وإحسانهم)[132] . ولا يُعلم عن أيّ برّ دمويّ يتحدث (لوسيتر) ! , إِلَّا اذا قصد برّ نصارى الشرق وحدهم , والذين دخلوا في الاسلام طوعا .

نعم , يمكن الاتفاق مع المستشرقين المعنّفين للإسلام فيما فعله الاسلام (العمري) , و (الأموي) لاحقا . وحين نصفه بالعمري تجاوزاً لمرحلة (ابي بكر) , فلأنّنا نعلم انّ (أبا بكر) لم يكن سوى مرحلة وسطية للهيمنة على السلطة , لأنه لم يكن جزءاً واقعياً من المتآمرين , لكنّه كان دنيوياً محضاً , ينفع في جعله الخطوة الاولى نحو استلاب الخلافة من قبل اللاعبين خلف الكواليس , لاسيما بعد أنْ زوّج ابنته (عائشة) من رسول الاسلام . والدليل ان أبا بكر ذاته قد اعترف لطلحة بحقيقة ان الأمير (عمر بن الخطاب) والطاعة الظاهرية له[133] . لهذا حين استخلف (أبو بكر) (عمر بن الخطاب) كان ذلك بلا مشورة , سوى ما تحدث به الى اثنين من أهل الدنيا هما عبد الرحمن بن عوف و(عثمان بن عفان) ليقنعهم ب(عمر) لا انه يستخبرهما كما يتبين من كلامه , وقد ترك اجلاء ووجوه الصحابة المقربين الى رسول الله . وهو امر كان متفقاً عليه بين قوى الانقلاب بدليل ان (عثمان بن عفان) كتب اسم (عمر بن الخطاب) في صحيفة الاستخلاف قبل ان يفيق (أبو بكر) من غشاوته فأقره (أبو بكر) على ما كتب . لهذا كان اذا أراد الناس ان يكلموا (عمر) في خلافته قدموا (عثمان بن عفان) او (عبد الرحمن بن عوف) خوفاً من نزقه , على خلاف سيرة مجالس رسول الله للمؤمنين والذي كان فيهم كأحدهم[134]. وقد كان الصحابة معترضين على ما فعل من امر الاستخلاف ل(عمر) مما جعله يغضب بحسب رواية (عبد الرحمن بن عوف) , ومنهم (طلحة بن عبيد الله) الذي اعتبره مغضباً لله تعالى[135]. وهذا ربما هو سبب عدم تأمير (عمر) لهم على جيوش الفتح , وتشكيكه في ولائهم وقوله انهم سينكلون[136], اذ يبدو ان الخلاف بينه وبينهم كان عميقا . ومن الغريب المروي تلفيقاً ليزيد التراث الروائي ضبابية ان المجلس الذي اصطنعه (عمر) لاختيار الخليفة بعده جعل الامر ل(عبد الرحمن بن عوف) في الاختيار وحده , الامر الذي يكشف انه هذه الشخصية تكررت في كل مراحل الانقلاب كشخصية محورية غريبة , وانه خلا بعلي وسأله عمن يرشح لمنصب الخليفة فاختار (عثمان) , وحين خلا ب(عثمان) وسأله عن مرشحه اختار عليا , ولا نعلم اذا كان للخلافة من الستة فقط هذان المرشحان وان الأربعة الاخرين ليس لهم حق وان المرشحين كانوا يؤثرون بعضهم فعلى ماذا كان الاختلاف في اجتماعهم الأول[137] .

كما اختلف القوم في سبب استخلاف (ابي بكر) ل(عمر بن الخطاب) بالنص هل هي بمشورة مجموعة من اصحابه ام من املاء (عثمان بن عفان) وحده حين اخذت (أبا بكر) غشية من غشوات المرض , وبالتالي لمن الفضل في ذلك , او على من يقع الوزر ومخالفة الشورى[138] . ويذهب (طه حسين) في كتابه “الشيخان” – كعادته – الى انكار كل الروايات التي لا تعجبه من التاريخ دون بينة منه والى استحسان الظن النفسي منه فقط , فينكر إمكانية استخلاف (ابي بكر) ل(عمر) دون رأي المسلمين او اعتراض الصحابة على هذا الاستخلاف غير الشرعي ويبرر ان (أبا بكر) حتى وان فعل ذلك فهو في مقام الناصح وللمسلمين رفض بيعة (عمر) او خلعه , متناسياً ان معنى ذلك صريحاً انقسام الدول الإسلامية والحرب الاهلية التي تكون فيها المعارضة طبقة كبيرة من الصحابة والسلطة هم المستخلفون بالنص من قبل الانقلابيين يعاونهم الأعراب وبنو امية وقريش , ومن ثم القضية معقدة جداً تتطلب اسقاط السلطة وقتال الأعراب ومواجهة الأعداء الخارجيين من الفرس والروم دون وجود قيادة مركزية متفق عليها ثم العمل على توحيد الصفوف باتجاه قيادة مقبولة , وهذا كله اقرب الى المستحيل , وهو السبب في سكوت الكثيرين عن تولية (ابي بكر) سابقاً .

 

وقد بقي بعض النصارى على دينهم بفعل عدم اقتناعهم بالقادة الجدد للإسلام العمري , حيث نلاحظ انّ اغلب الحركة باتجاه الاسلام كانت على عهد النبي . وقد واجه بعض قادة القبائل النصرانية انتشار الاسلام سلباً بفعل رؤيتهم انهم إنما ينافسون قادة جدد يريدون النفوذ والمال , لذلك بقي هؤلاء خاضعين للمال الروماني البيزنطي . ومع ذلك كان هناك من كبار الزعماء من تخلَّى عن كلّ هذه البهرجة والنفوذ , لمجرّد قناعته , حتى سيق الى خشبة الموت الرومانية , مثل (فروة بن عمرو الجذامي) , الذي اسلم , وأرسل هدية الى الرسول , وقد كان عامل الروم على العرب , فاخذه الروم جزاء إسلامه , فقال في السجن : طرقت سليمى موهناً أصحابي والروم بين الباب والعزوانِ , ولمّا أراد الروم صلبه على ماء لهم قال : الا هل أتى سلمى بأنّي حليلها على ماء عفرا فوق احدى الرواحل , وحين عُرض للقتل قال : بلّغ سراة المسلمين بأنني لربي أعظمي ومقامي[139].

وقد رأى بعض المؤرخين العرب انّ بعض القبائل النصرانية كانت تقاتل الى جانب الجيش الاسلامي لصلة العروبة , حيث يروون انها بقت على نصرانيتها , وهو خلط ووهم كبير , اصله رغبة رواة الاسلام العمري الأموي في رفع شأن الجيل الجديد من قادة قريش الذين دخلوا الاسلام كارهين , والحطّ من شأن الجيل الاول , الذي انتقل تالياً لنصرة (علي بن أبي طالب) . حيث أن هذا السبب (العروبي) ليس كافياً للإقناع باتحاد قبائل كانت تتقاتل بالأمس القريب نيابة عن الروم وفارس .

 

فيما لقصة قبيلة (أياد) النزارية إشارة خاصة يجب معالجتها , حيث ينقل بعض الرواة انها انتقلت الى بلاد الروم عند وصول جيوش المسلمين , ثمّ طلب (عمر) الى ملك الروم اخراجهم , والّا ذبح النصارى تحت يديه . وفي هذه الرواية عدّة إشكالات لا تستقيم امام النقد , فمتى كان ل(عمر) ان يهدد ملك الروم والمعركة بينهما سجال ! , وكيف يخشى ملك الروم ان يقتل (عمر) نصارى العرب وهو سيُخرج اليه مثلهم ! , وكيف جاز ل(عمر) ذبح عُبَّاد الله جورا ! . لكنّ الصحيح الأقرب هي الرواية الاخرى التي ترى انّ (أياد) كانت تقيم في ارض الروم , لكنّها دخلت الاسلام طائعة , وارادت الخروج لنصرة المسلمين , فمنعها ملك الروم , وعندها جاز ل(عمر) تهديده . ومن ذلك يُعلم حجم التشويه الذي طال تاريخ النصارى العرب والأنباط على يد رواة بني أمية .

 

لكنّ الامر في (العراق) لم يكن كما في البلدان الاخرى , ففيه كانت حوزة العلم النصرانية في (الحيرة) , واهله قد تشيّعوا لحقّ (علي) في الخلافة , بعد أنْ عرفوا مكانته من رسول الله , حين التقى النبي بقادة (شيبان) و (عجل) قبل يوم (ذي قار) , والذي قال بعده انهم به نُصروا , مما يثبت انهم كانوا يعتقدون بدينه , وأنهم رفعوه شعاراً في معركتهم , بعدما أوعدهم الخير . كذلك كان أهل العراق خليطاً من الانباط والعرب , تجمعهم النصرانية والقربى , وهو ما كان ينفر منه (عمر بن الخطاب) جرياً على عادة الجاهلية , ففرّق بينهم في الموّدة , كما فرّق بينهم في العطاء , بعدما اصطلحوا على تسميتهم ب (العجم) , لكونهم انباطاً وآراميين . لذلك كفر أهل العراق جملة بخلافة (ابي بكر) , ومن خلفه (عمر) , فكان الامر يزداد تعقيداً , وعند الرواة كذباً وتشويها . وَمِمَّا زاد في سوء الامر انّ (أبا بكر) أرسل اليهم (خالد بن الوليد) , ذلك الوثني سيّء الخلق . لذلك كان (عمر بن الخطاب) يطالب (المثنى بن حارثة الشيباني) بقوله ( اما بعد فاخرجوا من ظهري الأعاجم … ) , وقوله ( احملوا العرب على الجد اذا جد العجم ) .

 

وكانت (فارس) اكره الوجوه الى العرب , وأثقلها اليهم عند الفتوحات , ولا يلبي الناس اليها نداء الانتداب من قبل الخلافة , لشدة سلطان الفرس وعزهم وقهرهم الأمم . وايران عموماً انتشر فيها العرب والتركمان والكرد عملياً في الفترة العباسية , سوى القبائل العراقية التي كانت أجزاء كبيرة من ايران خاضعة لها من قبل[140], فوجّه (عمر بن الخطاب) اليها وجوه الشيعة من أهل العراق الذين كانوا على مسالحهم مقيمين , او الذين اقتطعهم عن جيش الشام وردهم الى ارضهم مع (هاشم بن عتبة المرقال) كالأشتر[141] . اذ في معركة (الجسر) هرب من اوفدهم (عمر) من (المدينة) وانحازوا الى (عمر) , ولم يبقَ الا أهل العراق الشيعة , اذ كان قوام الجيش من (ربيعة) , و(ثقيف) بقيادة الشهيد (ابي عبيد بن مسعود) والد (المختار الثقفي)[142], الذي يبدو انه كان على مستوى عال من التضحية والإخلاص , وأحد خاصة (ثقيف) لا عامتهم , اذ انتدب وحده لقتال (فارس) في العراق , بعد ان أحجم أمراء وانصار (عمر) لأربعة ايّام و(عمر) يناديهم فيها خشية من قوة الفرس وقرر اللحاق ب(المثنى بن حارثة الشيباني) , وقد كان على خلق عالٍ من الانضباط الحربي والديني , اذ لما أشار عليه البعض بقتل (جابان الفارسي) – بدعوى انه الملك – رفض وقال ” اني أخاف الله ان اقتله وقد آمنه رجل مسلم ” , فقالوا انه الملك , فقال ” وإن كان , لا أغدر ” وتركه , وقد حمى لأهل الأراضي التي مر بها من أنباط العراق زرعهم وملكهم , ورفض كل هدية له وحده منهم ما لم تكن تشمل الجند جميعا . ثم ان (عمر بن الخطاب) بعد كل هذا , وبعد ان كان أهل العراق هم من فتح الشام وردّ جيش (فارس) , يرسل الى (ابي عبيد الثقفي) رسالة يذم فيها ارضهم ويصفها بشرّ وصف , وما ذاك منه الا انه يتذكر ثورتهم على بيعة (ابي بكر) وتشيّعهم لحق (علي بن أبي طالب) بالخلافة . وكانت تلك الرسائل رغم صمود (المثنى بن حارثة الشيباني) في وقعة (الجسر) ضد جموع الفرس , خلاف هروب (خالد بن الوليد) احد اهم أمراء الانقلابيين المذكورين في التاريخ [143].

حتى انه في الوقت الذي كان (خالد بن الوليد) امير (ابي بكر) يوزع المناصب والثروات في العراق على رجال وأسماء قبلية جاءت معه لم يسمع عنها احد في زمن الرسول , كان (المثنى بن حارثة) على ثغر يلي (المدائن) في مواجهة الفرس وحده[144]. وكذلك ضاع تاريخ رجال مثل (ابي عبيد بن مسعود الثقفي) قد صار لأولادهم مثل (المختار) دور مهم في نصرة التشيع , اذ استشهد أبوه (ابو عبيد الثقفي) وهو يقود جيش المسلمين في معركة (الجسر) ضد الفرس في معارك تحرير العراق في عهد (عمر)[145]. وقد كانت جهود هؤلاء القادة فردية مخلصة في الغالب .

بينما الخليفة (عمر) كان يثير زعماء القبائل بعضهم ضد بعض , ليشتت الولاءات , كما فعل في اثارة النعرة القبلية بين (جرير بن عبد الله البجلي) و(عرفجة بن هرثمة) يوم سيّرهم الى العراق مدداً ل(المثنى بن حارثة) , لولا حكمة (عرفجة) ورفضه طلب (عمر) ان يعاند (بجيلة)[146].

ولم تنتهِ غرائب (عمر بن الخطاب) في عزله (المثنى بن حارثة الشيباني) , اذ احتج فيه انه لا يوليه على أصحاب رسول الله , فيما هو احتج في مقام سابق على من اعترض عليه بتولية غير الصحابة عليهم بأن فضل الصحابة كان بإقدامهم على الجهاد وسبقهم اليه , رغم المعية وسبق وبطولة وإخلاص (المثنى) في الجهاد في اخطر ثغر , وعدم بعد ان يكون ل(المثنى) صحبة وافية , وهو تناقض غريب , يحله شمة التشيع في قبيلة (شيبان) التي يقودها (المثنى) , ووعي قادة جيوش أهل العراق الذي جعلهم يثورون ضد بيعة (ابي بكر) وخلافته[147] . والعراق يومئذ يمتد من أرمينيا حتى جنوب الخليج ومن الأهواز وكرمان حتى (صفّين) في شام الْيَوْمَ , تسكنه قبائل (ربيعة) و(أسد) و(النمر) و(تغلب) والآراميون وغيرهم من أهله[148]. وكانت هذه القبائل هي التي وافت (المثنى) قبل القادسية لمواجهة الفرس , حيث انتصفت نصفين , من كان جنوب العراق قريباً الى (المدينة) أتى الى حيث عسكر (عمر بن الخطاب) نادباً الناس , ومن كان جنوب العراق قريباً الى (المثنى) وافاه الى حيث عسكر[149].

لقد كان (علي بن أبي طالب) يعي أين يجب ان تتجه بوصلة القيادة للدولة الإسلامية , اذ يرى ان العقل العراقي قادر على فهم مطالب الإمامة . فبعد ان كان (عمر بن الخطاب) يعفي أمثال العراقي (المثنى بن حارثة الشيباني) من القيادة , كان (علي) يولّي العراقي (عدي بن الحارث بن رويم الذهلي الشيباني) على (بهرسير) من نواحي سواد بغداد قرب (المدائن)[150].

وقد كان واضحاً ان الرواة الذين رووا معركة القادسية ادخلوا اليمانية , الذين هم أهل العراق , في أهل اليمن . وفِي الحقيقة ان (عمر بن الخطاب) خيّر الجيوش التي شاركت في معركة (اليرموك) بين العراق وبين الشام , بعد ان رفضوا امتثال أمره في النفرة جميعاً الى العراق , فاختار أهل العراق من (النخع) و(مذحج) القادسية , واختار أهل اليمن الشام , وهذا كان واضحاً من سياق الاحداث . فذهب (عمر) حينئذ الى (النخع) ومجّدهم بقوله ( ان الشرف فيكم يا معشر النخع لمتربع ) , فجعلهم قسمين , قسم أبقاه في الشام وقسم سيّره الى العراق , وهو امر صعب لا تقوم به الا قبيلة ذات بأس وعقيدة صلبة , كذلك هو يكشف عن حاجة (عمر بن الخطاب) الشديدة اليهم , فهو يعلم حقيقة تشيعهم , ولم يكن من السهل عليه ان يمدح من يتشيع ل(علي بن أبي طالب) . وكانت (النخع) تفزع بذراريها ونسائها , وهو امر ظل فيهم حتى العصور المتأخرة قبل ان توطنهم الدولة العثمانية ليسهل عليها كسر همتهم . وقد كان يمانية أهل العراق ثلاثة ارباع الجيش الذي سيّره (عمر) من (المدينة) الى القادسية , وسائر الناس بربع . ليجتمع عددهم مع عدد (ربيعة) و(أسد) اللتين كانت قبائلهما تمتد بين العراق و(نجد) وإليهما فزعت القبائل , فكانوا جميعاً عدة الجيش الإسلامي في القادسية , فامتدت هذه الجيوش بين ارض (بكر بن وائل) من (ربيعة) , حيث معسكر (المثنى بن حارثة الشيباني) و(عدي بن حاتم الطائي) على (طيء) معه , وبين ارض (بني أسد) , حيث معسكر (سعد بن ابي وقاص) . كذلك تذكر الروايات أن بعض من برزوا انهم كانوا من (عقيل) , التي يبدو أن تلك المعركة أثّرت فيها لتجعلها لاحقاً من قبائل الشيعة الصريحة . حتى ان الديلم – وهم اجداد البويهيين – قد اشتركوا في هذه المعركة ضد الفرس , الامر الذي يثبت انتماءهم السومري , لذلك اشترك الفرس في القضاء على دولة الديلم لاحقاً مع جيش الترك الذي ارسله بنو العباس[151]. وكانت هذه القبائل عمود جيش القادسية ضد الفرس , انضمت اليهم سرايا من قبيلة (كندة) لاحقا .

كذلك كانت هناك قبيلة (تميم) , التي انضمت اليها بعض قبائل الأعراب في (نجد) مثل (الرباب) و(قيس عيلان) , لكن بعدد محدود جدا . وقد كانت هذه القبائل المضرية تريد حماية العراق وترفض امر (عمر) بالنزوع الى الشام , رغم محاولة (عمر) استمالتها عن طريق الاستفزاز القبلي , في محاولة منه للتغيير الديموغرافي الذي عجز عن تنفيذه في العراق ونجح فيه العثمانيون بمساعدة الأوبئة لاحقا , وهو امر غريب ان تظل هذه الرغبة في تغيير وجه وخارطة العراق لقرون بين السلطات .

الا ان الجهد كله في معركة القادسية انصبّ على قبيلة (ربيعة) , التي اطلق عليها العرب يومئذ لقب “الأسد” في قبال لقب امبراطورية (فارس) “الأسد” أيضا . لهذا لم يوّلِ (عمر) من زعماء هذه القبائل احد على سرايا ورايات وعرافات جيش القادسية , رغم ان فيهم أبناء الشرف والمنعة والإسلام أمثال (عدي بن حاتم الطائي) , لأنه اتهمهم بالتآمر على قوى الانقلاب التي جاءت ب(ابي بكر) وبه , رغم ان محور جيش القادسية قائم على هذه القبائل .

الا انه اضطر ان يولّي (سلمان الفارسي المحمدي) على دِين الناس فقط , لعلم (عمر) بجدلية العقل العراقي الديني , وأنه لن يستقيم له معهم الا رجل ك(سلمان) عالي الرتبة في المعرفة الدينية , فوّلاه لحاجة (عمر) لأهل العراق . فجند (عمر) الذين بعثهم مع (سعد بن ابي وقاص) من خارج العراق كانوا أعراباً , تقوم حياتهم على السلب والنهب , حتى ان (سعداً) سرّحهم الى جنوب الفرات الى (ميسان) فسلبوا أبقار الناس وثيرانهم بلا وجه حق وارعبوهم , وكان هذا احد اهم أسباب خوف “أهل السواد” من قوى الانقلاب .

والغريب المستهجن ان هذا الأمير العمري (سعد بن ابي وقاص) لم تكن له أية بطولة في معركة القادسية ولا بعدها من ملاحقة فلول الفرس الهاربة , ولا يُعرف لماذا اختاره (عمر) , وهو الذي نام والنَّاس تتطاحن في يوم “الكتائب” في القادسية دون توقف , ولا يُدرى اَي قائد في التاريخ كان بمثل حاله , حتى ان القبائل جميعاً تمردت عليه ليلة “الهرير” لضعفه وقلة حيلته وبطئ رأيه , فخرجت تحمل على القتال ولم تنتظر أمره , ومن ثم هو لم يكن له اَي دور في معركة القادسية سوى اسم في سجلات التاريخ الزائفة . حتى ان الفرس حين قصدوا (سعداً) في معسكر (غضى) لم يمنعهم الا قبائل (تميم) العراق ان يأتوه من سواد البصرة . فقد كان جيش الخلافة الذي أتى مع (سعد) مشغولاً بنهب ثروات العراق , التي انبهر بها الى الحد الذي سمّوا تلك الأيام باسمها , فيوم “الأبقار” ويوم “الحيتان” (السمك) , والتي كانوا ينهبونها من مزارعي سواد العراق , بقيادة الأمراء العمريين الجدد مثل (سواد بن مالك) صاحب اول سرية ل(سعد) . ورغم هذا فقد اشترك الانباط من أهل سواد العراق (الحمراء) في جيش القادسية الإسلامي ضد الفرس .

وكانت رحى الحرب تدور على (بني أسد) وحدهم , و(سعد) لم يأذن لجيشه بعد ان يسعفهم , بحسب الروايات , لكن من ملاحظة حثّ زعماء القبائل لقبائلهم يُفهم ان هذه القبائل كانت تحجم رهبة وهي ترى الفيلة ومائة وعشرين الف جندي فارسي . حتى ردت بنو (أسد) الفيلة عن وجوه العرب , فعندئذ أقدمت بعض القبائل على القتال , بعد ان قُتل من (بني أسد) خمسمائة رجل , وكان يوم (أرماث) – وهو الْيَوْمَ الأول – لها وحدها , لكن يبدو من الروايات ان القبيلة التي كانت تعاونها هي (ربيعة) , كذلك كانت (النخع) الى جوارهما .

حتى أن غلاماً ل(النخع) كان يقتاد ما يقارب الثمانين أسيرا , وكانت حامل لواء (النخع) يحث قومه على استباق الناس لنيل الشهادة , وكانت نساء (النخع) تقاتل الى جانب الرجال بالهراوات وتطبب الجرحى , حتى ان بعض النساء منهن كانت تذكّر أولادها بثباتهم على الإسلام وتقذفهم في لهوات الحرب , ولشدة بأس هذه القبيلة تزوج منهم العرب سبعمائة امرأة , حتى أطلقوا على (النخع) لقب “أصهار العرب” . وقد كانت (النخع) تتحرك بأثقالها مع الجيش الإسلامي في معارك التحرير من الجيوش الأجنبية بين الشام والعراق مع (خالد بن الوليد) و(ابي عبيدة) و(سعد بن ابي وقاص) . واذا تم تجاوز قصة (القعقاع بن عمر التميمي) المختلقة من (سيف بن عمر التميمي) الوضّاع , فإن (النخع) هي اول قبيلة حملت ليلة “الهرير” . وهؤلاء الأبطال من أهل العراق هم الذين وصفهم (سعد) في كتابه ل(عمر بن الخطاب) بقوله ( كان يدوون بالقرآن اذا جنّ عليهم الليل دوي النحل , وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود ) , وهم ذاتهم من صاروا شيعة مخلصين ل(علي بن أبي طالب) , فكان احرى بالوصف ان يبقى معهم . حتى ان المدد الذي جاءهم من الشام بأمر (عمر) كان من قبائل العراق (مراد) و (مذحج) و(همدان) , وهؤلاء الاخيرون أجلى صورة للشيعة , وكانوا هم أهل الأيام الذين شهدوا (اليرموك) والقادسية .

وقد انتقد الناس موقف (سعد بن ابي وقاص) المتخاذل وبقائه في القصر هو وأهله , وقد قُتِل الناس واُجهدت الاهلين , حتى قالوا في نقده الأشعار , وكان يستخلف مكانه (خالد بن عرفطة) حليف بني امية . ويبدو ان أهل العراق حين رأوْا ذلك , ولم يكن باستطاعتهم عدم تنفيذ امر الخليفة بتأمير (سعد بن ابي وقاص) عليهم رغم عيوبه , ومن ثم ان أياً منهم لم يكن ليتقدم لقيادة الناس اذ سيشكوه (سعد) الى الخليفة , اختاروا تقديم ابن أخيه (هاشم بن عتبة بن ابي وقاص) , وهو المعروف ب (المرقال) , احد اهم شيعة (علي بن أبي طالب) وحامل رايته يوم (صفّين) , ف(سعد) لن يجرؤ على شكاية ابن أخيه . وقد كانت خطة ذكية جداً , فقد كان (المرقال) جسوراً محنكاً , لحق فلول الفرس الى جلولاء , وتعاون مع الانباط السكان المحليين لمباغتة الفرس , واقتحم فلولهم وحده بجيشه الخاص حين أحجم أمراء (عمر) و(سعد) , فانتصر عليهم , لا سيما في معركة جلولاء الفاصلة . وكل هذه البطولات من شيعة (علي) وأهل العراق قد وصلت رغم ما اخفته أقلام السلطة والعداوات القبلية والمذهبية , فبعض الروايات لم تكن دقيقة لأنها أخذت عن غير أهلها وممن لم يحضر تلك الوقائع , كما في النقل عن (عائشة) وترك روايات أهل العراق الذين شهدوا تلك الأيام .

لهذا لم يجد (عمر بن الخطاب) بدّاً من تولية (حُذيفة بن اليمان) على أهل الكوفة حينئذ , اَي منذ القادسية , لتشيعه الواضح ل(علي بن أبي طالب) , ولحاجة الخليفة لهذه القبائل الشيعية يومئذ وارتباكه تجاه طريقة التعامل معها . فقادة (عمر) الذي بعثهم من (المدينة) والأعراب أهاجوا “أهل السواد” بسلب أموالهم ومواشيهم وإرهاب أهليهم . ومن الغريب ان تغير هذه القوات على قرى قبائل (تغلب) و(النمر) رغم مشاركة الأخيرتين في نصرة الجيش الإسلامي . وهنا يكمن الفرق في الأخلاق والدين بين الجيشين العراقي والأعرابي , الذي خشي (عمر) تأثيره على قبائل العراق العربية فيقلبها ضده , فاستعان بمثل (حُذيفة) لضبط الأمور . وقد ورّثت هذه الاخلاق في الأجيال التي تبعت عقيدة (علي بن أبي طالب) , فقد رفض (جلال الدين) ملك (باميان) الشيعي في العصر العباسي وضع يده بيد الاتراك لخيانة ملكهم رغم اغراء المكاسب المحتملة حفاظاً على العهود[152].

ولا يُعلم كيف تسنى لبعض الرواة نسبة أهل العراق , الذين قدموا من الشام لنصرة إخوانهم في القادسية , الى ارض اليمن الجنوبية , فيما ان صريح مصطلح “أهل العراق” الذي يطلق عليهم يومئذ يناقض هذا المدعى , فكل القبائل التي جاءت من الجزيرة العربية إنما جاءت في واقعة القادسية , ولا يمكن نسبتها حينئذ لأرض العراق وهي لم تتوطن بعد , الامر الذي يكشف ان من اطلق عليهم (عمر) عنوان “أهل العراق” كانوا أهله فعلاً قبل قدوم قبائل الجزيرة التي لم يكن لها من دور مهم في تحرك الاحداث على الارض . وقد سَرّح (عمر) أهل العراق الى نصرة أهل القادسية على الاظهر بعد وصول اخبار ضعف قادته الذين بعثهم على الجيش من (المدينة) , وسماعه ببأس أهل العراق امام جيش (فارس) .

ولهذا كله ولأن قبائل العراق و”أهل السواد” هم من قاتل الفرس وحرر ارض العراق لم يعتبرها (عمر) أرضاً مفتوحة ولم يقسمها على الجيش[153]. وكان من شدة تردد امير الخليفة على جيش العراق (سعد بن ابي وقاص) أن صاحت زوجة (المثنى بن حارثة الشيباني) في وجهه ( وامثنياه ولا مثنى للخيل الْيَوْمَ ) , فكانت شجاعته أنه لطمها , فقالت ( أغيرة وجبناً ! ) , فنسب رواتهم لمعالجة هذه اللطمة – التي لا تجوز شرعاً – انه تزوجها , وهذا ما مستبعد جداً , فقد كان (المثنى) معسكراً في (ذي قار) عند قدوم (سعد) , ولو فُرض انه مات يوم قدوم (سعد) كان من اللازم ان يكون بين قدوم (سعد) والقادسية اكثر من أربعة أشهر للعدة الشرعية , وهذا مستبعد , فضلاً عن قبول امرأة مات زوجها لتوه الزواج مباشرة في اول يوم انتهاء العدة[154].

 

 

والقارئ للمصادر الروائية التاريخية , لا سيما الرسمية منها , يرى بوضوح كيف ارادت هذه المصادر إظهار النصرانية في المنطقة عموماً على انها فردانية , لا جماعية , بمعنى انها حاولت إلغاء المظاهر الدينية القبائلية والمدنية , وارادت تصوير وجود المسيحيين بنحو مشتت وموزّع في أفراد يسكنون تلك القبائل والمدن . ويبدو انّ ذلك التصوير الروائي كان متعمدا , لصبغ المنطقة – قهراً – بلون قريش الوثني . وهذا ما وافق رغبة الكنيسة الرومانية والقبطية ربما في عدم إظهار منافس تاريخي لهما كان جزءاً من الديانة المسيحية , اسلمهما للهزيمة . امّا نصارى (نجران) الذين لهم عمق تاريخي وعقائدي في المسيحية فيبدو انّ قادة الدين العمري لم يستسيغوا وجودهم في المنطقة القريبة , فأجلوهم ايام (عمر) , لأسباب تتلى لاحقا .

انّ القبائل العربية النصرانية – ذات البعد المدني الحضاري – لم يكن اَهلها ليكونوا امّعات في قضية اغتصاب فريق (ابي بكر) للخلافة دون استحقاق , لذلك يبدو انّ الكثير منها قد خرج اَهلها على حزب (ابي بكر) . ولم تكن الصلاة والعبادات الفردية هي من ترمز عند (ابي بكر) للخروج عن سلطانه , بل منع الزكاة والخمس والجزية هما ما يشيران للخليفة انه مرفوض من قبل هذه القبائل , باعتبار انّ جبايتها من وظائف السلطان , فامتنعت معظم هذه القبائل عن ايصالها الى (ابي بكر) , الذي اشاع انّ ذلك كان “ردّة” من تلك القبائل عن دين الله , او ما تم لاحقاً تسميته ب”الردّة” , وقد كانت لا تُعرف بهذا في حينه , وهذا ما زمّر له المؤرخون العمريون والأمويون , تماشياً مع قصة اغتصاب الخلافة وتغيير الدين . لذلك امتنعت قبائل (كلب) بقيادة (وديعة الكلبي) عن إيصال الأموال الى مقرّ الخلافة , وكذلك فعل (أكيدر بن عبد الملك) صاحب (دومة الجندل) , الذي التجأ الى (الحيرة) , وانضم الى قبائل (كلب) و (بهراء) و (الضجاعم) و بعض (غسَّان) و (تنوخ) , التي واجهت جيش (عياض بن غنم) و (خالد بن الوليد) , الذين كانوا يفعلون فعل الجاهلية في الأسرى حيث يطلقون حلفاء الجاهلية ويضربون رأس غيرهم , بحسب (سيف بن عمر التميمي) , فيما يُفترض ان قتالهم عقائدي لا قبلي[155].

بينما تضطرب اخبار الرواة العرب عن موقف (بني تميم) , لان الراوي لهذه القصص هو (سيف بن عمر التميمي) , فيبدو الشكّ أمراً منطقياً تجاه القصة التي يرويها هؤلاء المؤرخون عن المتنبئة (سجاح التميمية) , التي قالوا انها اسلمت لاحقاً وحسن إسلامها , في تصوير ل(تميم) بنحو من سذاجة العقول , التي توهم قارئ تلك الأخبار انّ هذه المرأة كانت تلعب بهم على هواها ! , وكأنّ هذه القبائل كانت تريد دِيناً للعب , او انها خلت من العقلاء , وما ذاك الّا من لعب اقلام بني أمية حتما .

ومن اخطر الأمثلة على الاقلام المشبوهة كان (سيف بن عمر التميمي) الوضّاع الكبير , الذي وثّقه بعض رجالات الدين الأموي , ففي فتح العراق اجمعت روايات (عمر بن شبه) و (الواقدي) و (هشام بن الكلبي) – وهم من كبار المؤرخين عند القوم – انّ المسلمين في طريقهم الى (الحيرة) – التي جعلوها هدفاً – لم يجدوا مقاومة ولا عرقلة , الّا شيء من بعض حاميات الفرس تذكره بعض الروايات , لكنّ (سيف بن عمر التميمي) وحده انفرد بادّعاء انّ الفرس حشروا الى جانبهم “عرب الضاحية” , وهم الذين يقيمون على حافات البوادي والارياف , وكان منهم بعض (بكر بن وائل) , فقُتلوا , مما دفع (بكر) الى الاستنجاد بالفرس لأخذ ثأر قتلاها , والأرجح أن ذلك من موضوعات (سيف) ضد كل فئة خرجت على بني أمية او الحزب العمري . ف(سيف) يعود للانفراد مرّة اخرى في روايته عن دخول المسلمين (الحيرة) , حيث يجمع (هشام بن الكلبي) و (ابن إسحاق) انّ أهل (الحيرة) ومنهم (عمرو بن عبد المسيح) قد خرجوا للمسلمين سلماً وصالحوهم على الجزية , واتفقوا على ان يكونوا عوناً وعيناً لهم على الفرس , لكنّ (سيف) وحده يذكر انّ قتالاً نشب بين الجانبين , وانّ (خالد بن الوليد) خطب فيهم وذكّرهم بعروبتهم وبالعدل الذي جاء به المسلمون ! , في غفلة من (سيف) عن جور (خالد) ونزقه المعروفين في كلّ ارض وطئها .

و (سيف) هذا ذاته من انفرد باتهام قبيلة (أياد) انها خرجت الى ارض الروم فطالب (عمر) بإخراجها كما مرّ سابقا , في هوى قبلي عند (سيف) لتصوير (أياد) بوجه من اسلم كرها . ولم تكن خطب (خالد) سوى تذكير بالدنيا ودعوة للسلب والنهب والاستعانة بمفاهيم الغزو الجاهلية , كما في خطبته لغزو بلاد (فارس) يوم (الولجة)[156]. وما ذلك الا لان جيش الخليفة الاول و(خالد بن الوليد) كانوا يسرقون العراق عمليا , ولهذا أجمعت قبائل العراق النصرانية – او اجمع (أبو بكر) و(خالد) – على قتالهم[157], حسب روايات (سيف بن عمر التميمي) . اذ انها لو صدقت لكانت جرائم ضد الإنسانية , فكيف جاز مقاتلة نصارى العراق وهم أهل الأرض وأصحاب كتاب , وقد شارك قسم كبير منهم في نصرة الجيوش الإسلامية ضد الفرس . الا انه لو تم القبول بروايات (سيف بن عمر التميمي) فعلياً لكان أهل العراق أصحاب الحق في رفضهم لجيوش (ابي بكر) وقتالهم لأمرائه , فهذه الجيوش لم تحدثهم عن الإسلام , ولم تحاججهم به , ولم يكن قادتها من مسلمة الفتح وما بعد الفتح مؤهلين لذلك , بل دعوهم الى عنوان الإسلام دون بيان , من أجل ان يرفضوا فيقتلوهم ويسلبوا ثرواتهم ويسبوا نساءهم , وهذا ما جرى . ولهذا انطلق (أبو بكر) فرحاً الى قريش يبشرهم بسلب (خالد) ل(امغيشيا) , رغم ان (خالداً) دمّر هذه الحاضرة , بعد ان لم يجد فيها أحداً وقد تفرق أهلها في القرى[158] .

 

 

لقد ندم (أبو بكر) وهو في مرض وفاته على تلك الافعال التي كانت من اجل الدنيا , من اقتحام أنصار الانقلاب لبيت (فاطمة) بنت النبي وقتلها , وكذلك قتل قوى المعارضة السياسية مادياً ومعنويا , وايضاً تصديه للخلافة من الأساس[159]. لكنّ محور تلك الفتنة كان (عمر بن الخطاب) .

تحكي بعض المصادر ان (أبا بكر) سار بالسوية في توزيع العطاء على المسلمين من خمس الغنائم , بعد ان يأخذ الجند أربعة اخماس الغنيمة ويبعثوا الخمس الى مركز الخلافة , لكنّ الطريف ان (عمر بن الخطاب) اخذ بمشورة (هشام بن الوليد بن المغيرة) بتدوين الديوان وجعل المال للجند تشبهاً بملوك الروم , في مخالفة صريحة للقران الكريم وسيرة النبي الكريم ونصيحة (علي بن أبي طالب) , فصار للجند من الخمس الخامس غير ما اخذوا , في اول خطوة نحو عسكرة المجتمع الإسلامي , وفضلاً عن هذه الطبقة العسكرية المترفة والمميزة فصل (عمر) بين طبقات الناس , وجعل العطاء وفق رأيه , ولم يجعله بالسواء , في ثاني خطوة طبقية فتحت الباب لمن بعده من الحكام للتلاعب بقوت الناس , لا سيما في عهده خليفته (عثمان) ثم بني امية ثم بني العباس والى اليوم الراهن[160]. ولم يرجع العطاء الى المساواة والعدل الا في عهد (علي بن أبي طالب) , الذي كان لفترة قصيرة نسبياً لم تكن كافية لمحو ما رسم (عمر) .

 

بينما ينقل المؤرخ الأرمني (سيبيوس) انّ خمسة عشر الفاً من جنود الجيش الاسلامي في مصر قد ارتدّ الى النصرانية , ودخل في الجيش البيزنطي , مما يوحي بردّة فعل خطيرة دفعتهم الى ذلك , وهي لاشكّ انها لم تكن ترتبط بالخوف , لأنهم كانوا في الطرف الاقوى , بل لما رأوْا من حال القادة الفاتحين , الذين دخلوها كممثلين لملوك , لا كحملة رسالة . ولم يكن هذا الامر بدعاً من الزمان , بل كان نتيجة لما سبقه من تضليل .

لو أراد أحد اختصار تاريخ (عمر) لاكتفى بعبارة ” انّ عمر احرق التاريخ ” . فهذا المؤرخ (ابن العبري) ينقل كيف تعامل (عمر) مع الحضارة الانسانية المكتوبة , حيث طلب الموحدون من المسيحيين المصريين الى (عمرو بن العاص) ان يهبهم ما لا يحتاج من كتب مكتبات الاسكندرية , وهي احدى المكتبات التي تختصر تاريخ الانسانية العقلي والنقلي , فأجابه (ابن العاص) انّ الامر للخليفة , وانه سيستفتيه في هذا الشأن , فأجابهم (عمر بن الخطاب) بكتابه ( وَأَمَّا الكتب التي ذكرتها , فَإِنْ كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى , وَإِنْ كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة اليه , فتقدّم بإعدامها ) . وفعلاً اجابه (ابن العاص) الى اعدامها ! . ويلاحظ القارئ الباحث انّ جواب (عمر بن الخطاب) تضمّن علّةً لإتلاف الكتب الانسانية هي ذاتها العلة التي منع بها (عمر) رسول الله من كتابة كتابه الذي يحفظ الأمة من الضلال ! .

وينقل (ابن خلدون) قصة مشابهة , بطلها (عمر) ايضا , حين دخل المسلمون بلاد (فارس) , فاستولوا على مكتباتها الضخمة , فاستفتى (سعد بن ابي وقاص) (عمر بن الخطاب) في شأنها , فأجابه (عمر) بكتابه ( ان اطرحوها في الماء , فَإِنْ يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه , وَإِنْ يكن ضلالاً فقد كفانا الله ) , بعد ان استفهم (سعد) عن إمكانية نقلها للمسلمين , فطرحوها في الماء او في النار . ولهذا الامر يمكن ان فهم تولية (عمر) ل(سعد بن ابي وقاص) على العراق , رغم انّ قادته الحقيقيين كانوا (المثنى بن حارثة الشيباني) , ثم (هاشم بن عتبة المرقال) الذي كان من أمراء أهل العراق في جيش الشام ايضاً[161], فلم يكن هؤلاء النفر ليجيبوا (عمر) في فعلته ضد الانسانية .

انّ هذه الأفعال العمرية ضد الحضارة المكتوبة للإنسانية تشبه تماماً ما قام به الرومان – بعد التزامهم لعقيدة بولص – من حرق لمكتبات عديدة في مصر , بدعوى انّ فيها عقائد وثنية , ومن الكتب التي اختفت حينئذ بسبب تلك الأفعال كان “تاريخ مانيتون” .

انّ فعل (عمر) هذا تطابق مع فعلته ضد الحديث النبوي , الذي منع الناس من تدوينه , بدعوى اختلاطه بكتاب الله ! , فظلّ الحديث مكتوماً في الصدور حتى بدء مرحلة التآمر الجديدة , حين استخدم (عمر) ومن بعده شذّاذ الافاق ومسلمة الفتح – الذين جعل لهم من العطاء في الديوان سهم السابقين في الإسلام[162] – ومسلمة اليهود كرجال دين ومفتين في بلاد الاسلام , وهو بذلك غيّب تاريخاً نبوياً ثرّاً وحقيقياً , لم يكن ليصل منه شيء لولا أهل بيت النبي وشيعتهم وتلاميذهم .

وقد مهّد (أبو بكر) لهذه الفعلة – بالاتفاق مع (عمر) – بما يناسب مرحلته من تدريج تكتيكي ولين . فعن (عائشة) أنها قالت ( جمع أبي الحديث عن رسول الله , وكانت خمسمائة حديث , فبات ليلته يتقلّب كثيراً . قالت : فغمني . فقلت : أتتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ , فلمّا أصبح , قال : أي بنية , هلمي الاحاديث التي عندك , فجئته بها , فدعا بنار فحرقها , فقلت : لمَ أحرقتها ؟ , قال : خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذلك ) . وعن (ابي مليكة) ( انّ الصّديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشد اختلافاً , فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً , فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه ) . وكما يُلاحظ انّ العلة هي ذاتها ” الخوف على دين الله وعلى عباد الله ” ! . وهو الذي جاءت اليه جَدَّتان , فأعطى أمَّ الأم السدس , وترك أمَّ الأب , فقال له (عبد الرحمن بن سهل) ـــ رجل من الأنصار من (بني حارثة) قد شهد (بَدْرًا) ” يا خليفةَ رسول الله , أعطيت التي لو ماتت لم يرثها , وتركتَ التي لو ماتت لورثها , فجعله (أبو بكر) بينهما[163]. فما يُدرى بعدئذ اَي كتاب الله أراد ! .

امّا (عمر بن الخطاب) فكان يقول – وهو ينهى عن تدوين حديث رسول الله – محتجّا ( إني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً, فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله عز وجل , وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً ) , وهي العلة ذاتها .

لكنّ الحقيقة يكشفها للتاريخ ابنه (عبد الله بن عمر) حين قال ( كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه , فنهتني قريش , وقالوا : أتكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا . فأمسكت عن الكتاب ) , وهنا تتكشف العلّة , حيث (قريش) هي من تشيع ثقافة الامتناع عن تدوين حديث النبي , ولها استجاب (عمر) , رغم انّ تتمة الحديث من (عبد الله) تكشف انّ رسول الله أمره بالكتابة ( فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فأومأ بإصبعه إلى فيه , وقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ) . ولكن متى خالف (عمر) قريشاً ووافق رسول الله ؟! .

ومن أين ل(عمر) معرفة كتاب الله وهو القائل ( الهاني الصفق في الأسواق ) ! . فعن (عبدالرحمن بن عوف) قال ( لما قدمنا المدينة قلت : هل من سوق فيه تجارة ؟ قال : سوق قينقاع , وقال أنس : قال عبدالرحمن : دلوني على السوق وقال عمر ألهانى الصفق بالأسواق ) . وعن (عبيد بن عمير) قال (استأذن أبو موسى على عمر , فكأنه وجده مشغولاً , فرجع , فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ ائذنوا له . فدُعي له , فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا . قال: فأتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك . فانطلق إلى مجلس من الأنصار , فقالوا :لا يشهد إلا أصاغرنا . فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خُفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم , ألهاني الصفق بالأسواق ) . ثمّ هل كان كتاب الله مفصّلاً يجمع احكام الشريعة , كعدد الصلوات ؟ , ام انّ التفاصيل تركها القران الكريم لحديث الرسول حين قال (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ))[164], و قوله (( مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))[165]. فليس غريباً اذاً ان (عمر) كان يبتدع سلوكاً خارج الدين , ويضرب الناس في الصلاة بين يدي الله ليسووا صفوفهم , في واحدة من مصادر التطرف الحديث الصريحة[166].

وفي السنة السابعة عشر للهجرة زار (عمر بن الخطاب) بيت المقدس , وأزاح الأقذار التي تُركت على مقدسات اليهود من قبل خصومهم , وأقام مسجداً يتسع لثلاثة آلاف مصلي , لكن ليس داخل (المسجد الأقصى) , حيث بيت الله ومقام (دَاوُد) و(سليمان) , وإنما عند صخرة بعيدة نسبياً عنه , صَلَّى عندها (عمر) , وبذلك فصل بين ما لليهود وبين ما للمسلمين , حيث ظلّت الصخرة العمرية وكأنها هي (المسجد الأقصى) , فيما بقي المسجد الحقيقي (هيكلاً) لليهود , بخطوة غريبة من (عمر) .

لكنّ الملفت انّ اثنين من المؤرخين هما (الواقدي) و (ثيوفانس) يتفقان على انّ بطريرك القدس (صوفرونيوس) كان يعلم من (الإنجيل) صفات الفاتح (عمر بن الخطاب) ! . ويبدو انّ هذا (الإنجيل) كان من بقايا العرافة البولصية السنهدرينية .

ومن غريب هذا “المُبَشَّر به” في الإنجيل انه اخرج نصارى (نجران) من جزيرة العرب , دون سبب يُعقل . حيث اخترع له التابعون لاحقاً اعذاراً , منها اكل أهل (نجران) للربا , وهو ما لم يثبت , فضلاً عن ثبوته على غيرهم أيضاً , وان ثبت فهو لا يجيز اخراج احد من ارضه , بل تثبت عليه عقوبة الشريعة وحسب . فقام (عمر) بترحيلهم الى العراق , وأمر بالتوسعة عليهم , ولا يُدرى كيف يأمر الولاة بإعانتهم والتوسعة عليهم وهو يرحّلهم بتهمة الربا ! . لكنّ اتهام (الحجَّاج الثقفي) لهم لاحقاً بالخروج على بني أمية يكشف عن حقيقة فعلة (عمر) هذا , حيث انّ هؤلاء النصارى كانوا يخالفون ما عليه (عمر) وحزبه من اعتقاد سياسي .

ومن عجيب فعل هذا “المُبشّر” بالنصارى أيضاً هو ما اشترطه قائده (الوليد بن عقبة) – الذي كان من أمراء الخليفة الأول وهو من مسلمة الفتح[167] – على قبيلة (تغلب) من وجوب الاسلام دون الجزية , خلافاً لفعل رسول الله الذي لم يشترط على النصارى الاسلام , لا في الجزيرة ولا في غيرها . لكنّ فعلة (الوليد) هذه ربما كانت تطبيقاً لنظرية (عمر) القائلة ( ما نصارى العرب بأهل كتاب ) , كما يُنقل عن كتاب “الام” ل(الشافعي) . فيما ابتدع (عمر) بدعة اخرى مع (تغلب) , حين اسقط عنهم (الجزية) , وضاعف عليهم الصدقة , وهو الامر الذي زاد في بدعته (عثمان بن عفان) حين اشترط عليهم في الصدقة الذهب والفضة حصرا ! . ولا يُعرف ما كان تعريف (عمر) لنصارى (تغلب) , هل كانوا بنظره نصارى , وحينها لا تجوز منهم الا الجزية , ام كفاراً , وحينها لا تجوز منهم الجزية ولا الصدقة , ام مسلمين , وحينها لا تجوز عليهم مضاعفة الصدقة . غير انّ الواضح من التاريخ كون (تغلب) ليست على شيء من النصرانية , وكان بعض أفرادها يأتون المنكرات , لكنّ (عمر) أراد إبقاء بعضهم , لهواهم الأموي , حيث كانوا في عداد بني أمية لاحقا , فابتدع لهم هذه الطريقة . وفي سنة من سنن التاريخ انتقل جزء كبير من قبيلة (تغلب) في العراق الى التشيع , ومنهم قبيلة (عتّاب) العراقية .

ووجود (عمر) هذا كان ملفتاً في كل يوم من ايام المسلمين . ففي يوم (بني المصطلق) انتصر المسلمون , ثمّ رجع الناس الى الماء , فاقبل (عمر) على فرس يقودها (جهجاه بن مسعود) , الذي ازدحم مع (سنان بن وبرة الجهني) حليف (الخزرج) , واقتتلا , فصاح (الجهني) ” يا معشر الأنصار ” , وصاح (جهجاه) ” يا معشر المهاجرين ” , وكاد القوم يقتتلون ويدخلون في حرب أهلية , حيث صاح (عبد الله بن أُبي) قائلاً ( أوَقدْ فعلوها ! , لقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا , أما والله لو رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الاعزُّ منها الاذلَّ ) , ولام قومَه على سكوتهم وصبرهم تجاه هؤلاء المهاجرين , الذين لو قطع الانصار عنهم العون لما وجدوا من ينصرهم , وحين جاء (زيد بن أرقم) الى النبي وأخبره الخبر قام (عمر بن الخطاب) وقال ( مُرْ بقتله يا رسول الله ) , فقال رسول الله (( فكيف يا عمر اذا تحدّثَ الناس انّ محمداً يقتل أصحابه , لا ولكن اذِّن بالرحيل )) . وكما هو واضح كان وجود (عمر) في اول الفتنة وآخرها غريبا .

وهذا الشجاع في ذلك الموقف – (عمر) – كلّفه رسول الله ايام (الحديبية) ان ينزل قريشاً فيبلّغ أشرافها ما جاء له النبي , فأجاب ” أني اخاف قريشاً على نفسي ” , ونصح الرسولَ ب(عثمان بن عفان) , لأنّه أعز في قريش , والذي ذهب أيضاً وبقي هناك مع أهله وقومه حتى انتهاء الأزمة , فأشاع القوم لاحقاً انّ قريشاً احتبسته . وهذه الحادثة هي التي قيّم بها (عروة بن مسعود الثقفي) (أبا بكر) و(المغيرة بن شعبة) بنظرة استصغار . وفي هذا اليوم أيضاً كان ل(عمر بن الخطاب) رأي خلاف رأي النبي , يبتغي به الحرب , لعلّ قريشاً تبيد محمداً . حيث انّ المشرك (سهيل بن عمرو) – الذي ولّاه (عمر) لاحقاً قيادة الجيش ! – جاء الى النبي مفاوضاً باسم قريش , فاصطلح معه النبي , فبادر (عمر) الى (ابي بكر) قائلاً ومشككاً ( أولسنا بالمسلمين … أوَليسوا بالمشركين … فعلامَ نعطي الدنيّة في ديننا ! ) , والرجل يشير هنا الى انّ رسول الله وخاتم أنبيائه قد أعطى الدنية في الدين ! , فأجابه النبي (( أنا عبد الله ورسوله , لن اخالف أمره , ولن يضيّعني )) . وبالتأكيد اعتذر القوم لاحقاً عن (عمر) , لسدّ خلِّته , فقالوا انه كان يتصدق ويصلي ويصوم ويعتق جزاء فعلته هذه , غافلين انّ الامر لا يرتبط بالسلوك , بقدر ارتباطه بعقيدة (عمر) ذاتها .

ولا يُعرف كيف صار هذا الرجل – (عمر) – خليفة رسول الله , ومن قَبْلِه (أبو بكر) , الذي انشغل يوم فتح مكّة بالبحث عن طوق اخته , حيث أخذ بيد اخته وقال ( أنشد الله والإسلام طوق اختي ) , فلم يجبه احد , فقال ( أي أخيّة , احتسبي طوقك , انّ الأمانة في الناس لقليل اليوم ) . ومن لطيف إشارات هذا اليوم – فتح مكّة – انّ الذين حملا راية الفتح كانا (علي بن أبي طالب) و (سعد بن عبادة) , في إشارة لقريش وحلفائها انّ هذين هما سيّدا المهاجرين والأنصار .

وفي ايام الفتح أيضاً اعترفت (هند بنت عتبة) زوجة (أبي سفيان بن حرب) وأمّ (معاوية) انها سارقة , حين اجتمعت النسوة لرسول الله لمبايعته , وحين قال رسول الله لها (( ولا تزنين )) أجابت ( وهل تزني الحرّة ؟! ) , فقال (( ولا تقتلن أولادكن )) فردت ( ربّيناهم صغاراً , وقتلتهم يوم بدر كبارا ) , فضحك (عمر) حتى استغرب , ولا يُدرى أكان ضحكه لاتهامها رسول الله بقتلهم حرقة , ام لقولها ( وهل تزني حرة ! ) .

ويبدو انّ (عمر) كان متهماً بتكذيب الحقّ في حياة رسول الله . ففي يوم (هَوازن) بعث رسول الله (عبد الله بن ابي حدرد) ليستطلع اخبار (مالك بن عوف) سيّدهم , ويخبر رأيه , هل هو مع الحرب ام ليس معها , فعاد (عبد الله بن ابي حدرد) وأخبر رسول الله بعزم (هَوازن) على الحرب الشديدة , فدعا رسول الله (عمر بن الخطاب) واعلمه الخبر , فقال (عمر) “كذب” , فقال (ابن ابي حدرد) ( إِنْ تكذّبني , فطالما كذّبتَ بالحقِّ يا عمر ) , فقال (عمر) ( ألا تسمع يا رسول الله الى ما يقول ! ) , فقال رسول الله ( قد كُنتَ ضالّاً , فهداك الله يا عمر ) .

وكان (الخطّاب بن نفيل) أبو (عمر) اشد الناس فظاظة وغلظة على من يؤمن بدين التوحيد , فطرد ابن أخيه (زيد) خارج مكة بمعونة قريش لأنه صار على دين (إبراهيم) قبل الإسلام , فيما كان خال (عمر) هو (أبو جهل عمرو بن هشام) اشد أعداء الإسلام فظاظة[168].

ولا يُعلم حقيقة ان يصير مَن هذه صفاته اكبر مشرعي الاسلام , وصاحب أطول فترة خلافة للنبي ! . كما يثير هذا الحضور اللافت ل(عمر) في كلّ فتنة ! . ويوم (هَوازن) كشفت تبعاته ظاهرة غريبة , اذ صار المسلمون لأول مرة يتهمون رسول الله على المال , فيهاجمونه بغلظة وبداوة[169], الامر الذي يكشف – اذا تم جمعه مع ما قبله من الحوادث القريبة , وعدم وجود هذه الظاهرة قبل فتح مكة – ان مسلمة الفتح – مثل (أبي سفيان) واضرابه وحلفائه من أعراب (نجد) – هم من بدأ بإثارة هذه الظواهر الدنيوية .

وعوداً على يوم (عمر) الأكبر , يوم (السقيفة) , وبعد المسرحية التي هدد فيها من يرجف من المنافقين ويقول انّ رسول الله قد مات , ثمّ نزلت عليه السكينة بكلمة (ابي بكر) رفيق دربه , راح يخاطب الانصار بلغة عنصرية لا اسلامية قائلاً ( والله لا ترضى لكم العربُ أنْ يؤمّروكم , ونبيُّها من غيركم , ولكنّ العربَ لا تمتنع أنْ تولّي امرها من كانت النبوة فيهم , ووليُّ امورهم منهم , ولنا بذلك على من ابى الحجة الواضحة الظاهرة والسلطان المبين , من ذَا ينازعنا سلطان محمد وإمارته , ونحن أوليائه وعشيرته , الّا مدلٍ بباطل , او متجانف لاثم , او متورط في هلكة ) . والرجل كما هو واضح يتحدث بلغة الملوك العرب , وقومية مفرطة العنصرية , ولا يمرّ في ذهنه للحظة انّ الاسلام جبّ ما قبله من العصبيات القبلية , وما من فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى , حيث يقول الله تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عليمٌ خَبِيرٌ ))[170] . ثمّ عن اي عشيرة يتكلم (عمر) , أعن (قريش) ؟ , وهل هناك عدوّ لمحمد طيلة هذه الفترة سواها ! , فيما كان الانصار حصنه وحرزه , وهم أولى من قريش بلغة الملوك , الّا اذا كان يقصد (بني هاشم) الذين آثروا رسول الله ودعوته على أنفسهم , ومات الكثير منهم شهداء في شِعب (ابي طالب) عام الحزن . وبذلك يكون وفقاً لكلّ هذه المعايير العمرية والانصارية والإسلامية الحقّ مع (علي بن أبي طالب) , هو احقّ الناس بالخلافة والإمامة . لكنّ قريش ابت هذا , لسبب واضح , قاله (ابن عمر) يوم (صفّين) , اذ بعث (عبيد الله بن عمر) إلى (الحسن بن علي) ولقيه فقال ( إن أباك قد وتر قريشاً أولاً وآخراً , وقد شنئوه , فهل لك أن تخلعه ونوليك )[171].

واستخدام (عمر بن الخطاب) اللغة العنصرية كان مستمراً حتى في سني خلافته , فقد استخدم في اول خطاب رسمي له عند إمارته مصطلح القومية العربية بلغة عنيفة , لا الإسلام والدين الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى[172], وقال مرة ( لا ملك على عربي )[173]. ومن هنا وجدت الشعوب الأخرى انها مستعبدة لمن يحمل هذا النفس العُمَري , فثارت في كثير من الأحيان حين وجدت الفرصة , ولم تستوعب حقيقة الإسلام لان الخليفة ذاته لم يستوعبه . لذلك كانت الفتنة القومية احدى اسباب انهيار دولة بني العباس ايضا , كما في تقاتل (الغور) والأتراك وانشقاقهم , ولم يحسن بنو العباس تذويب هذا الحال لمّا تخلوا عن اهل ذلك من (آل محمد) واستعانوا بغير العرب للبقاء في الملك[174].

لقد وصل الامر ب(عمر) الى ضرب النساء والتهجم على بيت النبي بغير إذن , اذ ادخل (هشام بن الوليد) على بيت (عائشة) فسحب (ام فروة بنت ابي قحافة) الى (عمر) وضربها بالدرة , بسبب نياحتهن على (ابي بكر) . ولو كان الفعل هذا محرماً فكيف تأتيه (عائشة) , وان كان جائزاً كيف جاز ل(عمر) اقتحام بيت رسول الله عنوة وضرب النساء . فيما قصص تدخّله في شؤون بيت النبي في حياته ونهره (ام سلمة) زوج النبي له معروفة[175].

الا ان (عمر بن الخطاب) حاز ما حاز بناءً على تقسيمات المناصب التي جعلتها قوى الانقلاب , اذ اختاره (أبو بكر) على القضاء وجعل على المال (أبو عبيدة) كما هو متوقع , فبقي (عمر) سنة لا تختصم اليه الناس[176]. اذ حين جعل (أبو بكر) (عمر بن الخطاب) على القضاء ورد انه يمر عليه الشهر ولا يتقاضى اليه احد , وربما ان السر غير المنصوص عليه في ذلك هو جهله بأحكام القضاء الإسلامي وشهرة ذلك بين الناس , بدليل احتكام المسلمين الى غيره , كتقاضيهم بين يدي (علي بن أبي طالب) وهو من عامة المسلمين دنيوياً حينئذ ورضاهم بما يحكم , لا كما يفسرها (طه حسين) بأن الناس كانت تسير بسيرة النبي ولم تحتج الى القضاء , فكيف هم لم يحتاجوا الى القضاء وهناك عشرات الروايات في اختلاف الناس من اول يوم تولى فيه (أبو بكر) الخلافة , مثل انكاره هو ذاته حق ابنة النبي (فاطمة الزهراء) في ارثها من ابيها في (فدك) وغيرها[177]. بل كان (عمر) – الذي يراد منه الرحمة في الامة – عبوساً في اهل بيته اذا دخل واذا خرج عنهم , شديداً فيهم , ولم يكن ضيفه يرتاح الى طعامه ومجلسه[178].

لكن لم يترك القوم جهداً في نسب الفضل ل(عمر بن الخطاب) , حتى جعلوه رديف النبي في فتح مكة , يأخذ البيعة عن النساء , رغم ان (الطبري) ينقل في نفس الصفحة عن (إبان بن صالح) ان رسول كان يأخذ البيعة على النساء بنفسه بنحوين . لكن لمّا كان الناقل لرواية أخذ (عمر) للبيعة على النساء للنبي هو (عمر بن موسى بن الوجيه) المتهم بالكذب ووضع الحديث , عن (قتادة السدوسي) الذي نقل البعض بغضه ل(علي بن أبي طالب) ودفاعه في مجلسه عن (عثمان)[179], فلا عجب[180].

ثمّ انّ (الحباب بن المنذر) أستهجن امر هؤلاء النفر من غمرة قريش وغوامض المسلمين , فهددهم , وكادوا يتراجعون , حتى انهم أبدلوا لهجتهم العدوانية بلهجة ألين , وجعلوا الكلام لثالثهم في الامر (ابي عبيدة بن الجراح) , الذي جعل يلين في مخاطبة الانصار ويدغدغ مشاعرهم , لولا أنْ وجدوا ليناً في امر (بشير بن سعد) احد اهم زعماء الانصار . فسارع (ابو بكر) الى حصر الامر في احد الثلاثة , (عمر) و(ابي عبيدة) وهو , دون غيرهم حين قال ( هذا عمر , وهذا أبو عبيدة , فبايعوا أيهما شئتم ) , وكأنما هو يملك حقّ ترشيحهم وحصر الامر بهم ! . لكنّه وصاحبيه يعلمون انّ الانصار سترى الاقل ضرراً هو (أبو بكر) , ويبايعه قوم ممن يَرَوْن الشرّ في (عمر) , والسوء في (ابي عبيدة) , وهذا ما كان .

غير انّ المسرحية لن تتم هكذا بهذه السهولة , وأهل الحلّ والعقد غائبون , من خيرة الصحابة من المهاجرين , ك(علي) و(الزبير) و(ابي ذَر) و(سلمان) و(المقداد) وغيرهم كثير , ويجيئ هنا دور قبيلة (اسلم) , التي جاءت بجماعتها حتى ضاقت بهم السكك , فكان (عمر) يقول ( ما هو إِلَّا أنْ رأيتُ اسلمَ فايقنتُ بالنصر ) . وعند ذلك اكتملت فصول الانقلاب العسكري الاول , لتبدأ لاحقاً مرحلة الانقلاب الثقافي , وبعدها الانقلاب العقائدي . بعد كل ذلك لا غرابة ان يخاف (عمر) الا يغفر الله له عند لحظة موته وفراقه للحياة وظل يكرر ( ويل امي ان لم يغفر الله لي ) حتى مات[181].

وما يؤكد انّ الانقلاب كان معروفاً بهذه الصفة في عموم أقاليم المسلمين هي الحروب التي اسماها التاريخ الإسلامي الرسمي – وهو مشابه لتاريخ الكنيسة الرومانية – بحروب (الردّة) . حيث يُلاحظ التآزر القبلي والمناطقي ضد حكم (ابي بكر) وخلافته , واتفاق “المرتدين” على “إقامة الصلاة” دون “إيتاء الزكاة”[182]. ولا يُعلم كيف للمرتد ان يبقي صلاة دينه السابق , الّا بالقول انهم امتنعوا عن تسليم المال للفئة التي اغتصبت السلطة . والاغرب ان رواة السلطة يروون ان الأرض كلها ارتدت الا قريشاً و(ثقيفاً)[183]. وهو امر فيه نظر طويل , اذ ان قريش أعدى أعداء الإسلام حتى وفاة النبي , و(ثقيف) اخر القبائل إسلاما , وكلاهما معاندتان , مؤلفة قلوب زعمائهما , فكيف كانا اثبت من غيرهما , وغيرهما هي القبائل التي اسلمت طوعاً لا كرها . الامر الذي يكشف حقيقة المقصود بالردة . نعم , ربما كان بعضهم يريد الاحتفاظ بماله , لكن لا يمكن أنْ التصديق انهم اجمعوا على ذلك . فهذه قبائل (أسد) و (غطفان) و (طَيء) – وهي من كبرى قبائل العرب والتي كانت محور جيوش بلاد ما وراء النهر من العرب لاحقا[184] – تجتمع الى (طليحة بن خويلد الأسدي) في رفضه إعطاء الزكاة ل(ابي بكر) . وكذلك اجتمعت الى (طليحة الأسدي) قبائل (ثعلبة) و (مرة) و (عبس) , وقوم من (كنانة) , فنزلوا على (المدينة) , وجلسوا الى وجوه الناس , مشترطين عدم اداء المال ل(ابي بكر) , الذي رفض واصرّ على تسليمه ما كان يسلّم لرسول الله , وقد انشأ شاعرهم يقول ( أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيا لعباد الله ما لابي بكر .. أيورثنا بَكْراً اذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظَهرِ ) .

ورغم إدِّعاء التاريخ الرسمي انّ (أبا بكر) جعل على نقب (المدينة) (علي بن أبي طالب) و(الزبير بن العوام) و(طلحة بن عبيد الله) وَ(عبد الله بن مسعود) , حين وردتها تلك القبائل غاضبة , الّا انّ أمرين يكذّبان ذلك , احدهما انّ (علياً) لم يبايع (أبا بكر) اشهراً عدّة , وقد أوجدت عليهم (فاطمة) زوجه وبنت النبي , واراد (الزبير) مناجزتهم – (أبا بكر) و(عمر) – بالسلاح نصرة ل(علي) وحقّه , والثاني انّ الذين خرجوا يدافعون عن سلطة الانقلاب هم (آل مقرن) , (النعمان , سويد , عبد الله) , وهي العائلة التي أخذت جرّاء موقفها هذا سهماً كبيراً من الولاية على جيوش المسلمين في عهد (عمر) , لا سيما في العراق و(فارس) , اذ جعل (النعمان بن مقرن) أميراً على جيش (فارس)[185], وهو من الأجنحة الجديدة , ثم بعد مقتله ولّى اخاه (سويد بن مقرن) على الجيش[186]. وكذلك جعل اخاهما (نعيم بن مقرن) على الجيش ذاته , وكان يعرف ل(نعيم) و(النعمان) موضعهما[187]. وقد كان الثلاثة خرجوا في اول جيش ل(ابي بكر) من (المدينة) عن يمينه وشماله وأمامه[188]. ولم يكن يُسمع بهم في زمن رسول الله .

وكالعادة اتهم التاريخ الرسمي (طليحة بن خويلد الأسدي) بانه ادّعى النبوة , فيما يُلاحظ سابقاً انه قدم مع القبائل التي ناصرته الى (المدينة) والتقى وجوه المسلمين , واقرّ الصلاة والشريعة , لكنّه امتنع فقط عن دفع المال الى (ابي بكر) وحزبه . ومن الطبيعي – وهو دليل اخر على ما كان يجري من انقلاب شامل – أنْ يؤمّر (أبو بكر) على الجيوش التي تريد حربَ هذه القبائل مسلمة الفتح , ممن اشتهر بسيرة قبيحة ك(خالد بن الوليد) , او تاريخ وثني ك(عكرمة بن ابي جهل) , و(عمرو بن العاص) , و(شرحبيل بن حسنة) , بالإضافة الى (عرفجة بن هرثمة) , و(حذيفة بن محصن) , و(العلاء بن الحضرمي) , و(المهاجر بن ابي أمية) , وبالطبع لابن العائلة الصاعدة (سويد بن مقرن) , الذي أمره بالسير نحو (تهامة) اليمن , و(طريفة بن حاجز[189] السلمي) ابن البداوة الأعرابية والذي امره (أبو بكر) بحرق (الفجاءة السلمي) حيا . ومن ثم لا يُستغرب ان بعض قادة جيوش الفتح العُمَرية تشرب الخمر علناً في الشام[190]. وكما يُلاحظ من سرد الأسماء انّ وجوه الصحابة وعبّادهم وزعماء القبائل التي نصرت رسول الله قد غيّبتهم السلطات الجديدة عن مسرح الأحداث , ليبدأ تاريخ جديد ودين جديد هو الاسلام العُمَري . ومن الملفت ان (أبا بكر) هزم قبيلة (ذبيان) واستولى على ارضها وأجلاها , ولم يفعل فعل رسول الله بقريش حين انتصر عليها بعد عداوة طويلة , اذ رجعت (ذبيان) الى الإسلام , او على الاقل قتل مقاتليهم بما يرى من حل ذلك لا سلب ارضهم[191].

ومن غريب ما جاء به هذا الحزب الجديد , اشتراطه الاسلام على جميع من في جزيرة العرب , ذمّيهم ووثنيّهم ومسلميهم فرضاً , حيث اكد (أبو بكر) ذلك في كتابه للقادة المذكورين سابقاً , يقرؤونه على اسماع القبائل , وفيه انّ من ابى فيُقتل بالسيف , او يحرّق بالنار , وتسبى ذراريه ونسائه ! . وهو ما لم يفعله ولم يقل به رسول الله ذاته . وجعل دليل اسلام الناس غريباً عجيبا , حيث يُؤذَّن جيش (ابي بكر) , فإذا لم يسمع من قبيلة ما اجابة ذلك الاذان أباح بلادهم وحريمهم , وهذا ما جعل لهؤلاء القادة مساحة من النهب والسلب والانتقام الشخصي والقبلي . وهو كذلك زاد الجاهلين بهذا الدين الجديد نفرةً وعليه غضبا .

 

وقد تم استنساخ هذه الأفكار لاحقاً من قبل اتباع كل مدرسة , اذ كان الغزنويون يدخلون الامراء الهنود للإسلام بالسيف غالبا , فيرتدّون لعدم قناعتهم[192], كما انتقض (التيراهية) في الهند على الدولة الغورية عندما هددها (الخطا) بعد ان ادخلهم العباسيون الى الإسلام بالسيف[193], بخلاف من ادخلهم العلويون بالكلمة من المغاربة والديلم والأذريين .

وحين أراد (عدي بن حاتم الطائي) استنقاذ الناس , وأوفده (أبو بكر) الى قومه ومن معهم , طالبهم بالانضمام للجماعة . وهذا الفعل من (عدي بن حاتم) نابع ربما من موقف خيرة الصحابة (علي) و(سعد بن عبادة) وآخرين , حفظاً لكيان الدولة الجديدة , ودفعاً لخطر المحق . لكنّ جواب قومه كان ملفتاً ومركّزاً على شخص (ابي بكر) , حيث قالوا ( لا نبايع أبا الفصيل ) , يقصدون (أبا بكر) . ومنه يُعرف انّ حركتهم كانت سياسية , لا ردّة دينية . ويؤيد ذلك انّ قائد هذه الثورة (طليحة بن خويلد الأسدي) احرم بالحجّ بعد ذلك , وشهد القادسية و(نهاوند) مع المسلمين , واستشهد ضمن جيش الاسلام عام ٢١ هجرية . ثم ان (طيء) بحجمها ذاك لو ارتدت فعلاً عن الدين لما نفع فيها نصح شيخ مسلم هو (عدي بن حاتم) , الذي التقى ب(خالد بن الوليد) في (السنح) ب(المدينة) لا في العراق , الامر الذي يكشف ان قدوم (عدي بن حاتم) كان بتخطيط مسبق . والاغرب ان (خالد بن الوليد) كان في الحقيقة لاجئاً في قبيلة (طيء) وهارباً اليها بعسكره خوفاً من طوق (بني أسد) و(فزارة) عليه من الشمال والجنوب , وصرّح لجيشه ان قبيلة (طيء) لم ترتد عن الإسلام . وبالفعل كانت (طيء) هي من انقذت جيش (ابي بكر) بقيادة (خالد) . اذ في الحقيقة كانت ظاهرة الارتداد على نوعين , ملفقة من رواة السلطة لوصم من تخلّف عن بيعة (ابي بكر) من قبائل العراق ك(بني أسد) , واُخرى حقيقية ربما في مواطن الأعراب شمال (نجد) كقبيلة (فزارة) . لهذا كانت (طيء) تلتقي قبيلة (أسد) التي كانت تصرّح برفضها بيعة (ابي الفصيل) ولا تتقاتلان , رغم تحريض (خالد) ل(طيء) , فيما نشبت القتال مع (فزارة) . ولقب (أبو الفصيل) كان يُستخدم بين القبائل الرافضة لبيعة (ابي بكر) تهويناً له .

من هنا كان اتهام (عمر بن الخطاب) ل(علي بن أبي طالب) و(الزبير) وجماعة انه “يخاف على العرب منهم ولا يخاف عليهم من العرب” , لأنه كان يرى ان الامر كله مرتبط بقضيتهم . و(عمر) ذاته كان ينشب احقاد تلك الفترة الزمنية البعيدة في ايّام خلافته , فيعيّر بها من شارك مستثيراً العداوة ومتشفياً بانكسارهم , بعيداً عن روح الإسلام في إصلاحهم ان كانوا كما يزعم الرواة . وهذه النفس الخاضعة لعاطفة التشفي غير الإسلامية والمليئة بآثار الجاهلية هي التي جعلت (أبا بكر) يمثّل بالناس في القبائل التي اتهمها , ويحرقهم بالنار , ويرضخهم بالحجارة , ويرمي بهم في الجبال , وينكسهم في الآبار , ويخزقهم بالنبال , في عملية إرهابية كبيرة جدا .

 

 

 

انّ (خالد بن الوليد) تزوج (ام تميم بنت المنهال) زوجة (مالك بن نويرة التميمي) , في الليلة التي قتله فيها , ولم يجعل ذلك (أبا بكر) يغضب ولا استثاره , رغم انّ (عمر بن الخطاب) حذّره ونبهه من طغيان (خالد) هذا وطلب ان يُرجم بالحجارة , فقد يعود على خطتهم بعواقب عكسية , لكنّ (أبا بكر) اجاب (عمر) بقوله ( هيه يا عمر , تأوّل فأخطأ , فارفع لسانك عن خالد … ) . وقد فعلها (خالد) مع (مجاعة) زعيم (بني حنيفة) رهط (مسيلمة) حين صالحهم وقد خدعوه , اذ فرض على (مجاعة) بالإكراه ان يزوجه ابنته , فرضخ (مجاعة) تحت حد السيف , فكتب اليه (أبو بكر) و(عمر) يقولان ( انك لفارغ , تنكح النساء , وبفناء بيتك دم الف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد )[194]. اذ ابقى (خالد بن الوليد) شخصاً واحداً من اهل (اليمامة) كلها هو (مجاعة بن مرارة) ليتزوج ابنته غصباً لاحقا , وقد وضعه الى جنب (ام تميم) زوجة (مالك بن نويرة التميمي) التي قتل زوجها وبنى بها في نفس الليلة مما يكشف عن كونها أسيرة كذلك , رغم اتفاق القوم في عاصمة الخلافة على اسلام زوجها وأن (خالداً) اخطأ . ثم اطلق سراح (مجاعة) بعد ان تعهد له بالمال والسلاح والمزارع وابنته أكيدا , وكان زواج (خالد) من بنت (مجاعة) واجساد المسلمين لازالت حارة . وقد هرب (خالد) في بعض فتوحات العراق راجعاً الى مكة سراً , تاركاً الجيش بلا قائد نظري , فعنّفه (أبو بكر) على ذلك الاحراج للسلطة وارسله الى الشام عنوة , واوجد له الكتّاب عذراً بالقول انه أراد الحج خفية , وما (خالد) والحج لا يُعلم . رغم ان (خالداً) اسرف في قتل اهل العراق صبراً حتى نهاه أصحابه من هول ما رأوا من ذبح الاسرى ليوم وليلة[195] .

الّا انّ الملفت في قضية نزوة على زوجة (مالك بن نويرة التميمي) هو قول (عمر) ل(ابي بكر) عن (خالد) ( عدوُّ الله عدا على امرؤٍ مسلم فقتله , ثمّ نزا على امرأته ) , فهنا يقرّ الخليفة الثاني بإسلام (مالك بن نويرة التميمي) , فكيف جاز للخليفة الاول قتله ! . بل الاغرب ان (عمر بن الخطاب) لم يقم على (خالد بن الوليد) الحد بعد خلافته , بل اكتفى بأن قاسمه على نصف ماله , فتنازل (خالد) ل(عمر) عن نصف ما يملك من الثروة التي جمعها من قتل الناس وسلب اموالهم[196]. والأبشع ان القوم جعلوا رؤوس الضحايا اثافى القدور وأحرقوها بالنار[197]. وكيف كان فليس لرجل نصراني مثل (مالك بن نويرة التميمي) ترك دينه طواعية واتى مسلماً الى النبي ان يكفر بالله بمجرد رحيله . لهذا تعهد الصحابي (أبو قتادة) ألا يكلم (خالداً) ولا يشهد معه مشهداً بعد ذلك . وقد أدى (أبو بكر) دية (مالك) الى أهله , فكيف جاز قتله ثم ديته اذا لم يكن رجلاً مسلما , واذا كان مسلماً كيف استحل (خالد) زوجته , واذا كان كل هذا غير جائز في شرع الله كيف لم يقم (أبو بكر) الحد على (خالد) . وقد أقام كتّاب السلطة الاعذار ل(خالد) فيما فعل ونزى , فلم تقم , لسماجتها وقلة إنصافها وأمانتها ووضوح عدوانه[198].

ومن غرائب (بني مخزوم) من (آل المغيرة) ما فعله (المهاجر بن ابي أمية بن المغيرة المخزومي) امير (ابي بكر) لقتال أهل اليمن بامرأة قالت شعراً , انه قطع يدها وانتزع ثنيتها , بلا وجه للشرع في الامر , ولم يعاقبه (أبو بكر) , بل اكتفى بتذكيره ان يترك المثلة[199]. ولم يفت القوم ان يجعلوا ولاية (المهاجر بن ابي أمية) على اليمن بأمر رسول الله , رغم ان (ابن عمر) الراوي عن (ابي سبرة) قصة (المهاجر) استغرب هذه الرواية وهذه الدعوى وقال انها ليست من رواياتنا[200].

ومن غرائب حروب (الردة) هذه ما كان من امر (عمرو بن معديكرب) و (قيس بن عبد يغوث) , اللذين ينقل التاريخ الرسمي ارتدادهما , ثم المواجهة مع جيش الخلافة بقيادة (المهاجر بن ابي أمية) وغيره . لكنّ الخليفة (أبا بكر) لم يقتلهما , واكتفى بتوبيخهما . حتى شاركا في اغلب معارك فتح العراق والشام . وحين استعصى الفتح على المسلمين في معركة (نهاوند) كتب (عمر) الى قائده (النعمان بن مقرن) ان يستشير ويأخذ برأي (عمرو بن معديكرب) و (طليحة بن خويلد) , وهما كما مرّ سابقاً يُفترض أنهما مرتدان ! . وهو امر لا يستقيم ايضاً مع اسلام (عمرو بن معديكرب) الطوعي , رغم اعتراض (قيس بن مكشوح) عليه ومنعه , الا انه ابى وأصر على لقاء النبي ومعرفة الإسلام , دونما ضغط عليه[201].

 

لقد استعمل (عمر بن الخطاب) كذلك المرتدين من أمثال (طليحة , عمرو) وغيرهم في الفتوحات , بينما كتب (أبو بكر) سابقاً ل(خالد بن سعيد بن العاص) الّا يستعين بمرتد ! . و (خالد بن سعيد بن العاص) هذا له موقف يكشف زيف هذه الفئة ايضا , حيث انّ مشهور القوم انّه خامس الناس إسلاما , وكان عامل رسول الله على اليمن , لكنّه جاء الى (المدينة) بعد وفاة رسول الله بشهر , ولم يبايع (أبا بكر) , فلقي (علي بن أبي طالب) قائلاً ( يا بني عبد مناف , لقد طبتم نفساً عن امر يليه غيركم ) , وتربّص ببيعة (ابي بكر) مدّة , لم يبايع , حيث قال ل(بني هاشم) ما نصه ( إنكم لطوال الشجر , طيبوا الثمر, ونحن تبع لكم ) , فلما بايع بنو هاشم (أبا بكر) بايعه (خالد) , فحقد عليه (عمر) لذلك , وأمر فتيانه بتمزيق جبّته اليمانية حين قدم الى (المدينة) , فمزّقوها . ولا يُدرى كم مزّق (عمر) وهتك في هذا الامر . لذلك حين أراد (أبو بكر) أنْ يعقد لواءً ل(خالد بن سعيد) نحو الشام نهاه (عمر) قائلاً ( انه لمخذول , وانه لضعيف التروئة – اي النظر في العواقب – , فلا تستنصر به ) . وربما كان (عمر) ابصر من رسول الله حين ولّى (خالد بن سعيد) اليمن . ويبدو انّ القوم قرّروا قتله , فهو الفرع الوحيد في (بني أمية) الذي يوالي (علي بن أبي طالب) , لذلك لم يستجب (أبو بكر) لمنع (عمر) من اخراج (خالد بن سعيد) في الجيش , بل ارسله , وأمر بقية قادة الفئة الانقلابية على الجيوش الّا ينصروه اذا هو أحتاجهم , فباغتته جيوش الروم في (مرج الصفر) , ولم ينصره احد , فانكسر , وقيل انه قُتِل فيها , وقيل اخرى .

 

لكنّ اهم ما يجب الاشارة اليه في امر الجيوش التي اخرجها (أبو بكر) مزامنة مع اخراج (خالد بن سعيد) هو اسماء القادة , فكلّهم كانوا من “مسلمة الفتح” , بل شرارهم , مثل (سهيل بن عمرو) و (عكرمة بن ابي جهل) , الذين خرجوا حتى على اجماع قريش يوم الفتح بالمسالمة , فاعتزلوا الناس واستقدموا الخيل والرجال وواجهوا رسول الله حتى هُزموا . كذلك كان النصف الاخر من القادة كلهم من (بني أمية) , العشيرة التي قادت كل شرور الدم ضد الرسول , ولم يعلنوا اسلامهم الكاذب الّا يوم فتح مكة عنوة , مثل (يزيد بن أبي سفيان) و (الوليد بن عقبة بن ابي معيط) شقيق (عثمان بن عفان) لامّه , الذي كان يشرب الخمر وهو على الكوفة ! , وعائلة (آل ابي معيط) بشّرهم رسول الله بالنار حين قتل أباهم , اذ قال له (عقبة بن ابي معيط) ( فمن للصبية يا محمد ؟ ) قال (( النار ))[202] . وقد كان (أبو بكر) استعمل من قبل على المال (أبو عبيدة) , وعلى القضاء (عمر) , ومن الواضح انها قسمة حزبية قد أزاحت مجمل الصحابة واجلّاءهم .

 

ان من المواقف التي تكشف خلط أوراق حرب الردة موقف الخلفاء الثلاثة من منافق مثل (عيينة بن حصن الفزاري) , ذلك الأعرابي الغليظ , الذي كان في إسلامه مضطراً , ليس منافقاً على حافة الإيمان , بل منافقاً على حافة الكفر الصريح , فهو الذي رفض بغلظة رد سبي (هَوازن) حين أمره النبي بذلك , وهو الذي قال ان غزوه للطائف كان من اجل النساء , والذي دخل حصنها مشجعاً للكافرين ومقوياً لهم بالكلام على رسول الله وجيش المسلمين ومستثيراً فيهم العصبية القبلية , وهو احد المؤلفة قلوبهم , وهو الذي نقلوا قول النبي فيه انه (( احمق مطاع )) , الا انه رغم ردّته المروية , ورغم جلبه الى (ابي بكر) مشدوداً في الوثاق معانداً صلفا , أقطعه (أبو بكر) مع صاحبه الأعرابي (الاقرع بن حابس) أرضاً هي ملك للمسلمين , وقرّب (عمر بن الخطاب) ابن أخيه (الحر بن قيس) وأغدق عليهم المال[203], وتزوج (عثمان بن عفان) ابنته[204]. الامر الذي يكشف نجاة المرتدين الحقيقيين , وابادة من رفض بيعة (ابي بكر) خاصة من المسلمين .

ومن الملفت ان هؤلاء المؤلفة قلوبهم يوم (الجعرانة) حازوا في الإسلام ما لم يحزه اجلاء الصحابة الذين دفعوا الأذى عن رسول الله من الأنصار والمهاجرين الأوائل . ف(أبو سفيان) وولداه (يزيد) و(معاوية) أقطعتهم خلافة الثلاثة بلاد الشام , ثم صاروا الخلفاء بالملك العضوض على رقاب المسلمين . و(حكيم بن حزام) جعلوا ولادته في جوف الكعبة , وقد شارك في دفن (عثمان بن عفان) ليلا , ومات وهو من أغنى المسلمين[205]. و(العلاء بن جارية الثقفي) صار ولده (الأسود) وحفيده (محمد بن أبي سفيان بن العلاء) من رواة الامة الموثقين عند العامة . و(الحارث بن هشام المخزومي) – اخو (ابي جهل) – تزوج (عمر) ابنته (ام حكيم) , وذهب في قريش الشام [206], وتزوج (معاوية بن أبي سفيان) ابنة ابنه (عبد الرحمن) , الذي زوّجه (عثمان بن عفان) ابنته , وزوّجه كذلك (الزبير بن العوام) بنت (أسماء بنت ابي بكر) , وقد خرج في الجمل مع (عائشة) ضد (علي)[207]. و(صفوان بن امية) – الذي كانت اليه الأزلام في الجاهلية ايضاً – فقد جعله (عمر بن الخطاب) احد أمراء جيش المسلمين في (اليرموك) , وأقطعه (معاوية) قطيعة حين قدم عليه[208], وقد قتل ابوه (امية بن خلف) يوم (بدر) كافرا , وقتل عمه (ابي بن خلف) يوم (اُحد) كافرا , ومات اخوه (ربيعة بن امية) في بلاد الروم مرتدا , وقُتل ابن ابنه (عبد الله) مع (ابن الزبير)[209]. و(سهيل بن عمرو) ايضاً من أمراء جيش (عمر) الى (اليرموك) , وكان ابنه (عبد الله) من أمراء جيش (ابي بكر) . و(حويطب بن عبد العزى بن ابي قيس) جعله (عمر) على إعادة أنصاب الحرم في خلافته , وكان ممن شهد دفن (عثمان بن عفان)[210]. و(الأقرع بن حابس التميمي) أقطعه (أبو بكر) مع (عيينة) قطيعة , وكان من أمراء جيشه وفِي مقدمة (خالد بن الوليد) الى العراق , وعلى جيش خراسان في زمن (عثمان) , اذ مضى (الأقرع) فشهد مع (شرحبيل بن حسنة) واقعة (دومة الجندَل), وشهد مع (خالد) حرب أهل العراق وفيه الأنبار[211]. و(مالك بن عوف النصري) جعله (عمر) مع (سعد بن ابي وقاص) على جيش القادسية[212], وما سدّا مسدّاً حسناً لولا (بني أسد) و(النخع) , بل لم يشترك في القتال حينها الا هاتين القبيلتان فعلياً . و(مخرمة بن نوفل بن اهيب) هو احد الطلقاء , وكان رسول الله يقول عنه اذا رَآه (( بئس اخو العشيرة ))[213], تزوج أخت متمول الانقلابيين (عبد الرحمن بن عوف) , فولدت ولده (المسور بن مخرمة) , الذي تزوج ابنة (شرحبيل بن حسنة) احد قادة الانقلابيين , وتزوج ايضاً ابنة (الزبرقان بن بدر) احد رجال (عمر بن الخطاب) , وكان (المسور) احد اهم أذرع (عبد الله بن الزبير) , لهذا لا غرابة ان يكون (المسور) هو الراوي قصة خطبة (علي بن ابي طالب) لابنة (ابي جهل)[214]. و(عمير بن وهب الجمحي) , ولي ابنه (وهب بن عُمير) إمارة البحر اخر خلافة (عمر) وبداية خلافة (عثمان) , رغم انه فر يوم (بدر) كافرا ونعلاه في يديه[215]. و(سعيد بن بربوع بن عنكثة) احد المشيخة القرشيين الذين جعل (عمر) يستشيرهم مع (حكيم بن حزام) و(مخرمة بن نوفل) , وكلهم من مسلمة الفتح الطلقاء المؤلفة قلوبهم بالمال , وأحد الذين جعل لهم (عمر) إعادة أنصاب الحرم , وكان يعوده اذا مرض ويهاديه[216].

ويبدو ان رسول الله تألّفهم بمال ثان بعثه اليه (علي بن أبي طالب)[217], لكنّ هؤلاء العتاة الشرهين لم يمل قلبهم سوى الى الطمع وانتهاك حرمة الدين والثراء على حساب الفقراء , فيبني (معاوية) قصره في الشام ايّام (عثمان) بأشد البذخ , فيوبّخه الصحابي الجليل (أبو ذر) , الذي تربى في مدرسة الحق المحمدية والزهد العلوية , بعد ان احتج عليه انه اما خائن او مسرف , فيكتب فيه (معاوية) ل(عثمان) الخليفة بانه افسد الشام , وما الفساد برأيهم الا الحق , فيأمر (عثمان) بحمله على قتب بغير وطاء الى (المدينة) إجهاداً له[218].

 

 

ومن الغريب ان أسماء وجوه الحزب العُمَري ك(عمرو بن العاص) و(ابي عبيدة بن الجراح) و(عمر بن الخطاب) و(ابي بكر) كانت تحشر في كل روايات الغزوات بعد سنة ثمان للهجرة , لان غزوات السنين الأولى كانت ذات جيوش محدودة واضحة العدد والعُدَّة ولا يتسنى التزوير فيها بنحو يجعل لهذه الأسماء فضلا . ومن ذلك ما نسبوه من فضل إمارة الجيش ل(ابي عبيدة) في سرية (الخبط) , وجعلوا في جيشه (قيس بن سعد بن عبادة) , بينما الأنسب مع منطق التاريخ والأشخاص ان يكون سيد الأنصار (قيس بن سعد بن عبادة) هو امير السرية التي تستعرض سيف البحر , لما عرف عنه من الشجاعة والحكمة , لا رجل متخاذل لا تاريخ عسكري له مثل (ابي عبيدة) . لكنهم شاءوا ان يسرقوا الفضل لمثله عنوة , ودليل ذلك ان الرواية عن (ابي جمرة) عن (جابر بن عبد الله) تقول ان امير السرية كان (قيس بن سعد بن عبادة)[219] .

ومن وجوه القيادات الجديدة (حُذيفة بن محصن) , الذي أغار على (شق دبا) ل(بني مالك بن فهم) وسبى نساءهم وسلب أموالهم , وهم على الإسلام ولم يشاركوا في منع الزكاة حتى . ويبدو انه أغار عليهم مرتين , احداهما و(أبو بكر) حي , وقد شكوه اليه , فلم يعاقبه بل رد عليهم السبي وأخذ المال , واُخرى وقد مات وحكم (عمر) , وكان (حُذيفة بن محصن) قد بلغ فيهم مبلغاً من التنكيل , فشكوه الى (عمر) , ففعل فعل صاحبه (ابي بكر)[220].

كذلك (عرفجة بن هرثمة البارقي) , الذي لم تذكر له كتب التاريخ والسيرة صحبة ولا وفادة في زمن الرسول , بل ولا اسماً , لكنّ القوم جعلوا له صحبة محتملة لشهادة (عمر بن الخطاب) فيه , وقد ولّاه إمرة جيوش العراق و(فارس) بعد ان ولي رفد جيشهم الى عُمان , وجعله على (بجيلة) , التي جاءت ل(عمر) ترفض ولايته , لسبب جعله المؤرخون قبلياً , وهو امر مستبعد لتكرار ولاية الغرباء على القبائل , لكنّ (عمر) ولّاه (الموصل) فبقي عليها حتى وفاته في زمان (عثمان)[221].

كان ولاة (عمر بن الخطاب) يوم مات واستخلف (عثمان) هم (نافع بن الحارث الاسلمي) الخزاعي بالولاء , الذي بحسب كتاب “الاستيعاب في معرفة الاصحاب – الجزء الرابع” انه اسلم يوم الفتح وانكر الواقدي ان تكون له صحبة , وهو الراوي بشارة النبي ل(ابي بكر) و(عمر) و(عثمان) بالجنة . و(سفيان بن عبد الله الثقفي) , الذي جاء عنه في “الطبقات الكبير – الجزء الثالث” انه حارب ضد رسول الله يوم (حُنين) واسلم بعد الفتح . و (يعلى بن منية) الذي ورد في “الطبقات الكبير – الجزء الرابع” انه اسلم يوم الفتح وولّاه (أبو بكر) ثم (عمر) على اليمن , فحمى حمى بغير حقه , فطلبه (عمر) , وعند وصوله قرب (صنعاء) سمع بموت (عمر) فولّاه (عثمان) مرة أخرى على اليمن بلا حساب , فاستحوذ على أموال المسلمين , ورفد جيش (الزبير) الخارج ضد (علي) باربعمائة الف وحمل سبعين رجلاً واشترى الجمل المدعو (عسكر) ل(عائشة بنت ابي بكر) حين خرجت معهم , وتعهّد بالمال لمن يخرج على خلافة (علي بن أبي طالب) . و (عبد الله بن ابي ربيعة المخزومي) ابن عم (خالد بن الوليد) و(ابي جهل) , وبحسب كتاب “الاستيعاب في معرفة الاصحاب – الجزء الثالث” كان من الوفد الذي بعثته قريش لإيذاء المسلمين في الحبشة , اسلم يوم الفتح , واستجار بدار (ام هانئ) حين أراد (علي) قتله , و(علي) لا يقتل أياً كان يوم الفتح لا شك , ولّاه (عمر) على الجند ثم (عثمان) . و (المغيرة بن شعبة) الذي يعلم المسلمون ما كان من المكر والخديعة , وأنه بحسب كتاب “أسد الغابة – الجزء الخامس” اسلم فراراً من دمٍ كان عليه حين غدر بقومه في سفر وقتلهم ليسرقهم , وكان اول من رشى في الإسلام برشوته لحاجب (عمر بن الخطاب) , وولّاه (عمر) على البصرة , فشُهد عليه بالزنى فعزله وجعله على الكوفة , وكأن لا احد غيره , وكان قد ولّاه البحرين , فشكى منه أهلها وشهدوا عليه بالرشوة , ثم كان من رجالات (معاوية بن أبي سفيان) . وكذلك (أبو موسى الاشعري) و(عمرو بن العاص) , وهما من بقيا طيلة حياتهما ضد (علي بن أبي طالب) , حتى مكر (عمرو بن العاص) ب(أبي موسى الاشعري) لخلع (علي بن أبي طالب) وتولية (معاوية بن أبي سفيان) الخلافة في واقعة الحكمين . و (عمير بن سعد) , ربيب (الجلاس بن سويد) الذي اتهم وشكك في رسول الله يوم (تبوك) . و (عثمان بن ابي العاص الثقفي) الذي اسلم متأخراً مع وفد (ثقيف) , ورفض الخروج على (ابي بكر) عند اعتراض الامة على خلافته بالانقلاب , وبحسب كتاب “الازهية في علم الحروف” للملا (علي القاري) فقد ولّى (الحجّاج) ابن أخيه ثم عزله فوصله (سليمان بن عبد الملك الاموي) بما يعدل عمالة (فارس)[222]. فيما (عمر) و(عثمان) كلاهما يولّيان (الوليد بن عقبة بن ابي معيط) , مرة على صدقات النصارى ومرة على الكوفة , رغم محاولته ان يخدع النبي , ورغم ارتداده عن الإسلام , ورغم وجود خيرة أصحاب رسول الله احياء حينذاك . فكان يسامر النصارى على شرب الخمر , ويستعين بالسحرة , فدخل اهل الكوفة معه في صراع على الدِين والبدع وطالت شكواهم الى (عثمان) فيه[223]. فضلاً عن (معاوية بن أبي سفيان) الناصبي المعروف , و (عبد الرحمن بن علقمة الكناني) الذي ليست له ترجمة واضحة .

ومن اغرب الغرائب وأعجب العجائب أنْ يكون قاصّ جيش المسلمين – الذي يحثّهم ويزيد عزيمتهم – هو (أبو سفيان بن حرب) , الذي روى القوم انّه كان في فتح الشام يصيح ( الله الله , أنكم ذادة العرب وانصار الاسلام , وأنها ذادة الروم وانصار الشرك , اللهم انّ هذا يوم من ايامك , اللهم انزل نصرك على عبادك ) !!! , وهو الذي اسلم مكرهاً متأففاً بنوايا خبيثة يوم فتح مكة[224] ! .

من هنا يُعرف بجلاء انّ الانقلاب عزل صحابة رسول الله وتقاتهم , وأشراف الناس وزعماء القبائل النبيلة , مثل (علي بن أبي طالب) و(سعد بن عبادة) وابنه (قيس) و (عمار بن ياسر) و (سلمان الفارسي المحمدي) و (المقداد) و (مالك الأشتر) وغيرهم , وجاء بالمشركين والمنافقين وأهل الرزايا والمصائب الاخلاقية , فجعلهم القادة والسادة الجدد . وذلك ما يمكن تسميته “عصر الاسلام العُمَري” , الذي هو غير “الاسلام المحمدي العَلَوي” . وهو ما جلب وسيجلب البلايا على أمة محمد وشيعته , ويفتح الباب واسعاً للكفر والنفاق , ويعطي الفرصة للحضارة القابيلية لانتقاد حركة المسلمين , عبر تصوير هذا الانقلاب انه هو ما جاء به (محمد بن عبد الله) , وهيهات . وهو شبيه بما كان من قبول حكم بني امية وقريش على أمة الإسلام , في الوقت الذي تم عزل ثم ذبح الأنصار , رغم ان بني امية وقريش جهدوا ان يفتنوا الأنصار عن دينهم وان يحثّوهم على أن يسلموا النبي الى الكفار عمراً طويلاً ولم يفلحوا[225] .

إذن كانت وظيفة (عمر بن الخطاب) , عبر استغلال (ابي بكر) الذي انتقد ابوه (ابو قحافة) توليته الامر واستهجن ذلك , إبعاد اصحاب الحق الشرعي عن خلافة رسول الله , ومن ثم ازاحة باقي الصحابة وقادة الدين , وإفراغ الساحة امام اسلام (كعب الأحبار) ويهود السنهدرين , ومن ورائهم مجمل ظلموت الحضارة القابيلية الكافرة .

ويؤيد ذلك ما فعله (خالد بن الوليد) حين امّره (أبو بكر) على جيش الشام , وقد كان ب(الحيرة) من العراق , ومعه (المثنى بن حارثة الشيباني) هناك بجيش العراق , فاستأثر (خالد) بأهل الخبرة من الصحابة دون (المثنى) , وأخذهم ولم يبقِ منهم أحداً في جيش العراق , بل أخذ جل أهل العراق الى الشام ليكونوا عصب الجيش الإسلامي في (اليرموك)[226], وهو ربما كان يريد ابادتهم في معركة كبرى مع جيش عرمرم مثل جيش الروم , في (اليرموك) , حين سمع بضخامته , ودخله الرعب من ذلك . لكنّ اسماء القادة الذين جعلهم (خالد) على الجيش لم تتضمن أحداً من هؤلاء الصحابة ! . حتى ان (أبا بكر) كانت اخر وصيته الى (عمر بن الخطاب) في مرض وفاته ان ينفذ أهل العراق من (اليرموك) الى القادسية فيه لأنهم أهله وولاة أمره وأهل الضراوة والجرأة كما يرى[227]. وبهذا يكون أهل الردة ومن صاروا شيعة ل(علي بن أبي طالب) – بحسب روايات السلطة – هم من هزموا الفرس والروم وهم أهل النجدة .

 

ومن مميزات الخليفتين الاولين لهذه الفئة الانقلابية إنهما لم يكونا من الشجعان البواسل , حيث لم يشهدا معركة واحدة وهما على هذا الامر أمراء , محتجين بأنهم رأس القوم , فإذا قُتلا لم يبقَ للناس نظام . فيما انّ ذلك منقوض بما فعله رسول الله من خروجه في كل معارك المسلمين ضد المشركين , وكان هو اهم من (ابي بكر) و(عمر) في بقائه . وما فعله (علي بن أبي طالب) وهو خليفة المسلمين , حيث قاد كل معاركه مع المنافقين بنفسه , بل وكان دون المسلمين يحميهم بعياله واهله . لكنّ هذا التردد من القوم قديم , فلم يذكر لهم التاريخ من موقف في معارك رسول الله , سوى قول (عمر) لرسول الله بعد نهاية كل معركة متوجهاً لكل أسير ( أأقتله يا رسول الله ؟ ) . وهو امر شاركهم فيه (معاوية) , الذي سنّ النكوص للقائد في يوم (صفّين) , حين نكص عن مبارزة (علي) , وذهب ليصعد فرسه هارباً حين بانت علائم انكسار جيشه لولا الحياء الذي رده , وشاركه كذلك (عمرو بن العاص) قائد جيشه حين كشف عورته لينجو من سيف (علي بن أبي طالب) . وفيما كان (عمر) يهم بقتل الأسرى كان ذوو النجابة من الأنصار يطعمون أسارى (بدر) الخبز ويتركون لأنفسهم التمر , ايثاراً منهم لوصية رسول الله بالأسرى[228].

لهذا ليس لرواية ثبات (عمر) و(ابي بكر) يوم (حُنين) مع رسول الله حين فر الناس[229] من قيمة , لما عرف من فرارهما في غيرها من المشاهد , وغياب ذكرهما عنها في روايات أخرى , ولأن راويها (عاصم بن عمر بن قتادة) كان محدّث بني امية في مسجد دمشق , جعله عليه (عمر بن عبد العزيز) مقابل المال[230].

وحين أراد الناس ان يقودهم (عمر) في الجيش الذي يخرج لفتح العراق جعلوه في حيرة من تردده , فأجابهم موهماً لهم بالموافقة , لكنّه أشار الى انتظاره رأياً امثل من ذلك , حتى خرج بفكرة الرأس من النظام تلك . وفِي مشاهد الغزوات مع رسول الله تمكّن (ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري) -يوم كان كافراً- مرتين من قتل (عمر بن الخطاب) , فعفا عنه , وقال له مذكراً هذه “يد لي عندك”[231], كأنما هو يعلم شيئاً من مستقبل (عمر) السياسي , وهذا امر غريب , فحفظها (عمر) له , وجعله على جيوش المسلمين مع قادة الانقلاب حتى وفاته , رغم انه اسلم يوم فتح مكة .

وليس جديداً أنْ يبتكر التاريخ الرسمي لضعاف القلوب تاريخاً من البطولة , وان يحيل اليهم الانتصارات التي صنعها غيرهم . أليست (القادسية) وانكسار جيش الفرس فيها تمّ ربطها ب(سعد بن ابي وقاص) , وهو لم يشارك القوم ضربة سيف ! . حتى انّ (سلمى) زوجة (المثنى بن حارثة الشيباني) صاحت يوم (أرماث) – بعد ان انكسر المسلمون وصنع الفرس بهم ما صنعوا – في وجه (سعد) ( وامثنّاه , ولا مثنّى للخيل اليوم ) , فلطمها (سعد) برجولة عُمَرية . ولكن لمّا كان (سعد) لم ينصر (علياً) فكان لابد ان يجعلوا له منقبة أنه الأول في شيء ما , فجعلوه “اول من رمى بسهم في الإسلام” , في غزوة ماء (احياء) أسفل (ثنية المرة) بقيادة (عبيدة بن الحارث بن المطلب) في بقية ربيع الاول التي لم يحدث فيها قتال مطلقا , فلماذا رمى (سعد) وعلى من لا يُدرى ؟! . رغم ان (الطبري) ينقل في ذات الصفحة ان سرية (عبيدة بن الحارث) هذه الى ماء (احياء) كانت في شوال وأن القوم تراموا دون المسايفة . وحتى يجعلوا ل(سعد) مهمة معقولة في زمن رسول الله جعلوه – نقلاً عنه – امير سرية رسول الله الى (الخرار) , يحمل رايته (المقداد بن الأسود)[232]. ولا حاجة الى المؤونة في الجزم ان قائد السرية كان (ابن الأسود) لما عرف عنه من بسالة , ومن أين ل(سعد) القيادة , وهو المتضعضع في (القادسية) والهارب يوم (بطن نخلة) . والغريب ان (عمر) جعل (سعد بن ابي وقاص) والياً على الكوفة , ثم عزله بعد أن اكثر الناس في شكواه الى (عمر) أنه لا يحسن الصلاة[233]. وقد امتدت يد (سعد بن ابي وقاص) الى بيت المال الإسلامي حين ولايته على الكوفة , ولم يرد ارجاع المال , حتى خاصمه (عبد الله بن مسعود) في ذلك , وكل كان الى جانبه جماعة , فاضطر (عثمان) اخيراً الى عزل (سعد) تحت ضغط اهل الكوفة[234].

لقد تم خلط الأوراق بين تحرير العراق من الفرس على أيدي العراقيين أنفسهم وبين قتال (خالد بن الوليد) لمن لم يبايع (ابي بكر) , بصورة متعمدة من رواة السلطة . فقد كان أهل وقائع الأيام من أهل الكوفة يفتخرون بها الى زمان (معاوية) , ويوعدونه بعنوان معروف هو انهم أهل الأيام , ويرون ان ما جاء بعد وقائعهم تلك لا شيء اذا قيس بها[235]. وما ذاك الّا لأنّ اغلب قادة أهل العراق كانوا شيعة ل(علي) ومن قبلهِ رسول الله , ك(المثنى بن حارثة) صاحب (ذي قار) وما تبعها من فتوحات , و (هاشم بن عتبة المرقال) فاتح (جلولاء) , وجماعة من الوجوه العَلَوية , ومنهم أنباط العراق , الذين ظلمهم التاريخ العُمَري . ففي (القادسية) لم يتحقق النصر حتى وصل (النخع) , بعدما امر (عمر) في كتاب الى (خالد بن الوليد) في الشام بإرسالهم الى (سعد) , لكنّه اسماهم في كتابه “العراقيين” . و (النخع) أشهر شيعة (علي بن أبي طالب) , وسيدهم (مالك الأشتر) وكفى . لهذا لا يمكن قبول الروايات الانقلابية التي تقول انهم ارتدوا عن الدين بعد وفاة النبي , فقد كان زعماؤهم اول من خلع (عثمان) لأنه صار من أهل الدنيا على أهل الآخرة كما عرفنا , وسيدهم (الأشتر) حمل من العقيدة بثقل جبل , وهم ابطال معارك (اليرموك) و(القادسية) , لكن مثل هذه الروايات تكشف كذبة دعوى الارتداد , وأنها إنما وضعت للتغطية على الانقلاب .

فيما يسرق بنو أمية كتاب (علي بن أبي طالب) الى (محمد بن ابي بكر) واليه على مصر بعد قتله , ويجعلونه في خزائنهم , ويقولون للناس انه من علم وموعظة (ابي بكر) , حتى جاء (عمر بن عبد العزيز) وكشف حقيقة كونه من وصايا (علي)[236]. لهذا ربما يروي (الزهري) وامثاله من رواة بني امية أن رسول الله كان في معركة مفصلية مثل (بدر) يجلس في عريش ويقوم على حمايته الأنصار مثل (سعد بن معاذ)[237], كي يجد (الزهري) المبرر الشرعي والتاريخي لاعتزال الخلفاء الثلاثة و(معاوية) وبني امية قيادة الجيوش الإسلامية , رغم ان (علي بن أبي طالب) يقول ( كنا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وآله , فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه )[238]. ونقلوا هم , كما في جميع روايات (حارثة بن مضرّب) في تاريخ (الطبري) , والتي ينسبها ل(علي) لتكون ابلغ , تنقل تردد وانكسار (علي) واصحابه وترفع من شأن اجداد الأمويين وقادتهم الكفرة (عتبة بن ربيعة) و(شيبة بن ربيعة) و(الوليد بن عتبة) , وتظهرهم حكماء نبلاء[239]. ولهذا يبدو واضحاً سبب توثيق جميع رجال الجرح والتعديل العُمَريين ل(حارثة)[240]. و(الزهري) هو ذاته من يروي ان رسول الله نام عن صلاة الصبح هو واصحابه فصلّوها بعد طلوع الشمس قضاء[241], ليجد المبرر ايضاً لولاة بني امية من أهل الدنيا .

 

 

والسؤال الذي يواجه الباحث المدقق: كيف رضيت الامة ب(عمر) , وهو لم يكن سوى رجل بسيط جدا , ولا مقارنة ممكنة له مع (علي) ؟ .

اذ يؤتى (عمر) بامرأة ولدت لستة أشهر , فيهمُّ برجمها , فيقول له (علي) : إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك , أن الله تعالى يقول (( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا )) , ويقول (( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين )) , فإذا كانت مدة الرضاع حولين كاملين والحمل والفصال ثلاثون شهراً كانت مدة الحمل فيها ستة أشهر , فثبت الحكم بذلك , وعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنهم .

ويؤتى (عمر) بمجنونة زنت , فيأمر بجلدها , فيقول له (علي) أن النبي قد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق , فيقول (عمر) “فرّجَ الله عنك , لقد كدت أهلك في جلدها” .

ويؤتى (عمر) بحامل قد زنت , فيأمر برجمها , فيقول له (علي) هب أن لك سبيلاً عليها , أي سبيل لك على ما في بطنها ؟ , احتط عليها تلد , فإذا ولدتْ ووجدت لولدها من يكفله فأقمْ عليها الحد , فيقول (عمر) “لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن”[242].

و(عمر بن الخطاب) رجل غريب , غير متشرع , ويعتمد على مزاجه وعاطفته كثيرا . فقد طرد (أبا شجرة بن عبد العزى) في خلافته عن العطاء , وكاد يهمُّ بضربه , بناءً على تذكّره له انه كان احد من شارك في “الردة” , رغم ان الرجل كان داخلاً فيما دخل فيه المسلمون ظاهراً حينها[243].

و(عمر) كان في امر العطاء عجيباً غريباً غير واضح , اذ قسّم الامة الى فئات , لينتج اقدم المجتمعات الطبقية في الدولة الإسلامية , حين جعل لكل فئة حصة من المال بحسب عنوانها , لا بحسب حاجتها او حاجة المجتمع اليها , حتى انه جعل ل(عائشة) من العطاء اكثر مما لغيرها من زوجات النبي بداعي ان النبي يحبها أكثر . وحين جاء الى عطاء نفسه ادعى انه كان تاجراً شغلته ولاية الامة عن تجارته , ليزداد بذلك في شرعنة أخذ المال خلاف الآخرين , حتى اضطرب الناس وأكثروا في القول , مما يكشف عن امر عظيم أراده (عمر) , فوقف له (علي بن أبي طالب) وأخبره انه ليس له الا ما يقوت عياله[244].

وحتى يجعلوا للخليفة الأول -كما الثاني- فضلاً , اذ لا فضل له معروف في الإسلام ومشاهده , ويدفعوا عن (علي بن أبي طالب) مقام الفضل في كونه اول الناس إسلاما , راحوا يضعون الروايات المتناقضة والمتضاربة في ان (أبا بكر بن ابي قحافة) كان اول من اسلم . ومن تلك الروايات ما بلغ من العجب حد السذاجة , اذ جعلت اول من اسلم أربعة , النبي و(أبو بكر) و(بلال) و(عمرو بن عبسة) او (أبو ذرّ) , وليس من ذكر فيها لإسلام (علي) , رغم اتفاقهم على تواتر الأخبار في صلاته مع النبي في مكة وحيدينِ , وأنه كان عضده حين نزلت آية (( وأنذر عشيرتك الأقربين )) . ولم يفتهم ان يجعلوا بعض تلك الروايات عن طريق اقرب الناس ل(علي) وأعداهم ل(ابي بكر) وحزبه الصحابي (عبد الله بن عباس) . ثم انهم في بعض مقاماتهم نقلوا ان (أبا بكر) اسلم بعد خمسين شخص قبله , لكنه كان أفضلهم بحسب رأيهم , ونسبوا هذا الرأي لجماعة . ومرة جعلوا (زيد بن حارثة) اول من اسلم , ولكنه صلّى بعد (علي) , ليدفعوا عن (علي) مقام كونه اول من آمن بالرسالة المحمدية , لكن مع التوافق مع روايات انه اول من صلّى , ثم اسلم ثالثاً (أبو بكر) . وقد جعلوا له فضلاً في اسلام جماعة على يديه , وهو امر مشكوك كما هي الروايات الآنفة , ومنقوض برواية الخمسين الذين اسلموا قبل (ابي بكر) , ومع هذا فقد كانوا جميعاً خصوماً ل(علي بن أبي طالب) , منهم (الزبير) و(طلحة) و(عبد الرحمن بن عوف) و(عثمان بن عفان)[245]. وهكذا , لا يمكن ان تكون هذه الروايات صحيحة مطلقا , وإنما كتبت لغاية سياسية .

 

 

وقد أخرج (أحمد) بإسناد حسن عن (ابن عمر) قال ( كنا نقول في زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خير الناس , ثم أبو بكر , ثم عمر , ولقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال , لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم : زوّجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ابنته وولدت له , وسدَّ الأبواب إلا بابه في المسجد , وأعطاه الراية يوم خيبر ) . وأخرج (النسائي) من طريق (العلاء بن عرار) حديثاً رجاله رجال الصحيح , إلا (العلاء) الذي وثّقه (يحيى بن معين) وغيره , قال (  فقلت لابن عمر : أخبرني عن علي وعثمان ) , فذكر الحديث وفيه ( وأما علي فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزلته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقر بابه )[246]. فكان (ابن عمر) , او الرواة , يتعمد ذكر (علي) دون مناسبة منطقية في الحديث , لأنهم يعلمون شدة الشك التي تنتاب العارف او الباحث في تاريخ السيرة الإسلامية عند تقديم (أبي بكر) و(عمر) أو غيرهم على (علي بن ابي طالب) .

والملفت في ظاهرة انفجار الأحاديث النبوية في فضل (ابي بكر) و(عمر) التي يرويها القوم أنها كانت كلها في زمان مرض النبي , وينقل مجملها (الطبري) في تاريخه[247]. وبحسب منطق (عمر بن الخطاب) في قوله ( ان النبي ليهجر ) وهو في هذا الحال , اَي انه بغير وعيه , كان الأولى الا تؤخذ هذه الأحاديث – مع وضوح تلفيقها والتسليم بضعفها شكلاً ومضمونًا – على محمل الجد , كما فعلوا مع أمره بإحضار الكتاب له ليوصي وصيته التي منعوها . ويروون هذه الأحاديث عن مثل (حميد بن الربيع الخزاز) , الذي قالوا فيه ( واهٍ , ضعيف , شره , يدلّس ويسرق الحديث , وكذاب , وأحد أربعة اكذب زمانه)[248], و(معن بن عيسى) , ربيب (مالك بن أنس) صاحب “الموطّأ”[249] الذي جعل له بنو امية الإفتاء في (المدينة) ومنعوا غيره , و(عطاء) الذي كان مع (ابن الزبير) حتى قُطعت يده وتركه بنو امية يفتي في مكة[250] ! .

وكان من شدة التزوير وغلبة التلفيق ان رواة الانقلابيين اختلفوا الى الْيَوْمَ فيمن قد حَجَّ بالناس سنة اثنتي عشر للهجرة , من قائل يقول (أبو بكر) , وقائل يقول لم يحج (أبو بكر) في خلافته قط , وقائل يقول انه استخلف على الحج (عمر بن الخطاب) , وقائل يقول (عبد الرحمن بن عوف) , وقائل يقول (عثمان بن عفان)[251]. ومن الواضح ان الروايات مهما اختلفت تظل في دائرة تعظيم شخصيات الانقلابيين .

وحديث ( سد الأبواب الا باب ابي بكر … ) نسبوه الى عدة رواة , واختلفوا في راويه منهم , فمرة عن رجل اسمه (أيوب بن بشير) مرسلا , ومرة عنه عن (معاوية بن أبي سفيان) , فظهر ل(ابن عساكر) ان ايراد (معاوية بن أبي سفيان) هنا تصحيف من (الطبراني) لعبارة ( احد بني معاوية ) التي وصفوا بها (أيوب) , ومرة عن (عروة) عن (عائشة) .

 

ان خدعة ما انطلت على المسلمين الى اليوم , قامت بها احدى أزواج النبي , وعلى الأرجح هي بنت (ابي بكر) , اذ قامت بإخراج شعر ابيها الى الناس على انه من شعر النبي . فعن (عثمان بن عبد الله بن موهب) انه دخل على زوج رسول الله , فأخرجت لهم من شعره مخضباً بالحناء والكتم . بينما ينقل خادم النبي (أنس) ان رسول الله لم يشتد به الشيب ولم يخضب , وقال ان الذي خضب بالحناء والكتم هو (أبو بكر) , وأن الذي خضب بالحناء فقط هو (عمر)[252].

ومن الملفت النظر فيما قال (طه حسين) من ان تكليف (علي بن أبي طالب) بأداء ودائع النبي حين الهجرة والمبيت في فراشه – ليوهم قريش انه النبي – وبلاؤه الحسن في (بدر) في السنة الثانية للهجرة يقطع بكونه لم يكن صبياً حين اسلم كما يزعم خصومه , بل كان في مقتبل الشباب[253].

وقد جعلوا من (ابي بكر) تاجراً , فيما كان (أبو بكر) يحلب الابل المنائح للأنصار وهو يقيم في (السنح) خارج (المدينة) في بيت شعر حتى اعتلائه منصب الخلافة بعد الانقلاب , فكيف كان تاجراً بحسب بعض الروايات المزعومة[254]. وقد اختلف الشيخان (أبو بكر) و(عمر) في سياستهما وفلسفة عملهما , وإن اتفقا في إبعاد الصحابة عن السلطة وتقريب قريش وبني امية والأعراب , اذ منع (أبو بكر) تولية من رفض بيعته من المسلمين , وولّاهم (عمر) في خلافته , وساوى (أبو بكر) نسبياً في العطاء بين المسلمين , وان خالف آية الغنائم , وميّز (عمر) بين الناس وجعلهم طبقات . وقد اوجد القوم للجميع اعذاراً . وبما ان الشيخين ليس لهما حق التشريع , كما هو حق الإمام المعصوم في نظرية الإمامة , فيكونان مخالفين للنص الشرعي كليهما او احدهما ولا عذر لهما[255].

 

وطالما اغضب (أبو بكر) و(عمر) رسول الله , ففي مسير النبي يطلب قافلة قريش قبل (بدر) , حين استشار أصحابه في حربها , رد عليه (أبو بكر) و(عمر) بما يخذله عن الحرب ويجبّن الناس , وإن كان الراوي قد حاول إخفاء ما قالا بحذفه وتحسينه بالقول ( قالا , فأحسنا ) , الا ان رواية (عبد الله بن مسعود) تكشف واقع ما قالاه , اذ هو حين وصف فضيلة (المقداد بن الأسود) في قوله الشجاع الناصر لرسول الله – في نفس المقام الذي تكلّم فيه (أبو بكر) و(عمر) – وصف ايضاً حال رسول الله انه كان غاضباً حتى احمرّت وجنتاه من الغضب , قبل ان يتكلم (المقداد) , ولم يكن من متكلم قبل (المقداد) الا هما , فيُعرف أنهما تكلما بما اغضب النبي قطعا[256].

ورغم معاناة المسلمين طويلاً تحت نير قريش وعنجهيتها , ورغم جهر أمثال (عبد الله بن مسعود) بالقرآن وسط جمع قريش وهجرة المهاجرين الى الحبشة واستقرارهم فيها , الا ان (عمر بن الخطاب) لم يسعه فهم الإسلام وقبوله , فنقل القوم انه اسلم بعد كل ذلك[257]. وهو اسلام مع كونه متأخراً الا انه مشكوك ايضاً , اذ كيف اسلم وبقيت على ذمته زوجتاه (قريبة بنت ابي امية بن المغيرة) و (ام كلثوم بنت عمرو بن جرول) , والأولى تزوجها (معاوية بن أبي سفيان) بعده , والثانية , وهي التي ربما استخدموا اسمها لإيهام الناس بأنها ابنة (علي بن أبي طالب) لتشابه اسميهما , وقد تزوجها (أبو جهم بن حذافة بن غانم) او (صفوان بن امية) حسب بعض الروايات بعده ايضاً , وهن وهم جميعاً على الشرك سنة سبع بعد الهجرة[258] ! .

لهذا جهد القوم في إيجاد فضيلة يكون فيها (عمر بن الخطاب) الأول في شيء ما , فجعلوه اول من أرّخ . والحقيقة ان الروايات في هذا الادعاء متناقضة تماماً , حيث نسبت بعض الروايات ان اول من أرخ هو النبي محمد ذاته[259], لهذا كان (ابن عباس) يفسر (( والفجر )) بشهر المحرّم لأنه فجر السنة[260], وبعضها قالت ان (يعلى بن امية) هو اول من أرخ وهو باليمن من مقدم رسول الله , و(يعلى) ولي اليمن ل(عثمان) , اَي بعد (عمر) بسنين[261], وبعضها قالت انه (عمر بن الخطاب) , الا انها تناقضت فيما بينها ايضاً على التناقض السابق في اصل من أرخ , فمرة قالت انه أرخ بناءً على رسالة من عامله (أبي موسى الاشعري)[262] , ومرة بناءً على مقترح احد الناس الجالسين في مجلس (عمر) الذي قال “أرخوا كما يؤرخ الأعاجم”[263], ومرة بناءً على رأي (عمر) نفسه اذ احتار في صك رفع اليه في شهر شعبان ولم يعرف اَي الشعبانين[264], وتناقضت سنة الادعاء ايضاً , اذ قالوا انه أرخ في سنة ستة عشر او سبعة عشر او ثمانية عشر .

ولو انهم جعلوا (عمر بن الخطاب) اول من أراد التمثيل بالأسرى لكانوا على الحق , اذ طلب ان يفعل هذا ب(سهيل بن عمرو) أسير (بدر) , فنهاه رسول الله عن المُثلة[265]. وقد جعلوا رأي (عمر) في قتل الأسرى في رواياتهم عن اسرى (بدر) هو الموافق للقرآن , خلاف رأي رسول الله الذي كانوا يَرَوْن انه السبب في نزول البلاء على المسلمين , وخلاف رأي (علي) الذي لم ينقلوه , وخلاف رأي (ابي بكر) الذي وجدوا له مخرجاً بأنه شابه (إبراهيم) و(عيسى) في حنوّه , وأن (عمر) شابه (نوحاً) في دعائه , مع تناقض نقل القصة كالعادة[266]. وَيَا ليت انه كان له نفس رأي القتال هذا يوم (اُحد) , اذ ولّى هارباً , وقد ألقى الى الناس ما يشيع ان رسول الله قد قتل[267]. وبما ان قصة هروبه هذه يوم (اُحد) الى الصخرة , وبثه إشاعة مقتل رسول الله , منقولة عن (أنس بن النضر) عّم (أنس بن مالك) , فهي ذاتها الصخرة التي كلّم عليها (أنس بن النضر) بعض المنافقين الهاربين يوم (اُحد) الذين قالوا ( لو كان نبياً ما قتل ) وقالوا ( ليت عبد الله بن ابي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ) , فوبخهم (أنس) وحثّهم بأن رب محمد لم يُقتل وبرأ الى الله من قولهم , وهم ذاتهم من كادوا يقتلون رسول الله بسهم لولا ان صاح عليهم , ومن ثم ف(عمر بن الخطاب) هو من كان على الصخرة وفيه نزلت (( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا )) , لوحدة الزمان والمكان والموضوع والراوي[268]. والغريب ان (عمر) و(طلحة) كانوا قد هربوا معاً يوم (الخندق) ايضاً الى بستان , فكشفتهم (عائشة) , فجادلها (عمر) زوراً , يدفع عن نفسه وعن صاحبه , حتى اسكته (طلحة) خجلانَ بأن لا عذر لهم , وهي ذات اللحظة التي سمعت فيها (عائشة) (سعد بن معاذ) يتغنى بالموت وهو يتوجه الى المعركة[269] .

لهذا كان من المتوقع ان يخالف (عمر بن الخطاب) امر رسول الله بألّا يجيب (أبا سفيان) حين نادى عليهم يوم (اُحد) , فأجاب (عمر) دون غيره[270], رغم ان (البخاري) حذف امر رسول الله ل(عمر) بعدم الإجابة , مخالفاً لسياق الرواية المنطقي , ومختلفاً عن الذين نقلوها غيره , لأنه يفهم معنى مخالفة (عمر) لأمر النبي وأنه معصية صريحة .

لذا لم يكن رسول الله يستخلفهم على مدينة او يرسلهم معلّمين مع قوم حديثي الإسلام . ومن هنا يُعلم ان اثارة (عمر بن الخطاب) للفتنة بين المهاجرين والأنصار على ماء (المريسيع) يوم (بني المصطلق) من خلال أجيره الأعرابي (جهجاه بن مسعود) لم تكن عفوية , وأن طلبه الى النبي قتل (عبد الله بن ابي بن سلول) احد زعماء (المدينة) الكبار , والذي كان ينتظر تتويجه ملكاً قبل الإسلام , ونقلهم كلاماً مغلوطاً الى النبي , كان يهدف الى تمزيق هذا الكيان الإسلامي عن بكرة ابيه , لولا حكمة النبي بالرحيل المبكر , وحكمة الأنصار بالإيثار . وقد اعترف (عمر) للنبي إقرارا بالذنب بأنه قصير النظر وأن امر النبي أبرك من أمره[271]. وبالتأكيد هو كان قصير النظر كذلك حين عصى امر رسول الله بالوفود على قريش يوم (الحديبية)[272], وقد اعترف ذلك الْيَوْمَ ايضاً انه أذنب , اذ اثار الفتنة وشكك الناس بنبوة محمد , ثم طلب الى (ابي جندل بن سهيل بن عمرو) قتل ابيه , أحد زعماء قريش الكبار , والذي دخل في عقد مع رسول الله , غيلة , رغم امر النبي برجوعه مع ابيه مسالما[273].

ومن شدة رغبة القوم في جعل (عمر) مقدساً قداسة تنافس ما ل(علي بن أبي طالب) من الفضل في الإسلام , اخترعوا له احاديث واضحة التلفيق , ونسبوها الى النبي . الا انهم اقحموها في غير الزمان والمكان الذي تقال فيه . كما في حديثهم ( عمر معي وانا مع عمر ) , و ( الحق بعدي مع عمر حيث كان ) الذي ادعوا ان النبي قاله وهو يرد اعتراض (عمر) على احد الصحابة الذين اعترفوا بذنوبهم[274], اذ لا منطق بين المقال والمقام ! . الا انهم نسخوه نسخاً من قول النبي في (علي بن أبي طالب) ( ما تريدون من علي ! , ان علياً مني وانا منه , وهو ولي كل مؤمن بعدي )[275], وقوله ( رحم الله علياً , اللهم أدر الحق معه حيث دار )[276]. واذا كانت شخصية (علي) الإسلامية مرجعية تحتمل ان يدور الحق معها , فشخصية (عمر) العاطفية وحاجته الدائمة الى غيره لا تحتمل مطلقاً دوران الحق معه .

وقد انتقل رواة الانقلابيين من فكرة تمجيد قادتهم الى فكرة تشويه تاريخ رسول الله , ومن مادتهم استمد المستشرقون مادة الطعن في نبي الإسلام . فقد رووا ان جيش المسلمين غزا (بني فزارة) , ثم أسر (ام قرفة) الفزارية , فربطوها الى بعيرين فانشقت الى نصفين[277]. في جريمة غريبة لا معنى لها سوى العنف غير المبرر . وبالتأكيد كانت الرواية الملفقة هذه مختلفة كالعادة في النقل المزور , اذ مرة كان الجيش بقيادة (زيد بن حارثة) , وفِي رواية أخرى بقيادة (ابي بكر) .

ثم نقلوا ان رسول الله كان ضعيفاً , لا رأي له بين أصحابه يوم (الحديبية) لولا (ام سلمة) زوجه[278]. وكان المتكفل لمثل هذه الروايات (عروة بن الزبير) , الذي لم يخالط سوى أمه (أسماء بنت ابي بكر) وخالته (عائشة) وبني امية[279], عن (المسور بن مخرمة) , صريخ (عثمان) الى (معاوية) حين حصره القوم , وابن احد طلقاء قريش الذين ذمّهم رسول الله , وابن اخت المتمول (عبد الرحمن بن عوف) , واللازم ل(عمر بن الخطاب) الآخذ عنه , وشريك (آل الزبير) , والذي كانت تغشاه الخوارج تنتحل عنه[280]. وعن (مروان بن الحكم) عدو رسول الله وأهل بيته , وقاتل (طلحة بن عبيد الله) , الذي جعلت ذريته الخلافة ملكاً عضوضا , وزوج (عائشة بنت عثمان) مما قد يكون اكسبه حصانة عند الرواة لحفظ ماء وجه (عثمان) ذاته[281].

وقد صنعت روايات بني امية هولوكوست يهودي , يدين رسول الله في جريمة قتل (بني قريظة) بلا رأفة . اذ تنقل هذه الروايات انه جمعهم – بعد حكم حليفهم (سعد بن معاذ) فيهم – في أخاديد وذبحهم صبرا . وتنقل هذه الروايات ايضاً علائم البطولة والإخلاص والحب التي تمتع بها هؤلاء اليهود , وأنهم كانوا أسمى من المادة , كما في نبل (الزبير بن باطا) اليهودي حسب الرواية . وتنقل ايضاً صورة شبيهة بصورة (سارة) اليهودية المختلقة في مسلسل (باب الحارة) من البِشر والطيبة والصبر . وهي صور قطعاً لم يتمتع بها اليهود يوما , وإنما اريد منها تهويل المشهد الدرامي , ليزداد الغضب العاطفي العالمي من فعل رسول الله , ومن سوء صنيع (سعد بن معاذ) مع حلفائه[282], وبالتالي الطعن على النبي والأنصار , والتبرير لجرائم بني امية[283] وبني (الزبير)[284].

ان الراوي لهذا الهولوكست المختلق هو (ابن شهاب الزهري) , الذي صار في ديوان أصحاب (عبد الملك بن مروان الاموي) , بعد ان قصده الى الشام مدقعاً فقيرا , واستبقاه يفتيه بقضاء (عمر) الذي كان نفسه حليفاً لليهود , و(عمر) لا قضاء له اذ شغله الصفق في الأسواق كما قال , وبعد وفاته لزم ابنه (الوليد) , ثم (سليمان) , ثم (عمر بن عبد العزيز) , ثم (يزيد بن عبد الملك) , فاستقضاه (يزيد) على قضائه مع (سليمان بن حبيب المحاربي) جميعا , ثم لزم (هشام بن عبد الملك الاموي) , وصيّره (هشام) مع أولاده , يعلّمهم ويحج معهم[285].

وكذلك عن (عروة بن الزبير) عن (عائشة) , تبريراً لما فعله اخوه (عبد الله بن الزبير) في (بني هاشم) . وكان أبو (الزهري) من رجال (ابن الزبير) ايضاً . وقد اعتاد (آل الزبير) التلفيق كلما احتاجوا الى ناصر , اذ هم لم يملكوا علم (بني هاشم) ولا مال ونفوذ بني امية , وهما خصومهم . كما فعلوا من تمجيد شريك ابيهم (طلحة بن عبيد الله) , وجعله المدافع عن رسول الله بتميز , رغم كونه احد الهاربين المؤلفين عن رسول الله يوم (اُحد) وظن انه قتل , برواية عن (يحيى بن عُبَاد بن عبد الله بن الزبير) عن ابيه عن جده[286]. وربما لهذا حظي (عبد الله بن الزبير) , ذلك العاصي إمام زمانه والخارج عليه , والسبب الأول في قتل ابيه (الزبير) , بمنقبة “الأول في شيء ما” كغيره من رؤوس الفتنة , اذ رووا انه كان اول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة , وأن النبي كبّر حين ولادته , وليجعلوا هذا التكبير منطقياً رووا ان اليهود سحروا المهاجرين وكان النبي يخشى الا يولد لهم ولد . ولم يفت هؤلاء الرواة ان يجعلوا للعاصي الاخر وهو (النعمان بن بشير الانصاري) منقبة الأول كذلك , فجعلوه اول مولود للأنصار بعد الهجرة[287]. ومن ثم قسموا المنقبة المدعاة ذاتها – بعد اثارتها – بين قطبين سيئين من اقطاب السوء في المهاجرين والأنصار .

ومن الواضح ان يهود (بني قريظة) كانوا من الخسة ما دفع حليفهم قبل الإسلام (سعد بن معاذ) الى الغضب الشديد منهم , اذ انه رغم انشغاله بمعركة (الخندق) وإصابته بسهم فيها دعا الله الا يميته حتى يأخذ حيفه من يهود (بني قريظة) , وكان هذا قبل ان يغزوهم رسول الله . وبدون التباس كان هذا الغضب ناشئ عن كونهم غدروا برسول الله والمسلمين وحلفائهم من (الاوس) عند انشغالهم بالقتال مع قريش في معركة (الأحزاب) , حتى ان احدهم هجم على احد حصون النساء في (المدينة) من وراء ظهر المسلمين , فقامت اليه (صفية بنت عبد المطلب) بعمود فقتلته[288]. لكنّ قريش وبني امية لم ينسوا وقفة يهود (بني قريظة) تلك وجعلوا لهم هذا الهولوكوست .

وقد صنعوا قبله هولوكوست اخر ليهود (بني النضير) , متضارب غير مستقيم المنطق والرواية , حيث جعلوا سبب اخراجهم من اوطانهم ان “رسول الله فرض عليهم دية شخص قتله مسلم من قوم اخرين” , إكراها , فهمّوا بقتله لمّا ضاقوا بفعله , ولم يفعلوا لأنه علم بهذه النية من الله , فأجلاهم . وهي رواية ضعيفة في متنها من حيث النقل , اذ تعددت صورها , ولم تستقم , اذ هو في مرة أخذ مالهم وقسمه , ومرة هم اخذوه معهم فسادوا به الناس في (خَيْبَر) , وهي ضعيفة في إساءتها لنبي الله الذي لو أجاز العقوبة على النية لقتل المنافقين في (المدينة) , ولكان وصيه (علي بن أبي طالب) قتل قاتله (ابن ملجم) وهو يعلم انه يقتله وقد اخبره بهذا , ولأخرج النبي اليهود من (المدينة) قبل هذا كله , وهي ضعيفة في أخذ النبي أموال اليهود من أجل دية رجل قتله مسلم . لكنّ الصحيح انهم إنما قاموا بمحاولة لقتله , واضحة صريحة , كما يُستشف من رواية (الواقدي) , الامر الذي اجبر حلفاءهم (الخزرج) على السكوت[289]. وقد نقلوها رغم تضعيفهم لرواتها (سلمة بن الفضل الابرش) و (محمد بن حميد الرازي) .

ومن الهولوكوست الذي صنعوه قصة مقتل زعيم اليهود (كعب بن الأشرف) , اذ نسبوا ان رسول الله بعث جماعة منهم (محمد بن مسلمة) قتلوا (ابن الأشرف) غيلة , وقد غدروا به , بعد ان أحسن اليهم واستضافهم , ونقلوا – كما في قصص مقتل اليهود الأخرى – الصفات البطولية ل(ابن الأشرف) والحكمة لزوجته[290]. فيما لا يصح الغدر في الدين الإسلامي , فضلاً عن نقض العهود . ولقد ابى (مسلم بن عقيل بن ابي طالب) سفير (الحسين) قتل الطاغية (عبيد الله بن زياد) غيلة , وهو مسلم ليس له شرف مقام النبوة والرسالة , وقد نقل حينها حديث النبي (( ان الإيمان قيد الفتك , فلا يفتك مؤمن ))[291], فكيف يكون هذا الامر من صنيع أنبياء الله .

و(محمد بن مسلمة) الذي ذكروه كان يروع أهل الكنائس الآمنين على دينهم عند فتح الشام وليسوا من أهل القتال , يسانده احد قادة الانقلابيين (بسر بن ارطأة)[292].

لكنّ الرواية ايضاً منقولة مرة عن (ثور بن زيد الديلي) , الذي كان يقول برأي الخوارج[293], وراوي حديث (( كتاب الله وسنتي ))[294] الملفق بديلاً عن حديث (( كتاب الله وعترتي ))[295], ورواية اقدام الصحابي الجليل (عبد الله بن مسعود) على وضع رجله على عنق (ابي جهل) بسبب الثأر الشخصي , لا الدين والعقيدة[296].

ومرة عن (عبد الله بن مغيث بن ابي بردة) , زميل (الزهري) صانع الهولوكوست السابق , والذي كان مقيماً عند (يزيد بن عبد الملك الأموي)[297], والناقل لحديث ( سيخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها احد بعده . قال ربيعة: فكنا نقول: هو محمد بن كعب القرظي, والكاهنان قريظة والنضير )[298].

ولمّا كان بطل هذه القصة ومنفذ عملية القتل (محمد بن مسلمة) جاسوس (عمر بن الخطاب) على الناس والعمال , فربما أرادوا شرعنة تاريخ عملياته الخاصة من خلال مدّها الى زمان رسول الله . وهو ممن نسبوه الى ترك الفتنة بخذلان (علي بن أبي طالب) و(معاوية) معا , فيما الحقيقة انه كان الى جانب (عمر) حين خصومتهم مع (علي بن أبي طالب) على الخلافة الشرعية[299].

ومن تشويههم لتاريخ رسول الله انهم نسبوا اليه إجازة الكذب في تحصيل المال لأصحابه , وقد ذكروا ذلك نقلاً عن (الحجاج بن علاط السلمي)[300], الذي حين يُعلم انه كان احد الأربعة الصالحين المنتخبين الى (عمر) من ولاته في الأمصار , وأن (معاوية) استعمل ولده (عبد الله بن الحجاج بن علاط) على (حمص)[301], يُدرك من كان وراء هذه القصة العجيبة . ويمكن الفهم ايضاً ان هذه القصص المختلقة وفّرت المادة الشرعية لكل جور وظلم وغدر السلطات المفروضة بالقوة على بلاد المسلمين .

 

بينما من جانب آخر كان (عمار بن ياسر) قد ولّاه (عمر) من قبل على الكوفة ثم عزله , ثم كانت النتيجة أنه حين اتى (عمار) بمطالب المسلمين في كتاب مجموع متفق عليه الى خليفة (عمر) وهو (عثمان) مزّقه وضرب (عمار بن ياسر) برجليه وشتمه . وقد كان (عمار بن ياسر) اشد المعارضين لسياسة وخلافة (عثمان) واقاربه . وكان مجمل الأنصار من (الاوس) و(الخزرج) معارضين ل(عثمان) لا يوالونه , اذ كانوا يلومونه في مخالفة سنن النبي وفي ضمه لمن طردهم رسول الله من (آل الحكم بن العاص) . وبهذا يُفهم ان المعارضة لخليفة (عمر) المستهدف من مجلسه الموجه الذي اختاره وهو (عثمان) وخلافته وسياسته كانت عامة , يقوم عليها اجلّاء الصحابة ومعظم الناس في الامصار بقيادة وجوههم . ولم يكن وجوه الصحابة يرون تمامية اسلام (عثمان بن عفان) من الأساس . ومن ثم كانت سياسة (عثمان) – بعد سياسة (عمر) , ومن قبله جرأة (ابي بكر) على تكذيب (فاطمة) بنت النبي في حقها في (فدك) – باباً لبني امية وكل حكام الأرض الظلمة لإهانة الصحابة ورجال الدين المطالبين بنصرة الشريعة او حكم الله او نصرة الضعيف واخذ حقه له من المستكبرين , فمن قبل من (عثمان) ذلك قبل ايضاً متابعته في النتائج , وبذلك ايضاً يكون المطالب بدم (عثمان) من الامة منافقاً , أراد ان يحكم الملك بدعوى باطلة لا تستقيم مع رغبة الصحابة والأمة[302] .

 

فيما كان تنصيب الطاغية – الذي تسميه بعض مصادر التاريخ الرسمي صحابياً جليلاً – (عبد الله بن سعد بن ابي سرح) أمراً جللاً , كاشفاً عن وجه الانقلاب الأسود , وعن مدى عداء قادته لرسول الله . فقد كان (عبد الله) هذا مرتداً , أهدر رسول الله دمه , وأمر بقتله يوم فتح مكة , رغم العفو العام الذي أطلقه رسول الله , فإلى أيّ مستوى وصل هذا المخلوق في عدائه للإسلام والنبي ! . لكنّ (عثمان بن عفان) – وهو اخوه من الرضاعة – أنقذه وهرّبه . فيما ولّاه (عمر بن الخطاب) خراج مصر , ذلك الإقليم الكبير والمتحضّر والخطير فكرياً واقتصاديا . ثمّ رقاه (عثمان) الى وكيل على مصر . ومن ثمّ جعلوا اليه فتح شمال أفريقية وثروتها .

 

لهذا كله وغيره لم يكن لشخصية كبرى في التاريخ الإسلامي وسيد الأنصار (سعد بن عبادة) ان يوافق على انقلاب من هذا النوع مهما عرضوا عليه , بعد ان قامت دولة الإسلام على أكتافهم فرفض ولاية (ابي بكر) وحزبه , و(عمر) يقول ( قتل الله سعدا )[303], ورفض ان يبايع وقال لهم ( لن أبايع حتى اراميكم بما في كنانتي واقاتلكم بمن معي ) , فتآمر عليه (أبو بكر) و(بشير بن سعد) و(عمر بن الخطاب) , حتى هجر مدينة رسول الله , فقتلوه في الشام غيلة , واتهموا الجن بقتله[304]. فكان (سعد) لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع معهم ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم حتى مات (أبو بكر)[305], ثم حتى قتلوه .

والفرق بين قريش والأنصار في حفظ الإسلام وخدمته , هو ذات الفرق بين تأجيج (عمر) واصحابه لحمية (عبد الله بن ابي بن سلول) في فتنة غزوة (بني المصطلق) وبين موقف الأنصار يومئذ في الدفاع عن رسول الله وأنهم قالوا أنه هو العزيز في (المدينة) رغم أنف (عبد الله بن ابي) , وكان مؤيداً لموقفهم ابن (عبد الله بن ابي) نفسه[306].

وقد توزّعت أهداف فئة الانقلاب هذه بين غايتين , الاولى باطنية , يقودها (عمر) وحزبه , الذين ظهروا للساحة ايام حكمه , امّا الثانية فكانت المال , وهي غاية القادة والمفتين .

فقد كان واحد من اهم المعترضين على بدع (عثمان) في أموال المسلمين وتوزيعها على بني امية هو من جاء به نفسه نيابة عن مجلس شورى (عمر) , وهو (عبد الرحمن بن عوف) , الذي هاله إعطاء (عثمان) هذا الكم من ابل الصدقة ل(بني الحكم) أعداء النبي , الا ان الحقيقة كانت ان الخطر فيما الذي استشعره (ابن عوف) كان قيام نفوذ بني امية فوق نفوذ فريقه الذي صنعه (عمر) , وهذا ما كان لاحقا . وفي حدود سنة اربع وثلاثين بلغت الناس ذروة المعارضة ل(عثمان) وحزبه , وكان الصحابة في (المدينة) لا ينهون الناس عن معارضتهم , بل يكاتبون من كان خارج (المدينة) من الصحابة للقدوم ومحاولة تقويم اعوجاج الخليفة وحزبه الاموي , وشبّهوا قدومهم هذا بالجهاد لدفع شر السلطان . وقد كان واضحاً ان اغلب الصحابة ووجوه الامصار كانوا من المعارضة , وانهم كانوا يرون وجه الامة الاصلح يتمثل في (علي بن أبي طالب) , فجعلوه بينهم وبين الخليفة . وكان رأي الامة في عامل الخليفة (معاوية بن أبي سفيان) انه سيء , كما يتبين من دفاع (عثمان) في المفاوضات معهم عنه . وقد هدد (عثمان) الثائرين طلباً للحق بأنصاره من بني امية وغيرهم ممن اشتراهم بالمال , وكان خطابه اقرب للخطاب الجاهلي الذي عرضه القران الكريم وانتقده , وكان وزيره المنافق (مروان بن الحكم) . وقد اعترف (عثمان) ضمنياً اثناء تفاعله مع حركة الثائرين أن (عمر) اساء اختيار الولاة كما اساء هو , وان (عمر) هو من أسس ما قام به من تقريب وطبقية .

 

ولم تكن تلك المواقف من هذه الفئة القرشية جديدة , او انها نشأت بعد وفاة رسول الله , بل كانت هذه الطبقة مؤذية للرسالة الاسلامية وسمعتها , لا سيما جماعة (خالد بن الوليد) و (عمرو بن العاص) … الخ الذين اظهروا الاسلام نفاقا , وابطنوا الكفر . والحربائيون هؤلاء كانوا يداً فاعلة في الحركة الباطنية للدولة العُمَرية , ووقع على عاتقهم تنفيذ ما لا يستطيع أمثال الشيخين فعله لأسباب ذاتية وموضوعية . ففي (الجعرانة) , حيث كان سبايا (حُنين) , مرّ رسول الله بامرأة قتلها (خالد بن الوليد) , والنَّاس يجتمعون عليها , فقال : ما هذا ؟ فقالوا : امرأة قتلها (خالد بن الوليد) . فقال لبعض من معه : ادرك (خالداً) , فقل له : انّ محمداً ينهاك ان تقتل وليداً او امرأة او عسيفا[307].

 

ان المنطلق الأهم لهذا الانقلاب , وأسباب ظهور الاسلام الرسمي القرشي الحقيقية , ومعنى الغاية الباطنية[308], تبدأ القصة في (مدراش الملوك العشرة) , الذي يُنسب للحاخام (شمعون بن يوحاي) , الذي عاش في القرن الثاني للميلاد , حيث تروي القصة – التي ابتدأ انتشارها ضمن الأسرار اليهودية منذ الحروب الصليبية – مع (شمعون) المختبئ في كهف منذ ثلاث عشرة سنة , خوفاً من ملك (أيدوم) الذي امر بإفناء اسرائيل , قضاها بين الصلاة والصيام , داعياً الله ان يمنحه النور الذي يبحث عنه , وفجأة بدأت تُكشف له اسرار وغوامض , ويرى (القيني) , الذي هو مصطلح للدلالة على الشخصية العربية , نسبة الى (القين) احد أبناء (شعيب) الذي كان من أنبياء العرب , فرأى انّ مملكة (اسماعيل) جد العرب ستأتي , فعاتب الرَّبَّ بقوله ( ألم يكفِ ما أنزلته بِنَا مملكة أيدوم الملعونة , حتى نستحق مملكة اسماعيل ايضا ! ) , فردّ عليه مقدّم الملائكة (ميتاترون) قائلاً ( لا تجزع يا ابن الانسان , جاء القدير بمملكة اسماعيل ليخلّصك فقط من تلك المملكة الشريرة أيدوم , وسينصّب عليها نبيّاً بإرادته , وسيفتح الارض لهم , وسيأتونكم ويعيدون للأرض مجدها , وسيقع رعب عظيم بينهم وبين أبناء عيسو ) , فأجابه الحاخام قائلاً ( وما أدرانا انّ بهم خلاصنا ؟! ) , فأجابه (ميتاترون) قائلاً ( الم يقل النبي اشعيا انه رأى عربة وزوج من ركّاب العربات , احدهما يمتطي حماراً , والآخر يمتطي جملا ؟ , لمَ قال ذلك فيما كان في وسعه القول : عربة تجرّها الجمال ثمّ عربة تجرّها الحمير ؟ , هل لأنه عندما يمضي قدماً يمتطي جملا , وعندما تنهض المملكة بساعديه سيمتطي حمارا ؟ )[309] . ويذكر (الطبري) في تاريخه في الجزء الثالث ( ولمّا بعث عمر بأمان أهل ايلياء وسكنها الجند شخص إلى بيت المقدس من الجابية , فرأى فرسه يتوجى , فنزل عنه , وأتى ببرذون فركبه , فهزه فنزل , فضرب وجهه بردائه , ثم قال : قبح الله من علمك هذا . ثم دعا بفرسه , بعد ما أجمه أياماً يوقحه , فركبه , ثم سار حتى انتهى إلى بيت المقدس ) . والبرذون الحمار .

انّ النبوءة اليهودية لا تهتم كثيراً بمن يمتطي جملاً , بل بمن يمتطي الحمار , وهي إشارة لظهور الاسلام , وركوب رسول الله (محمد) الجمل , وهذا تحقق فعلي لنبوءة (اشعيا) القائلة ( تغطيك كثرة الجمال بكران مِدْيَان وعيفة , كلها تأتي من شبا , تحمل ذهباً ولباناً , وتبشّر بتسابيح الرَّبّ )[310] , حيث يبدو ان (شبا) هي ذاتها (سبأ) التي كان لها مع رسول الله الدور الأهم في نشر الاسلام , ويكفي ان يُعلم انّ الانصار كانوا منها . لكنّ صاحب النبوءة الحاخام (شمعون) يركّز على مقولة (بلعام) في الكتاب المقدس ( ثمّ رأى القيني , فنطق بمثله وقال : ليكن مسكنك متيناً وعشّك موضوعاً على صخرة )[311], فيقول هذا الحاخام ( يكون الملك الثاني الذي ينهض من بين أبناء اسماعيل محبّاً لإسرائيل , ويسدّ الشقوق بينهم كما يسدّ الشقوق في الهيكل , ويعيد تشكيل جبل موريا ويسوّيه ويبني مسجداً على صخرة الهيكل , وفق ما ورد ” ليكن عشّك موضوعاً على صخرة ” )[312].

والنصّ يتناول بوضوح ما قام به الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) من اعمال في بيت المقدس وبنائه المسجد المسمى اليوم (قبّة الصخرة) . ولقد رأى اليهود في بناء (عمر) لمسجد الصخرة سعياً منه لإعادة بناء (الهيكل) , بالتالي فقد اعتبروه ( مخلّصهم = منقذهم ) من جور البيزنطيين , ومن هنا اطلق عليه اليهود لقب (الفاروق)[313], وهي كلمة من أصل آرامي , حيث الآرامية اللغة التي كان يتحدث بها اليهود إبّان الفتح العربي , جاءت معرّبة من (بوروق) او (بوروقو) , بمعنى ( المنقذ = المخلِّص = المحرَّر = الفادي ) . يؤيد ذلك ما ذكره (الطبري) في “تاريخ الرسل والملوك” من انّ اوّل من لقّب (عمر) بالفاروق رجل من يهود دمشق , شهد مع (عمر) أيضاً الصلح مع أهل (ايلياء) . كما انّ (الطبري) في ذات الكتاب يذكر انّ (كعب الأحبار) تلا على (عمر بن الخطاب) نبوءة قال فيها ( يا أمير المؤمنين , انه قد تنبّأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة ) , فقال (عمر) : وكيف ؟ , فقال ( انّ الروم أغاروا على بني اسرائيل , فاديلوا عليهم , فدفنوه – الهيكل – , ثمّ اديلوا فلم يفرغوا , ثمّ أدليت الروم عليهم الى ان وليت , فبعث الله نبياً على الكناسة , فقال ” أبشري أورى شلم , عليك الفاروق ينقيك مما فيك ” . وبعث الى القسطنطينية نبي , فقام على تلّها , فقال : ” يا قسطنطينية , ما فعل اهلك ببيتي ! , أخرجوه وشبهوك كعرشي , وتأوّلوا علي , فقد قضيت عليك ان أجعلك جلحاء يوماً ما , لا يأوي إليك احد ولا يستظل فيك , على أيدي بني القاذر سبأ وودان ” , فما أمسوا حتى ما بقي شيء ) . ثمّ يزيد (الطبري) على تلك الرواية عن (ربيعة الشامي) برواية  ( اتاك الفاروق بجندي المطيع , ويدركون لأهلك بثأرك من الروم )[314]. و (عمر) الذي سمح ل(كعب الأحبار) ان يصيح في (بيت المقدس) بنداء ( لبيك اللهم لبيك ) – رغم اقتصار هذه العبارة على حرم الله عند الكعبة – لم يسأله عن حقيقة ذلك النبي الذي كان مبعوثاً قبل خمسمائة عام , بمعنى انه جاء بعد (عيسى) , والإسلام لا يقرّ للقدس او القسطنطينية بنبوة بعد المسيح ! , ذلك لأنّ (عمر) يعلم انّ هذه النبوءة من احد سحرة حاخامات السنهدرين , من خلال علومهم الباطنية الفرعونية .

لقد تحدّث المؤرخ (سيبوس) عن طلب العرب من ملك الروم تسليم (القدس) لهم , باعتبارها إرث إبراهيمي , وسعيهم – العرب – لبناء الهيكل اليهودي , قبل احتدام الصراع بين اليهود والعرب حسدا , وبعد قيام جماعة من اليهود بإثارة الفتنة بين المسلمين والمسيحيين . فيما ذكر المؤرخ (ميخائيل السرياني) انّ العرب حين أرادوا اعادة بناء “الهيكل” تهدّم ولم يقم , فاخبرهم اليهود انه لن يقوم ما لم يسقطوا “الصليب” , لذلك انزل العرب الكثير من الصلبان . وهذا ما أشار اليه (استاسيوس السينائي) بحدوث هزّات ارضية تسببت بانهيار ما بناه العرب من “الهيكل”[315].

لقد ذكرت بعض المصادر التاريخية انّ (عمر) سمح بإقامة نحو سبعين أسرة يهودية في (القدس) , وذلك ما يتوافق ومرافقة (كعب الأحبار) له . فيما اسكن العرب جموعاً من الأسر اليهودية في اغلب المدن الشامية عند الفتح , مما يكشف عن تخطيط خفي خلف الكواليس للتغيير الديمغرافي .

امّا اليهودي المعاصر (اسرائيل وولفنسون = ابو ذؤيب) فيكتب ( ينبغي الّا يغيب عن البال انّ الخسارة القليلة التي لحقت بيهود بلاد الحجاز ضئيلة بالقياس الى الفائدة التي اكتسبها العنصر اليهودي من ظهور الاسلام , فقد أنقذ الفاتحون المسلمون الافاً من اليهود كانوا منتشرين في أقاليم الدولة الرومية , وكانوا يقاسون ألوان العذاب ) .

لقد قرّر مجمع (طليطلة) المسكوني عام ٦٩٥م محو اليهودية كديانة من اسبانيا , بعد اكتشافه انهم هم من حرّض العرب على غزوها , ومثل هذه الاتهامات شاعت كثيراً ضد اليهود من قبل المجامع المسيحية حينذاك , ولا تُعلم الغاية اليهودية من دعم الجيوش العربية , وما المكاسب التي اغتنموها لاحقاً , حيث كان اليهود سبباً مهماً – من الناحيتين التحريضية والمعلوماتية – في انحسار ممالك (القوط الغربيين) . فهل كان ذلك في إطار مرحلة تغيير ضمن الجماعات الباطنية , ام انه صدى لإرث عدائي تاريخي بين اليهود المختلفين في انتمائهم العقائدي العام وبين السلطة السياسية للممالك الأوربية ؟ .

انّ إيمان اليهود بالإسلام ليس مُتّهماً في اصله , بل في بعض ما جاء به كثير منهم . فمن اليهود الذين كان لهم احترام – فيما اطلعت عليه من المصادر لدى الفريقين – ناشئ عن انشغالهم الفعلي بالدِّين وموعظته , كما كان (محمد بن كعب القرظي) , فرغم انّ التاريخ الرسمي استخدمه للتغطية على ورثة العلم من (آل هاشم) وتلامذة الصحابة الأوائل , فنقلوا عن (ابن عون) قوله ( ما رأيت احداً اعلم بتأويل القرآن من القرظي )[316], وعن (ابن سعد) في ترجمة (أبي بردة) روى عن النبي أنه قال ( سيخرج من الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها احد بعده . قال ربيعة: فكنا نقول: هو محمد بن كعب القرظي, والكاهنان قريظة والنضير )[317], الّا انّ الأحاديث المروية عن (القرظي) عموماً وعظية . لكنّ الاوصاف التي رووها له تثير التساؤل عن حقيقة كون يهودي اعلم من أئمة أهل البيت واجلّاء الصحابة , وهو لم يولد الّا عام ٤٤ هجرية , لأب لم يولد في الاسلام ! .

امّا المثير الغريب من المواقف ليهود اسلموا فكان كثيرا . ومن ذلك ما يروونه عن زوجة النبي (صفية بنت حيي بن أخطب) , وهي من يهود (خَيْبَر) , حين زارت بيت المقدس بعد فتحه من قبل الخليفة (عمر) , فقالت عند جبل (طور زيتا) – بعد ان صلّت عليه – ( من ها هنا يتفرّق الناس يوم القيامة الى الجنة والى النار )[318]. ولا غرابة ان يروي اليهود ما شاءوا بعد اعلان اسلامهم , لكنّ الغريب ان يستفتيهم الخليفة (عمر) في امر (الدجّال) وهم على يهوديتهم , كما فعل عند فتح (القدس)[319].

انّ ما يهمّ من امر مسلمة اليهود ذلك الشريك الباطني الاخطر للخليفة (عمر بن الخطاب) , الذي رافقه في مراحل خطته – بعد تولّيه الخلافة – وهو (كعب الأحبار) , الذي كان من يهود اليمن , وهي تحوي من اليهود مجاميع كثيرة منذ دخلت في اليهودية على زمن النبي (سليمان) . فعن كتاب “فتوح مصر وأخبارها” ل(ابن عبد الحكم عن موسى بن علي) عن ابيه قال ( خَرَجْتُ حَاجًّا, فقالَ لِي سليمان بنُ عَنَزٍ – قَاضِي أَهْلِ مِصْرَ-: أَبْلِغْ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنِّي السَّلَامَ, وَأَعْلِمْهُ أَنِّي قَدِ اسْتَغْفَرْتُ الْغَدَاةَ لَهُ وَلِأُمِّهِ, فَلَقِيتُهُ فَأَبْلَغْتُهُ, قالَ: وَأَنَا قَدِ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ, ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ أُمَّ خَنُّوْر – يَعْنِي مِصْرَ -؟ قالَ: فَذَكَرْتُ لَهُ مِنْ رَفَاهِيَتِهَا وَعَيْشِهَا, قالَ: أَمَا إِنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ خَرَابًا, ثُمَّ أَرْمِينِيَةُ, قُلْتُ: سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ او من كعب الكتابين ؟ ) , قال ذلك تهكّماً وسخرية , وهذه الرواية – رغم انها تُنقل في مصادر أخرى بلا هذا التذييل , وانما يعترف انها منقولة عن (عبد الله بن عمرو بن العاص) – تكشف مستوى التزوير الذي مارسه (كعب الأحبار) في الحديث والقصة والرواية . فيما يُترك (علي بن أبي طالب) , الذي جعل الله فيه – بحسب (ابن عباس) – تسعة أعشار علم الامة وشاركها في العشر الأخير , وكان اعلم أصحاب (محمد) على قول (عطاء)[320], واليه ينتهي علم التوحيد وعنه نُقل بحسب (ابن ابي الحديد)[321].

لقد أعلن (كعب الأحبار) إسلامه الظاهري في خلافة (عمر) , في السنة الثانية عشر او السابعة عشر من إمارة (عمر) , على اختلاف , والأشهر هو الأخير . ومع ذلك حاول القوم – لمّا رأوْا ارتباطه الوثيق بتاريخهم الرسمي – تقديم تاريخ إسلامه كرامة له , فجعلوه في بعض الروايات الشاذة على عهد رسول الله , ومرة اخرى على زمان (ابي بكر) . وما كل هذا التناقض الّا لتزييف التاريخ.

وقد اثار إسلامه المفاجئ وهو في سن الثمانين الأسئلة في اذهان الصحابة , فيروى أنه ( قَالَ الْعَبَّاسُ لِكَعْبٍ : ” مَا مَنَعَكَ أَنْ تُسْلِمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَابي بكر , حَتَّى أَسْلَمْتَ الآنَ عَلَى عَهْدِ عمر ؟ ” , فَقَالَ كَعْبٌ : إِنَّ أَبِي كَتَبَ لِي كِتَابًا مِنَ التَّوْرَاةِ , وَدَفَعَهُ إِلَيَّ , وَقَالَ : اعْمَلْ بِهَذَا , وَخَتَمَ عَلَى سَائِرِ كُتُبِهِ , وَأَخَذَ عليَّ بِحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ لا أَفُضَّ الْخَاتَمَ , فَلَمَّا كَانَ الآنَ , وَرَأَيْتُ الإِسْلامَ يَظْهَرُ , وَلَمْ أَرَ بَأْسًا , قَالَتْ لِي نَفْسِي : لَعَلَّ أَبَاكَ غَيَّبَ عَنْكَ عِلْمًا كَتَمَكَ , فَلَوْ قَرَأْتَهُ , فَفَضَضْتُ الْخَاتَمَ , فَقَرَأْتُهُ , فَوَجَدْتُ فِيهِ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ , فَجِئْتُ الآنَ مُسْلِمًا )[322]. وبهذه الكذبة – التي علم بحنكته وخبرته انها ستطرب اذان العرب المسلمين لما فيها من تأييد لنبوة محمد – اشغل الناس عن خبث غايته .

وكان عدداً من اليهود – في حركة غريبة ومريبة – قد عادوا الى (المدينة) في اخر ايام رسول الله , بعد ان أجلاهم النبي عنها , كما يذكر صاحب كتاب (تاريخ اليهود في بلاد العرب) , الّا انهم لم يكونوا يحملون علم وحنكة (كعب الأحبار) وخبرته بالإسرائيليات والعلوم الباطنية , او انهم لم يشاؤوا إظهار ذلك لضرورات المرحلة , واكتفوا بوظائف تمهيدية لمرحلة (كعب الأحبار) .

ورغم انّ الرجل ما اسلم الّا في زمان (عمر) , وكان كبير السن , وحاله المريب , الّا انّ بعض الصحابة وقادة الفئة الانقلابية كانوا يجلّونه , ويستفتونه , ويرجعون اليه في العلم ! . كما روى (ابن سعد) في “طبقاته الكُبرى” عن (عبد الله بن شقيق) أن ( أبا هريرة جاء إلى كعب يسأل عنه, وكعب في القوم, فقال كعب: ما تريد منه؟ فقال: أما إني لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله أن يكون أحفظ لحديث رسول الله مني, فقال كعب: أما أنك لم تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوماً من الدهر إلا طالب علم, أو طالب دنيا, فقال: أبو هريرة: أنت كعب؟ فقال: نعم, فقال: لمثل هذا جئتك )[323]. وايّ داء اكثر من ان يترك ابو هُريرة (علي بن ابي طالب) ويأتي (كعب الاحبار) ! . فيما كان (ابو الدرداء) الصحابي وقاضي دمشق لبني أمية يقول عن كعب ( انّ عند ابن الحميرية لعلماً كثيرا )[324].

وهذه المقولات وغيرها عن (كعب الأحبار) ليست مستغربة , اذا عُلم انّ الخليفة (عمر) جعله على رأس جماعة من الحجاج اقبلوا من الشام الى (المدينة) ومكة . ولا غرابة بعد هذا ان يقول عنه (سعيد) – أمير البصرة – حين يروي حديثه ( حدّثنا هذا الرجل الصالح من أهل الكتاب كعب الأحبار …)[325].

 

والحديث هذا رواه (الطحاوي) كما في السلسلة الصحيحة للألباني رقم 124 , جمع له الألباني شاهدان (الصحيحة 1/ 243) . ليُعلم ان المسلمين هنا بين منظومتين معرفيتين , احداهما عن رسول الله , والأخرى عن كهنة اليهود , الاولى مثّلها (علي بن أبي طالب) وحزبه , والثانية مثّلتها فئة الانقلاب وحزبها .

 

 

ويتساءل الكاتب (اسرائيل ابو ذؤيب) عن سبب توجيه اللوم ل(كعب الأحبار) في معتقداته ومروياته الغريبة , في الوقت الذي يرد مثلها في مصادر القوم عن (ابن عباس) او (عكرمة) , لكنّه غفل انّ ما تمّ إيراده عن غير (كعب) لم يكن سوى ترقيع لتاريخه الروائي الأسود نفسه , على نحو الافتراء , وهو كثير في التاريخ الرسمي للخلافة العُمَرية , كما في إفرادهم مدح (عمر) و(ابي بكر) , بل جعلوه على لسان (علي بن أبي طالب) زعيم المعارضة التي ترفضهم ! .

وهذا الرجل المبتدع (كعب الاحبار) , الذي لم يسلم الّا توّاً , يطلب منه الصحابي القديم والخليفة (عمر) الموعظة , ليخوّفه من عواقب الآخرة ! , كما يُنقل عن “حلية الاولياء”[326]. فيما كان عليه ان يكون هو مصدر تلك الموعظة , كما كان (علي بن أبي طالب) . لكنّ ذلك لا يكون اكثر من غرابة ان يصادف سكن (كعب الاحبار) في اول وروده (المدينة) عند جار ل(عمر بن الخطاب) اسمه (مالك) .

 

 

امّا العداء التاريخي للسواد (العراق) فقد نشأ – كما هو متوقع – عن (كعب الأحبار) أيضاً , يعزّزه العقل الجدلي الذي تعامل من خلاله العراقيون مع البدع التي ظهرت في زمان الخليفة (عمر) وعن طرق حزبه , ورفض العراقيين لسفك الدم المسلم , على خلاف باقي الشعوب البدوية التي انساقت للتوجه الرسمي . فعن “تاريخ دمشق” ل(ابن عساكر) عن  ( سيف بن عمر التميمي , عَنْ أَبِي عثمان , وَأَبِي حَارِثَةَ , وَالرَّبِيعِ يَعْنِي ابْنَ النُّعْمَانِ الْبَصْرِيَّ بِإِسْنَادِهِمْ , قَالُوا : قَالَ كَعْبٌ حِينَ اسْتَشَارَ يَعْنِي عمر النَّاسَ : بَأَيِّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : بِالْعِرَاقِ , قَالَ : فَلا تَفْعَلْ فَإِنَّ الشَّرَّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَالْخَيْرُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ , فَجُزْءٌ مِنَ الْخَيْرِ بِالْمَشْرِقِ وَتِسْعَةٌ بِالْمَغْرِبِ , وَإِنَّ جُزْءًا مِنَ الشَّرِّ بِالْمَغْرِبِ وَتِسْعَةً بِالْمَشْرِقِ , وَبِهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَكُلُّ دَاءٍ عُضَالٍ , فَعَزَمَ عَلَى الشَّامِ  )[327] . و(كعب الأحبار) يعلم جيداً انّ العراق لن يخضع لظلموت الحضارة الباطنية القابيلية التي يمثّلها هو ومن جاء به . لكن أليس معيباً أنْ يستمع خليفة المسلمين لقول يهودي لم يُسلم الّا قبل فترة وجيزة , ويذر هذا الجهاد العظيم لأهل العراق ضد (فارس) والروم , فضلاً عن احاديث النبي والصحابة في فضل العراق واهله ! . ولم يفت القوم – كالعادة – ان يعدّلوا هذا التاريخ الغريب , فنسب (الثعلبي) في “قصص الأنبياء” هذه الرواية السوداء الى النبي نفسه , وحاشاه .

وفعلاً سار الخليفة الى الغرب – الشام – يرافقه مشيره ومفتيه (كعب الأحبار) , بعد ان انشأ الاثنان نظريتين , تتناول الاولى “شرّ العراق” , وتتناول الثانية “خير الشام” . وهي الصورة التي يمكن رؤية خيوطها بعد تسمية الأشياء بمسمياتها , “عراق علي والانبياء” . لكن بقي اضافة عنوانين اخرين لمعرفة معنى “الغرب” في رواية (كعب الأحبار) , هما “مصر الفراعنة” , و “أوروبا الرومان والبولصيين” .

فيما يروي (الطبري) انّ يهودياً طلب الى (عمر) وهو بالشام الّا يرجع حتى يفتح (أورشليم) . ففي طريق (عمر) أتاه رجل من يهود دمشق قائلاً ( السلام عليك يا ” فاروق ” , انت صاحب ايلياء , لا والله لا ترجع حتى يفتح الله ايلياء ) . وشهد ذلك اليهودي الصلح بعد فتح (أورشليم) , بعد ان دعاه (عمر) حين قيل له ( انّ لديه علماً جما )[328].

وفيما حاول (سيف بن عمر التميمي) حماية تاريخ الخليفة (عمر) بادعائه انّه خضع لشرط المسيحيين عند فتح (القدس) بعدم اسكان اليهود فيها , الّا انّ ذلك يكذّبه مؤرخون اهم من (سيف) والمصدر الذي نقل ادّعائه , هما (سعيد بن بطريق) , وقد كان بطريركاً مسيحياً , و (اليعقوبي) , المؤرخ المسلم الحاذق , واللذان لم يذكرا هذا الشرط في فتح (القدس) . لكنّ مصادر يهودية تقول انّ هناك جماعات من اليهود كانوا في الجيوش الاسلامية الفاتحة , هم الذين اشترطوا على المسلمين تنظيف الحرم من اثار البيزنطيين , ومن ثمّ استوطنوا (القدس) مع المسلمين في ناحية (جبل الزيتون) المطل على (جبل الحرم) , وهذا ما يُنقل عن رسالة العالم (سليمان بن يروحام القرائي) , المقيم في (القدس) عند القرن العاشر الميلادي , أنّ ( اليهود أطلقت لهم حرية الدخول والسكنى ببيت المقدس حين ظهور ملكوت إسماعيل ) . وكذلك يشير (ثيوفانس كونفسور) في نهاية القرن الثامن الى ( انّ اليهود أشاروا على الخليفة عمر بن الخطاب بإزالة الصلبان من الكنيسة الكبرى التي وجدت على الطور أمام الحرم ) . امّا المؤرخ الأرمني (سيبوس) فيذكر ( انّ عمر سمح لليهود ببناء معبد للصلاة داخل ارض الحرم ) . فيما ينقل العالم (سمحا أسف) عن مخطوطة يهودية قديمة ما نصّه ( ثم امرهم بكنس القدس وتنظيفها , وعمر يشرف عليهم … فكلما انكشف … سأل شيوخ اليهود عن الصخرة , فكان بعض العلماء يحدد له الموضع الى ان انكشف , فأمر ان يبنى سُوَر القدس ويبنى على الصخرة قبة تطلى بالذهب . وبعد ذلك أرسل اليهود الى سائر بلاد الشام يعرّفون اخوانهم بما وافقهم عليه عمر … ثم انه قال : أين تحبون ان تسكنوا في البلد ؟ فقالوا : جنوب البلد وهو سوق اليهود . وكان طلبهم قرب القدس وأبوابها وكذلك مع السلوان للاستحمام . والسلوان هي القرية الملاصقة البنايات الى يومنا الى جبلي صهيون والحرم … فأنعم أمير المؤمنين عليهم بذلك … )[329]. وهنا يُرى (عمر) يهودياً بكل ما للكلمة من معنى .

وفي المجلد الثالث من تاريخ (الطبري) ورد ( عن أبي مريم مولى سلامة قال: شهدت فتح ايلياء مع عمر رحمه الله , فسار من الجابية فاصلاً حتى يقدم ايلياء , ثم مضى حتى يدخل المسجد , ثم مضى نحو محراب داود ونحن معه , فدخله ثم قرأ سجدة داود فسجد وسجدنا معه . وعن رجاء بن حيوة عمن شهد قال: لما شخص عمر من الجابية إلى ايلياء فدنا من باب المسجد قال: ارقبوا لي كعبا , فلما انفرق به الباب قال “لبيك اللهم لبيك بما هو أحب اليك” , ثم قصد المحراب محراب داود وذلك ليلاً فصلى فيه , ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة , فتقدم فصلى بالناس وقرأ بهم ” ص ” وسجد فيها , ثم قام وقرأ بهم في الثانية صدر بني إسرائيل , ثم ركع ثم انصرف فقال علي بكعب , فأتى به , فقال: أين ترى أن نجعل المصلى ؟ فقال: إلى الصخرة , فقال: ضاهيت والله اليهودية يا كعب وقد رأيتك وخلعك نعليك , فقال: أحببتُ أن أباشره بقدمي , فقال: قد رأيتك , بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة مساجدنا صدورها , اذهب اليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنا أُمرنا بالكعبة . فجعل قبلته صدره , ثم قام من مصلاه إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني اسرائيل , فلما صار إليهم أبرزوا بعضها وتركوا سائرها , وقال: يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع , وجثا في أصلها , وحثا في فرج من فروج قبائه , وسمع التكبير من خلفه , وكان يكره سوء الرعة في كل شئ , فقال: ما هذا ؟ فقالوا: كبّر كعب وكبّر الناس بتكبيره … )[330] . و (رجاء بن حيوه) هذا الذي سجد لسجود (كعب الأحبار) من أهل الكتاب الذين اظهروا اسلامهم , وصار المفتي والفقيه الأموي الابرز لطواغيت بني أمية , وله احال (عبد الملك) هندسة النقوش عند إعمار الحرم في بيت المقدس .

 

 

واستمرت هذه العلاقة الباطنية بين الخليفة (عمر) و (كعب) الى ساعة رحيل (عمر) عن الدنيا . وقد أورد (الطبري) ما مضمونه ( أن كعب الأحبار أتى عمر وقال: اعهد يا أمير المؤمنين – أي أوص بخليفة بعدك – فإنك ميت في ثلاثة أيام . قال وما يدريك ؟ قال أجده في كتابنا التوراة . قال عمر: آلله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟! قال: لا ولكن صفتك وحليتك . ثم أتاه في اليوم الثاني وقال: بقي يومان . ثم جاءه من غد الغد وقال: بقي يوم وليلة . وهي تلك الليلة التي طعن فيها عمر )[331]. ولا يُدرى من أين ل(كعب) معرفة ذلك , الّا بإحدى ثلاثة طرق , المشاركة في قتل (عمر) , او الكهانة والتنجيم , او نشاط استخباري خاص كانت تمارسه المنظمات اليهودية الباطنية لازال نشاطه واضحاً وفعّالاً حتى اليوم , عرف من خلاله كعب خطة اغتيال (عمر) , فأراد تحذيره , دون إعلامه بالمصدر . فمورد موت (عمر) في التوراة غير معلوم , الّا اذا كانت توراة اخرى يؤمن بها (كعب) . ثمّ كيف تكون التوراة كتاب رجل مسلم يفتي الناس ! . وقد ظلّت الجهة التي قتلت (عمر بن الخطاب) مجهولة حتى اليوم , فالذين قتلهم – انتقاماً – ولده (عبيد الله) كان قتلهم على الشبهة , ولم يثبت تاريخياً انهم اشتركوا بالحادثة , فقد أودى بهم احد الشهود الذين ادّعوا انهم رأوْا خنجراً يشبه الخنجر الذي ضرب (عمر) عند (ابي لؤلؤة) , وبهذه الظنّة قتل (عبيد الله) (ابا لؤلؤة) وابنته , فوبّخه الخليفة (عثمان بن عفان) , وطالب (علي بن أبي طالب) بإقامة الحد عليه .

ومع ذلك ف(أبو لؤلؤة الفارسي) كان غلام (المغيرة بن شعبة) , احد أفراد حزب (عمر) وشركائه , وكان (ابو لؤلؤة) مجوسياً , لا يُعرف كيف جاز ل(المغيرة) ادخاله الى (المدينة) ! . و(المغيرة بن شعبة) صاحب غدر قديم , اذ رافق قوماً في الجاهلية فقتلهم واستلب مالهم , ثم اهان بعد الإسلام من سعى في سد غدرته[332]. لذا كان يليق به هو و(عمرو بن العاص) ان يكونوا أذرع (معاوية) وشركاء مكره . وفي الطعنة التي طعنها غلام (المغيرة بن شعبة) المدعو (ابو لؤلؤة) ل(عمر بن الخطاب) , غضباً من (عمر) لعدم انصافه في شكواه من الضريبة التي يفرضها (المغيرة) عليه واستهزاء (عمر) به , يُلاحظ الفرق بين نداء (عمر) ونداء (علي بن أبي طالب) حين طعنه (ابن ملجم) , حيث يحكي كل نداء باطن وشخصية كل منهما , اذ صاح (عمر) حين سقط ( ادركوا الكلب , فقد قتلني ) فيما صاح (علي) منادياً ( فزتُ وربِّ الكعبة )[333].

ومن مراسلات (عمر) مع (كعب الاحبار) ما جاء في كتاب حلية الاولياء عن (مُغِيث الأَوْزَاعِيّ) , أَنَّ (عمر بن الخطاب أَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ , فَقَالَ لَهُ : يَا كَعْبُ , كَيْفَ تَجِدُ نَعْتِي فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَ : ” خَلِيفَةُ قَرْنٍ مِنْ حَدِيدٍ لا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ , ثُمَّ خَلِيفَةٌ تَقْتُلُهُ أُمَّتُهُ ظَالِمِينَ لَهُ , ثُمَّ يَقَعُ الْبَلاءُ بعده )[334]. وَيَا لله في خليفة للمسلمين يستفتي يهودياً في شخصه ! .

وليست هذه وحسب تنبؤات (كعب الأحبار) , فقد أورد (الطبري) في تاريخه ما نصّه ( … فقال كعب وهو يسير خلف عثمان “الامير والله بعده صاحب البغلة” , وأشار إلى معاوية )[335]. وأورد أيضاً ( عن رجل من بني أسد قال: ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم فاجتمعوا إليه بالموسم , ثم ارتحل فحدا به الراجز ” إن الامير بعده علي * وفي الزبير خلف رضي ” . قال كعب: كذبت صاحب الشهباء بعده , يعني معاوية . فأُخبر معاوية , فسأله عن الذي بلغه , قال: نعم , أنت الامير بعده , ولكنها والله لا تصل اليك حتى تكذّب بحديثي هذا . فوقعت في نفس معاوية )[336].

والتنبؤات هذه من (كعب الأحبار) يمكن قراءتها من زاويتين , انّه كان يتنبأ فعلاً من خلال بعض العلوم الباطنية السحرية الكهنوتية الموروثة , او انه يشارك في خطة كبيرة لإزالة وتنصيب أمراء الدولة الاسلامية , ضمن فئة ومنظمة اكبر . ورغم أني ترجيح القراءة الثانية لتنبؤات (كعب الأحبار) , الّا انّ رواية (عبد الله بن الزبير) تؤيد القراءة الاولى , ففي كتاب “الإصابة في معرفة الصحابة” ل(ابن حجر) ورد ( قال عبد الله بن الزبير لما أُتي برأس المختار: ما وقع في سلطاني شيء إلا أخبرني به كعب , إلا أنه ذكر لي أنه يقتلني رجل من ثقيف وهذه رأسه بين يدي . وما درى أن الحجاج خُبّئ له )[337] . وكذلك الرواية التي تشير الى تواصل مع عوالم اخرى كان يؤمن به (كعب الأحبار) , فعن (ياقوت الحموي) في “معجم البلدان” ورد ( عن امرأة ابن حباشة النميري قالت: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيام خرج إلى الشام , فنزلنا موضعاً يقال له القلت , قالت : فذهب زوجي شريك يستقي , فوقعت دلوه في القلت , فلم يقدر على أخذها لكثرة الناس , فقيل له : أخّر ذلك إلى الليل , فلما أمسى نزل إلى القلت ولم يرجع , فأبطأ وأراد عمر الرحيل , فأتيته وأخبرته بمكان زوجي , فأقام عليه ثلاثاً وارتحل في الرابع , وإذا شريك قد أقبل , فقال له الناس : أين كنت ؟ فجاء إلى عمر رضي الله عنه وفي يده ورقة يواريها الكف وتشتمل على الرجل وتواريه , فقال ” يا أمير المؤمنين , إني وجدت في القلت سرباً , وأتاني آت , فأخرجني إلى أرض لا تشبهها أرضكم , وبساتين لا تشبه بساتين أهل الدنيا , فتناولت منه شيئاً , فقال لي: ليس هذا أوان ذلك , فأخذت هذه الورقة , فإذا وهي ورقة تين” , فدعا عمرُ كعبَ الأحبار وقال: أتجد في كتبكم أن رجلاً من أمتنا يدخل الجنة ثم يخرج ؟ قال: نعم , وإن كان في القوم أنبأتك به ! فقال: هو في القوم , فتأمّلهم , فقال : هذا هو . فجعل شعار بني نمير خضراء إلى هذا اليوم )[338]. اذ لا يمكن انّ تصديق إدِّعاء (كعب) او فهم (عمر) هنا بالجنّة الحقيقية .

وفي خلافة (عثمان بن عفان) بلغت الأمور بين الحزبين حد المكاشفة , وصار امر (كعب الأحبار) والحزب القرشي واضحاً . لكن بعد أنْ استطاع (كعب) ومؤسسة الخلافة تأسيس دين جديد هو الاسلام القرشي , تمّ نشره في مختلف الاصقاع , من خلال أشخاص وجماعات متواطئة , او منتفعة , او ساذجة . فيما كانت هناك الجماعة الاخطر , وهي التي تستشعر البغض لآل بيت النبي , فتحاول مساعدة الطرف المعادي لهم لأسباب غير موجهة , والذي صادف انه الحزب القرشي , رغم انها لا تكن المحبة للخليفة (عمر) واصحابه . لذلك كانت هناك مواجهات عديدة بين (عائشة) مثلاً وبين الخلفاء وحزب قريش , ومنهم (كعب الأحبار) .

وكان مما روي عن (أبي ذر) أنه قال ل(عثمان) يوماً ( لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف . وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان , ويصل القرابات ) , فقال (كعب الاحبار) رداً عليه ( من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه ) , فرفع (أبو ذر) محجنه فضربه فشجّه[339]. فهذا الصحابي الجليل الرسالي الذي وصفه رسول الله بانه (( اصدق لهجة )) – على تقواه – يصل به الغضب لدين الله ان يضرب (كعب الأحبار) , وما ذاك منه الّا تحت نية الجهاد في سبيل الله لا شكّ .

وقال (عثمان) يوماً والناس حوله ( أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً, فإذا أيسر قضى؟ ) , فقال (كعب الأحبار) مجيباً (لا بأس بذلك ) , فقال (أبو ذر) له ( يا ابن اليهوديين , أتعلّمنا ديننا؟ ) , فقال (عثمان) ل(أبي ذر) موبخاً ( قد كثر أذاك لي , وتولّعك بأصحابي , إلحق بالشام ) , فأخرجه إليها[340]. فكان احد زعماء الجبهة الانقلابية – الذي يفترضه التاريخ الرسمي خليفة لرسول الله – ينفي صاحب الرسول الصادق , ويأخذ برأي يهودي منافق , ذمّه الكثير من الصحابة . وكان نفي (ابي ذرّ) الى (الربذة) من قبل (عثمان) عقاباً لولائه في (علي بن أبي طالب) وعقيدته الصافية , وتماشياً مع دين قريش الجديد المبتدع , وتصديقاً لحديث رسول الله فيه انه (( يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده ))[341].

و(عثمان بن عفان) ابتدأ خلافته بشراء ذمم الناس عامة بزيادة عطائهم مائة مائة , ومحاباة الخاصة بأكثر من ذلك , مثل (الزبير) بستمائة الف , و(طلحة) بأكثر من مائتي الف . ثم اذن للصحابة من المهاجرين بالخروج من (المدينة) , بعد ان حبسهم (عمر) , لكن بعد ان تمكن رجالات الانقلاب من بث مسالحهم وفقهائهم ورواة الحديث[342].

 

لقد ترك (كعب الأحبار) عقائداً وافكاراً تناسب يهوديته , اخذها فقهاء السلطان ونشروها . ومن ذلك قضية اي ولدي النبي (إبراهيم) كان الذبيح , هل هو اسماعيل ام إسحاق ؟ . فروي عن (كعب الأحبار , ابي هُريرة , عكرمة , السدي , الطبري , البيهقي , الجيلاني , المخزومي القرشي) نقلاً عن (ابن عباس) انّ الذبيح هو (إسحاق) , لكنّ الغريب انّ الروايات التي تروي انّ الذبيح هو (اسماعيل) – كما هو مشهور المسلمين – ترجع ل(ابن عباس) أيضاً ! , وقد نُقل ذلك عن (مجاهد , الشعبي) , وهما من تلامذة (ابن عباس) , كما هو ايضاً ما نقله (الشريف الرضي) . ومن ذلك يُعلم مدى التزوير الذي اصاب عقائد الاسلام بظهور “الاسلام العُمَري” . فقد أورد (الطبري) في تاريخه ( عن العلاء بن جارية الثقفي , حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ كعب الأحبار: أَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إبراهيم مِنَ ابْنَيْهِ إِسْحَاقَ )[343].

 

ورغم انّ (كعب الأحبار) كان مهتماً بتزوير العقائد وتحريفها , لأنها أساس العمل , الّا انه لم يشأ إِلَّا ان يترك بصمة من التخريب في الفقه ايضا . ففي كتاب “الاستذكار” ل(ابن عبد البر) جاء ( وأما قوله في حديث مالك , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار: ثم كما كانوا ببعض طريق مكة قرت بهم رجل من جراد , فأفتاهم كعب أن يأخذوه فيأكلوه . فلما قدموا على عمر بن الخطاب ذكروا له ذلك , فقال له ” ما حملك على أن تفتيهم بهذا ؟ ” , قال ” هو من صيد البحر ” , قال ” وما يدريك ؟ ” , قال ” يا أمير المؤمنين , والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين )[344]. ولا يُعلم كيف قبل الخليفة منه ذلك ؟! .

بينما كان السياسي النصراني (منصور الرومي) – جد (يوحنا) الكاتب الفيلسوف النصراني المشهور لدى الأمم المسيحية – يشغل مركز مدير المالية العام وحاكمية دمشق في عهد الإمبراطور الروماني (موريس ٥٨٢ – ٦٠٢ م) وحتى عهد (هرقل ٦١٠ – ٦٤١ م) , وهو الذي فاوض العرب على تسليم دمشق صلحاً بيد (ابي عبيدة) على غير علم من( توماس) حاكم المدينة وصهر (هرقل) , ولمّا كانت أمور الشام كلها قد أوكلت الى (يزيد بن أبي سفيان) – الذي كان القائد العام للجيوش العُمَرية هناك – فقد توافق الرجلان , فاعتمد (يزيد) على (منصور الرومي) وابقاه . ولدى موت (يزيد) انتقل حق الولاء إلى أخيه (معاوية) ثم إلى (يزيد بن معاوية) الذي عاش في ولايته (يوحنا الدمشقي) الملقب ب”دفاق الذهب” لكثرة ما دافع عن النصرانية ورموزها . ولعل وفاة (منصور) كانت في أواسط القرن السابع الميلادي . ويخبر الأب (لامنس) على أن (منصور) اعتزل في دير القديسة (كاترينا) في سيناء بعد تسليم دمشق , وألّف هناك كتاب “شرح الزامير” المنسوب إلى (أنستانيوس السينائي) , ويشير إلى أن منصور هو نفسه (أنستانيوس السينائي) بعد تغيير اسمه كنسياً , وأنه هو الذي كتب “شرح المزمور السادس” .

بينما كان (محمد بن الاشعث بن قيس الكندي) احد اهم المحرضين والقادة ضد (الحسين بن علي) , وكانت امه (ام فروة بنت ابي قحافة) اخت (ابي بكر) , تزوجها الأشعث في خلافة (ابي بكر) لما قدم بعد أن ارتد وأُتي به من اليمن إلى (المدينة) أسيراً , فمنَّ عليه (أبو بكر) , فتزوج أخت (ابي بكر) , وقد ذكره (ابن حبان) في الثقات[345] ! , وقد قُتل سنة سبع وستين بالكوفة أيام (المختار) . نقلوا أن (عمر) رفض أن يرث (محمد بن الاشعث) او ابوه (الاشعث بن قيس) عمته اليهودية , وأن (عمر) جعل ورثها لأهل دينها دون نص من كتاب الله ![346].

 

وبمناسبة ذكر (آل الاشعث) الذين كانوا من اهم المؤلبين على ريحانة رسول الله (الحسين بن علي) , وفي أثر آخر للإسلام العمري ودوره في صناعة المستقبل , كان (حجّار بن أبجر العجلي) , احد قتلة حفيد النبي وسيد شباب اهل الجنة (الحسين بن علي بن ابي طالب) , روى (ابن دريد) في “الأخبار المنثورة” عن أشياخ من (بني عجل) أنهم قالوا: قال: (حجّار بن أبجر) لأبيه , وكان نصرانيا ( يا أبت أرى قومًا قد دخلوا في هذا الدين فشرفوا , وقد أردتُ الدخول فيه ) , فقال ( يا بني اصبر حتى أقدم معك على عمر , ليشرفك , وإياك أن يكون لك همة دون الغاية القصوى ) , وذكر القصة وفيها إن( أبجر) قال ل(عمر) نيابة عن ولده ( أشهد أن لا إله إلا الله وأن حجّاراً يشهد أن محمدًا رسول الله ) , قال (عمر) له ( فما يمنعك أنت ؟! ) , فأجابه ( إنما أنا هامة اليوم أو غد ) , وذكر (المرزباني) في “معجم الشعراء” أن (أبجر) مات على نصرانيته في زمان (علي) قبل قتله بيسير,  وروى (الطبراني) من طريق (إسماعيل بن راشد) قال ( مرت جنازة أبجر بن جابر على عبد الرحمن بن ملجم , وحجّار بن أبجر يمشي في جانب مع ناس من المسلمين , ومع الجنازة نصارى يشيعونها فذكر قصة )[347].

 

وعن القائد الآخر من قتلة ريحانة رسول الله (الحسين بن علي) المتمول وأحد امراء بني امية (عمرو بن حريث المخزومي) قال ( أمرني عمر – رضي الله عنه – أن أؤم النساء في رمضان )[348] . وفِي صحيح مسلم عن (جابر بن عبد الله الانصاري) قال ( كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ , الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ , وَابي بكر , حَتَّى نَهَى عَنْهُ عمر فِي شَأْنِ عمرو بْنِ حُرَيْثٍ )[349].

فيما القاتل الآخر ل(الحسين بن علي) المدعو (عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي البجلي) كان قد ولي (حلوان) في خلافة (عمر) , وغزا (شهرزور) منها فلم يفتحها, حتى افتتحها (عبتة بن فرقد) . وهو الراوي ممجداً (عمر بن الخطاب) ضمنياً ( قال خالد بن الوليد: كتب إليّ أمير المؤمنين حين ألقى الشام بوانيه وصار بثنيّةً وعسلاً أن: سر إلى أرض الهند, والهند يومئذ في أنفسنا البصرة, وأنا لذلك كاره . فقال رجل: اتق الله يا أبا سليمان , فإنّ الفتن قد ظهرت . فقال: أما وابن الخطاب حي فلا , إنها تكون بعده , والناس بذي بليّان , أو في ذي بليّان , بمكان كذا وكذا , فلينظر الرجل , فيتفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر , فلا يجد , أولئك الأيام التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة , أيام الهرج , فنعوذ بالله أن تدركني وإياكم أولئك الأيام )[350]. فكان من ولاة (عمر) ورجال (خالد بن الوليد) , وذكره (ابن سعد) في الطبقة الأولى‏[351].

فيما كتب (عمر) إلى قاتل (الحسين) الأمير (كثير بن شهاب) يقول ( مر من قبلك فليأكل الخبز الفطير بالجبن , فإنه أبقى في البطن ) , وهو كما يبدو من امرائه على الناس . لذلك ربما جعله والي بني امية (زياد بن ابيه) على الشهود الذين شهدوا على الصحابي (حجر بن عدي) وأصحابه في صحيفة , حيث دفعها إلى (وائل بن حجر الحضرمي) و(كثير بن شهاب الحارثي) , وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجاهم , فأخرجا القوم عشية , ثم مضوا حتى انتهوا إلى (مرج عذراء) عن دمشق اثنا عشر ميلاً . ذكره (محمد بن سعد) في الطبقة الأولى من أهل الكوفة وقال كان أبوه (شهاب بن الحصين) قتل قاتل أبيه (الحصين) يوم الردة . وكان بخيلاً , كان قليل الحديث . لكنّ كل ذلك لم يمنع قول (العجلي) فيه ( كثير بن شهاب كوفي تابعي ثقة)[352] ! .

 

 

 

ومن ثم لا يُتوقع لمن تربّى في الحضن القرشي المعادي لرسول الله ان يوفق لمعرفة حق (علي) . فهذا (عبد الله بن عمر بن الخطاب) كان عثمانياً لم يبايع (علي بن ابي طالب) , الا أنه عند وفاته ندم أنه لم يقاتل الفئة الباغية مع (علي بن أبي طالب)[353]. وكان قسم كبير من افراد القبائل التي لا عقيدة مذهبية واضحة لها ينكسرون وينحسرون عن نصرة (الحسين بن علي) بالركون الى رأي اهل الدعة والسكون السلبي أمثال (عبد الله بن عمر) , الذي طلب الى (الحسين) ان يرجع , فأبى (الحسين) , فلم ينصره ولم يبايعه , فيما بايع لاحقاً لبني امية[354]. حيث لما ولي (الحجّاج) بلاد الحجاز من قبل (عبد الملك بن مروان الاموي) , راح يبايعه ليلاً وهو يقول ( من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية )[355], فأخرج (الحجّاج) رِجله ليبايع عليها , وعيّره أنه لم يبايع (علي بن ابي طالب) وقد كان إمام زمانه , لكنه جاءه يبايع خائفاً بعد مقتل (ابن الزبير) , فمسح على رِجله و خرج[356]. وفي رواية القوم المحسنة نقلاً عن (عبد الله بن دينار) قال ( شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كَتَبَ: إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ )[357] .

رغم ان (عبد الله بن عمر) كان الشاهد أن مؤسس دولة الامويين الحقيقي (عثمان بن عفان الاموي) لم يحضر (بدراً) , وأنه فرَّ يوم (اُحد) حتى بلغ (المدينة) , وأقام ثلاثاً , فقال له رسول الله (( لقد ذهبتم فيها عريضة ))[358], وتخلُّف عن بيعة الرضوان , وإن كان (ابن عمر) أراد نصرته إعلامياً من خلال التبرير للسائل , الا ان شهادة (ابن عمر)[359] كافية في بيان ما عليه الرجل من ضعف عملي في عقيدته .

 

امّا (عبيد الله بن عمر بن الخطاب) فله من التاريخ ما يشابه تاريخ رجالات (عمر) و(ابي بكر) , حيث خرج إلى العراق غازياً في زمان أبيه مع أخيه (عبد الله) , فلما قفلا مرّا على (أبي موسى الاشعري) , وهو أمير البصرة , فرحب بهما وقال ( لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت ) , ثم قال ( بلى , ها هنا مال من مال الله , أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين , وأسلفكما , فتبتاعان به من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة , فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين , ويكون لكما الربح ففعلا ) , وكتب إلى (عمر بن الخطاب) أن يأخذ منهما المال , فلما قدما على (عمر) قال ( أ كلّ الجيش أسلفهم ؟ ) , فقالا ( لا ) , فقال ( أدّيا المال وربحه ) , فأما (عبد الله) فسكت , وأما (عبيد الله) فقال ( ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين , لو هلك المال أو نقص لضمناه ) , فقال ( أدّيا المال ) , فسكت (عبد الله) , وراجعه (عبيد الله) , فقال رجل من جلساء (عمر) له ( يا أمير المؤمنين , لو جعلته قراضاً ) , فقال (عمر) لهم ( قد جعلته قراضاً ) , فأخذ رأس المال ونصف ربحه , وأخذا النصف الباقي[360] . فإذا كان هذا شأنه مع ابيه وهو الخليفة فكيف هو فعله مع غيره , وكيف هو تلاعبه بمال الله ! .

وينقل جماعة من المؤرخين أنه لما قُتل (عمر) أخبرهم (عبد الرحمن بن ابي بكر) بأنه رأى (الهرمزان) و(جفينة) و(أبا لؤلؤة) يتناجون , فنفروا منه , فسقط من بينهم خنجر , له رأسان , نصابه في وسطه , فلما رأى الخنجر الذي قُتل به (عمر) على نفس الوصف الذي ذكر (عبد الرحمن) , خرج (عبيد الله) مشتملاً على السيف , حتى أتى (الهرمزان) وطلب منه أن يصحبه حتى يريه فرساً له , وكان (الهرمزان) بصيراً بالخيل , فخرج يمشي معه , فعلاه (عبيد الله) بالسيف , فلما وجد حر السيف صاح ( لا إله إلا الله ) , ثم أتى (جفينة) , وكان نصرانياً , فقتله , ثم أتى بنت (أبي لؤلؤة) , جارية صغيرة , فقتلها , فقُبض عليه وسُجن , إلى أن تولّى (عثمان بن عفان) الخلافة , فاستشار الصحابة في أمره , فأفتى بعضهم بقتله , وأفتى بعضهم الآخر بالدية , فأدّى (عثمان) الدية من ماله وأطلقه , ولما تولّى (علي) الخلافة , وكان يرى أن يُقتل (عبيد الله) ب(الهرمزان) , خرج (عبيد الله) إلى الشام وانضم إلى (معاوية بن أبي سفيان) , فحارب وقُتل في معركة (صفّين) . ولا يعلم أحد كيف جاز لابن الخليفة المؤسس لسنن طائفة كبيرة من المسلمين قتل غير قاتل أبيه ! , وكيف جاز للخليفة الآخر العفو عنه , وكيف اختلف صحابة رسول الله في حكم عقوبته رغم أنهم الجيل الأول للأمة .

 

فكان (عبيد الله بن عمر بن الخطاب) في صف (معاوية بن ابي سفيان الاموي) في واقعة (صفّين) الفاصلة بين الحق والباطل . حيث كانت قبيلة (ربيعة) صبرت في (صفّين) أمام (حِمْير) وأهل الشام بقيادة (ذي الكلاع الحميري) , و(عبيد الله بن عمر بن الخطاب) الذي اتهمهم مباشرة بقتل (عثمان بن عفان) , حين صبر أهل الرايات من (ربيعة) حتى رجع من انكسر اليهم من جديد , فولاؤهم ل(علي بن أبي طالب) كان كبيرا , وأتتهم معظم (بكر بن وائل) , ودعمتها قبيلة (عبد القيس) , حتى كسروا أهل الشام وقتلوا (ذا الكلاع) و (عبيد الله بن عمر)[361]. ومنه يُعلم ان (عبيد الله بن عمر) يشير بصورة مباشرة الى قبيلة (ربيعة) في مقتل (عثمان بن عفان) , لا لأنهم كذلك فعلاً ربما , بل لما يعلمه من معارضتهم لحكومة (عثمان) واخلاصهم في دعم (علي) .

 

لقد كان من السهل خداع قائد دنيوي كبير لقسم كبير من العرب هو (ذو الكلاع الحميري) من قبل (معاوية) ورجاله , ومن ثم إفهامه ان (علي بن أبي طالب) واصحابه قد قتلوا رجلاً صالحاً اسمه (عثمان بن عفان) , لتقوم كبرى حروب المسلمين الداخلية (صفّين) بإصرار منه , نتيجة سذاجته , لا نتيجة بغضه (علياً) , ودليل ذلك انه دخله الشك عندما سمع حديثاً عن الرسول مضمونه ان (عمّار بن ياسر) تقتله الفئة الباغية , و(عمّار) كان في صف (علي بن أبي طالب) , فكان أمراً جللاً على (ذي الكلاع) الذي هو أقوى من (معاوية) عمليا , حتى قُتل (ذو الكلاع الحميري) , و تضعضعت أركان (حِمْيَر) , و ثبتت بعد (ذي الكلاع) تحارب بقيادة (عبيد الله بن عمر)[362]. وكانت هذه القبائل وفدت الى الشام من اليمن وما بين مكة واليمن في زمان (ابي بكر) , بديلاً عن جيش رسول الله وقادته الذين كانوا على خلاف فكري مع (ابي بكر) حول موضوع الخلافة , وكذلك بديلاً موضوعياً لقبائل العراق في الشمال العربي المهم التي كانت تعرف ما عليه كيان الانقلاب , فكانت قبائل اليمن اول ما عرفت الإسلام عن طريق أمثال (يزيد بن أبي سفيان الاموي) احد اهم قادة (ابي بكر) الى الشام , بالإضافة الى أخيه (معاوية) الذي أمدّه به (أبو بكر) في جند اخرين , ليتم لكفار قريش قيادة الجيش الاسلامي[363]. حتى ان هذه القبائل الجنوبية اليمنية ظلت الى جوار (يزيد بن أبي سفيان) حين فصل (عمر بن الخطاب) بين أهل العراق وأهل اليمن بعد فتح الشام[364], اذ كانت هذه القبائل العراقية الشمالية واليمنية الجنوبية شوكة جيش المسلمين , ولما كانت الشمالية موالية ل(علي بن أبي طالب) , كان لابد من إعادة توجيه بوصلة الجنوبية ضده .

 

ولولا مثل هؤلاء الساذجين , الذين خسروا نفوذ وشباب قبائلهم وأهل بلدهم لصالح بضعة أفراد من بني أمية ليس لهم من الامر شيء , لما استطاع (معاوية) ان يقوم ل(علي بن أبي طالب) , ولما وصلت الامة الى قتل أعدلها بعد رسول الله . فكيف استطاعت الآلة الإعلامية والمخابراتية حينذاك خداع أمثال هؤلاء في نفوذهم ومكانتهم ونسكهم , وإقناعهم ان (معاوية) ادين من (علي) ! . لقد ساعد في ذلك أمثال (عبيد الله بن عمر) وحاجتهم لدعم (معاوية) , رغم معرفتهم حق (علي بن أبي طالب) . فحين ابى ان يشتم (علياً) , او ان يتهمه في دم (عثمان) على منبر الشام بعد هروبه اليها من دم سفكه , قاطعه (معاوية) وحصره , فاضطر ان يكتب شعراً يُتهم فيه (علي بن ابي طالب) , فأدناه (معاوية) حتى شهد معه (صفّين) , وقد كان ابن (عمر بن الخطاب) الذي يجلّه أهل الشام , فهم يجعلون (عثمان) الاموي من أهل الدين . وقد استغل (معاوية) ان قرّاء أهل الشام من مرتبة دون مرتبة أهل العراق في الوعي , فأحال اعتراضهم عليه في قتاله (علياً) , وكون (علي) أسمى منه وأعلى سابقة في الإسلام , الى مناسبة لصنع أسس المناظرات المذهبية , حين طلب اليهم ان يكونوا رسله الى (علي) . فجعل يؤسس الى ترتيب الأفضلية الثلاثي (أبو بكر , عمر , عثمان) المشهور بين العامة الْيَوْمَ , والذي أضيف له لاحقاً (علي بن أبي طالب) ليكتسب شيئاً من الشرعية العامة ولتخفيف الاحتقان الطائفي . فقد كتب في احدى رسائله ( … فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام , فكان أفضلهم الخليفة من بعده , وخليفة خليفته , والثالث الخليفة المظلوم … )[365] . لتكون هذه الرسائل من التأسيسات المذهبية المبكرة , وقد حملها هؤلاء القرّاء , وهم لا يعلمون غبّها ووزرها الى يوم القيامة[366].

لقد مهّد (عثمان بن عفان) ل(معاوية بن أبي سفيان) امر الخلافة وجعلها ملكاً عضوضاً لبني امية , حين ضم الى ولايته الطويلة جداً غير العادية فلسطين والأردن وسوريا كلها , وجعل جيشه من اقوى جيوش المسلمين بما ضم اليه من مدد أهل اليمن وغيره , بدعوى حماية الثغور والبحر[367]. لهذا عظم (عثمان) عند بيت (معاوية) , وساء عند اهل العراق الذين يعرفون دنيوية (معاوية) وكرهه لآل بيت النبي .

 

 

 

 

 

1445 ه \ 2023 م

  • باحث عراقي , com

[1] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٦

[2] السيرة الحلبية , نور الدين الحلبي , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٢٠٦

[3] الطبقات الكبرى , ابن سعد , دار الكتب العلمية , ج 2 , ص 50

[4] تفسير ابن القيم , الآيات 25 – 27 من سورة الأحزاب

[5] السيرة الحلبية , ج ٢ , ص ٣٨٧

[6] الدر المنثور , جلال الدين السيوطي , دار الفكر , ج 4 , ص 20

[7] أعيان الشيعة , الأمين , دار الانصاف , ج 2 , ص 88

[8] السيرة النبوية , ابن هشام , ج ٢ , ص ٤٤٧

[9] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٨٧-٢٨٨

[10] مسالك الابصار في ممالك الأمصار , ابن فضل الله العمري , دار الكتب العلمية , ج ٢٣ , ص ٤١٧

[11] سير اعلام النبلاء / الذهبي / مؤسسة الرسالة / الجزء التاسع / الطبقة العاشرة / ص ٤٥٥

[12] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٢٣٩

[13] البداية والنهاية , ج 2 , باب هواتف الجن

[14] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[15] المستدرك على الصحيحين , النيسابوري , دار المعرفة , ج 3 , ص 244

[16] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[17]البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[18] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[19] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني , ط دار الكتاب الإسلامي , ج ٢ , ص ٤٣٦

[20] السيرة النبوية , ابن هشام ال(حِمْيَر)ي ,  مكتبة محمد علي صبيح وأولاده , 1963م  , ج ١ – الصفحة ٢٣3

[21] الشيخان , طه حسين , ص 68

[22] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[23]   البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[24] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , مؤسسة الاعلمي للمطبوعات , ج ٢ , ص ١٩٩

[25] أعيان الشيعة , ص ٢٤٨

[26] البداية والنهاية , ج 4 , غزوة هَوازن

[27] البداية والنهاية , ج 4 , صفة دخوله عليه السلام مكة

[28] البداية والنهاية , ج 4

[29] معرفة الصحابة , أبو نعيم الأصبهاني , دار الكتب العلمية , الجزء الثاني ص ٣٢

[30] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , كتاب الإيمان , ج ١ , ح ٤٣٤٠

[31] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٣٠٠

[32] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[33] البداية والنهاية , ج 4

[34] تاريخ مدينة دمشق , ابن عساكر , ج 27 , ت 246

[35][35] البداية والنهاية , ج 4  , صفة دخوله عليه السلام مكة

[36] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ١٠٥

[37] الحاوي للفتاوى , جلال الدين السيوطي , دار الفكر , ص ٩١

[38] تاريخ الطبري , ج ٢ , سرية عبد الله بن جحش

[39] الطبقات الكبرى , ابن سعد , ذكر عدد مغازي رسول الله , سرية أسامة بن زيد بن حارثة

[40] حياة الصحابة , محمد يوسف الكاندهلوي , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٣٣

[41] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ١ , ص ٦٧٢

[42] الإرشاد , المفيد , دار المفيد للنشر , ج ١ , ص ١٨٤

[43] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٣٠٧

[44] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٢٤

[45] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٤

[46] سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة , محمد ناصر الدين الالباني , مكتبة المعارف , المجلد العاشر – القسم الأول , ط ١ , ص ٧١٨

[47] كنز العمال في سَنَن الاقوال والافعال , المتقي الهندي , دار الكتب العلمية , ج ٥ , ص ٢٥٦

[48] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٥

[49] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٦

[50] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٦٨

[51] تاريخ الإسلام , الذهبي , ج ٣ , ص ١٨٠

[52] الروض والحدائق في تهذيب سيرة خير الخلائق , الخازن البغدادي , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ١٠٨

[53] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٦٨

[54] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ١٩ , ح ٥

[55]المسند , احمد بن حَنْبَل , شرح : احمد محمد شاكر , ٢٠١٨ م , ج ١٦ , ص ٦٢ , ح ٢١٥٨٤

[56] الشيخان , ص 76

[57] فتح الباري شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , دار الريان للتراث , باب مناقب فاطمة , ح ٣٥٥٦

[58] المواهب المحمدية بشرح الشمائل الترمذية , سليمان بن عمر بن منصور , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٤٣٩ – ٤٤٨

[59] موقع اسلام ويب الالكتروني , وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر , فتوى رقم ٢٧٥٦١١

[60] مسند احمد , احمد بن حَنْبَل , مسند بني هاشم , مسند عبد الله بن عباس , ح ٢٩٠٣

[61] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٦٦

[62] الآحاد والمثاني , أبو بكر الشيباني , دار الكتب العلمية , ص ٣٨٦

[63] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ١ , ص ٣٢١

[64] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٦١

[65] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 575

[66] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٥١ – ٢٥٩

[67] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٦٥

[68] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٦٦

[69] تاريخ مدينة دمشق , دار الفكر , ج ٤٨ , ص ٣٢٣

[70] الشيخان , طه حسين , ص 60

[71] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[72] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٧٢ – ١٧٤

[73] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[74] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٣

[75] السيرة النبوية , ابن هشام , الجزء الأول , المكتبة العلمية  – لبنان , ص ١٢

[76] منتظم الدرين , ج 2 , ص 18

[77] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٩٧

[78] سير أعلام النبلاء , الذهبي ,  مؤسسة الرسالة – 1993 , ج ٢ , ص ٣٦٤

[79] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 7 , فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب

[80] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 8 , مسير إبراهيم بن الاشتر الى عبيد الله بن زياد

[81] موقع (حكمة الكابالا) , سيرة العالم والطبيب (موسى بن ميمون)

[82] حائط البراق وليس حائط المبكى , د. عادل حسن غنيم – أستاذ التاريخ والمعاصر بجامعة عين شمس , نشر : مركز المعلومات الفلسطيني (وفا)

[83] حيث تخضع اغلب شبكات الاعلام في العالم لتأثيرات القبّالي (روبرت مردوخ) عملاق الاعلام

[84] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٩٠

[85] نظام الحكومة النبوية , ج 2 , محمد عبد الحي الكتاني الفاسي , دار الارقم , ط 2 , ص 18

[86] محاضرات الادباء , الراغب الاصبهاني , باب في الابوة والبنوة ومدحهما وذمهما مما جاء في البنين والبنات

[87] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٨٨

[88] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٢٥ , ح ٢١

[89] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٢٦ , ح ٢٤

[90] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٩٣ – ٩٤

[91] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٩٥

[92] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٥

[93] الملكة بلقيس التاريخ والاسطورة والرمز , ص 68  ,, اعيان الشيعة , دار التعارف , ج 1 , ص 243

[94] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[95] السيرة النبوية , ابن هشام , دار علوم القران , ج ٢ , ص ٤١٠

[96] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٣٥

[97] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٣٨٤

[98] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٦٩ – ٧٢

[99] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

[100] تاريخ الطبري , ج ٢ , سرية عبد الله بن جحش

[101] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 127 – 131

[102] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 159 – 175

[103] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , القسم الثاني , الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني , ط دار الكتاب الإسلامي , ص ٣٨٦

[104] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٧٣

[105] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢١٤ – ٢١٦

[106] تاريخ التمدن الإسلامي 2 , جرجي زيدان , ص 47

[107] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٤٤

[108] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ٢٦

[109] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , باب فضالة

[110] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ١٦١

[111] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , ص ٥٣

[112] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٦٩ – ٧٠  , ح ٢

[113] البداية والنهاية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ١٨

[114] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٢٠٥

[115] البداية والنهاية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ١٤٠

[116] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 54

[117] الإمامة والسياسة , ابن قتيبة الدينوري , مؤسسة الحلبي للنشر , ج ١ , ص ١٨

[118] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ١٢٦

[119] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 123 – 124

[120] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 90

[121] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 92 – 93

[122] غنية النزوع الى علمي الأصول والفروع , ابن زهرة الحلبي , مؤسسة الامام الصادق , ص ٦

[123] فتح الباري شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٩ , ص ٢٧٢

[124] صحيح مسلم , كتاب الطلاق , باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى وإن تظاهرا عليه

[125] صحيح البخاري , كتاب النكاح , باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها

[126] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٥٤

[127] اعيان الشيعة , ج ١ , ص 565

[128] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٥٠٠

[129] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٥٤٨

[130] سير أعلام النبلاء / الذهبي / مؤسسة الرسالة / الجزء الثالث / كبار التابعين / كعب الأحبار / ص ٤٩٠

[131] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 18

[132] حاضر العالم الإسلامي وقضاياه السياسية / محمد عِوَض الهزايمة / الطبعة الثانية / ص ٦٤

[133] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٥٠٠

[134] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٣ / ص ٢

[135] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٦١٨ – ٦٢١

[136] تاريخ الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٦٣٣

[137] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 55

[138] الشيخان , طه حسين , ص 62

[139] البداية والنهاية / ابن كثير / الجزء الخامس / قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان

[140] تاريخ ابن خلدون 4 , دار الفكر , ص 415 – 425

[141] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٣١

[142] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٤٠

[143] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٣٣ – ٦٣٥

[144] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٧٤

[145] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٢٨

[146] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٥٤

[147] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٥٤

[148] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٥٧

[149] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٦٠

[150] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , ج ٢ , ص ٤١٣

[151] تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج 4 , ص 443 – 444

[152] تاريخ ابن خلدون 4 , دار الفكر , ص 548

[153] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١ – ٧٥

[154] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٥١

[155] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٧٩

[156] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٥٩

[157] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٨١ – ٥٨٣

[158] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٦٢ – ٥٦٤

[159] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦١٩

[160] الشيخان , ص 94 – 95

[161] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٢٧

[162] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٨

[163] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٢٦٥

[164] سورة النجم 3 – 4

[165] سورة الحشر 7

[166] الشيخان , ص 118

[167] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٧٨

[168] الشيخان , طه حسين , 65 و 67

[169] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٩٠

[170] سورة الحجرات 13

[171] وقعة صفين , المنقري , ص ٢٩٧

[172] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٢٢

[173] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٤٩

[174] تاريخ ابن خلدون 4 , دار الفكر , ص 541

[175] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦١٤

[176] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦١٧

[177] الشيخان , طه حسين , ص 57

[178] الشيخان , ص 74 – 75

[179] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٥ , ص ٢٦٩ – ٢٨٣

[180] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٧٤

[181] الشيخان , طه حسين , ص 121

[182] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٧٨

[183] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٧٧

[184] تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج ٤ , ص 489

[185] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ١ , ص ٤٠٣ – ٤٠٥

[186] تاريخ جرجان , حمزة السهمي

[187] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , ابن عبد البر , ج ٤ , ت ٢٦٣٠

[188] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٧٩

[189] الشيخان , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ص 35

[190] الشيخان , ص 38

[191] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٨٠

[192] تاريخ ابن خلدون , ج 4 , ص 493

[193]تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص 539

[194] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥١٧ – ٥١٩

[195] الشيخان , طه حسين , ص 44 – 47

[196] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٢٥

[197] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٨٠ – ٢٩٥

[198] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٠١ – ٥٠٤

[199] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٥٠

[200] المنتخب من ذيل المذيل , محمد بن جرير الطبري , مؤسسة الاعلمي , ص ٤١

[201] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢١٣ – ٢١٤

[202] السيرة النبوية , ابن هشام , العبيكان للنشر , ج ٢ , ص ٢٣٧

[203] اسد الغابة في معرفة الصحابة , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٣١٩

[204] الطبقات الكبرى , ابن سعد , مكتبة الخانجي , ج ٦ , ص ١٧٤ – ١٨١

[205] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , ص ١٤٤ – ١٥١

[206] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٤ , ص ٤٢٠ – ٤٢١

[207] الطبقات الكبرى , دار الكتب العلمية , ج ٥ , ص ٤

[208] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ٥٦٣ – ٥٦٧

[209] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , ابن عبد البر , صفوان بن امية

[210] البداية والنهاية , ابن كثير , ج ٨

[211] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ١

[212] المعجم الكبير , الطبراني , ج ١٩ , من اسمه مالك

[213] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ٥٤٣

[214] الطبقات الكبرى , ابن سعد , ج ٦ , المسور بن مخرمة

[215] الإصابة في تمييز الصحابة , دار الكتب العلمية , ج ٦ , ص ٤٩٢

[216] الإصابة في تمييز الصحابة

[217] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٩١

[218] تاريخ التمدن الإسلامي , جرجي زيدان , مؤسسة هنداوي , ج ٢ , ص ٢١

[219] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٣١٦

[220] الأنساب , أبو المنذر الصحاري , نسخة المكتبة الشاملة , ج ١ , ص ٢٥٠

[221] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٤٦

[222] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 64

[223] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 80 – 84

[224] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٧٠

[225] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٥٦٣ – ٥٦٤

[226] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٠٦ – ٥٠٧

[227] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٠٧

[228] الروض والحدائق في تهذيب سيرة خير الخلائق , علي بن محمد الخازن , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٢٤٥ – ٢٤٦

[229] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٨٢

[230] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم , أبو الفرج بن الجوزي , دار الكتب العلمية , ج ٧

[231] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٣٩٦

[232] تاريخ الطبري , ج ٢ , احداث السنة الأولى للهجرة

[233] الشيخان , طه حسين , ص 102

[234] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 78

[235] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٨٤

[236] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥١٧ – ٥١٨

[237] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٣٣ – ٣٤

[238] بحار الأنوار , مؤسسة الوفاء , ج ١٩ , ص ١٩١

[239] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢١

[240] تهذيب التهذيب , ابن حجر العسقلاني , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٤٥ – ١٤٦

[241] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ١٣٩

[242] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٣٣٠

[243] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٩٢

[244] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٩ – ١١١

[245] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ١ , ص ٥٥٣ – ٥٥٤

[246] فتح الباري شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , مكتبة الملك فهد , ج ٧ , ط ١ , ٢٠٠١م , ص ١٨

[247] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٧ – ٢٤٨

[248] لسان الميزان , ابن حجر , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٣٦٤

[249] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٩ , ص ٣٠٥ – ٣٠٦

[250] سير اعلام النبلاء , مؤسسة الرسالة , ج ٥ , ص ٧٩ وما بعدها

[251] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٨٤ – ٥٨٥

[252] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٢ – ٢٤٣

[253] الشيخان , ص 19

[254] الشيخان , طه حسين , ص 57

[255] الشيخان , طه حسين , ص 58

[256] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٢٦

[257] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٥٤٩

[258] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٢٨٥

[259] التاريخ الأوسط , محمد بن إسماعيل البخاري , دار الكتب العلمية , ص ١٠

[260] التفسير الكبير مفاتيح الغيب , فخر الدين الرازي , سورة الفجر

[261] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , ص ١٠١

[262] تاريخ الموصل , أبو زكريا الازدي , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٦

[263] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار كتاب , ج ١ , ص ١٣

[264] تاريخ مدينة دمشق , ابن عساكر , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٤٦

[265] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٤٢

[266] كتاب الثقات , ابن حبان , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٦٦

[267] السيرة النبوية , ابن هشام , مكتبة محمد علي صبيح , ج ٣ , ص ٦٠٠

[268] تفسير الكشاف , الزمخشري , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٤١٣ – ٤١٤

[269] دلائل النبوة , أبو نعيم الأصبهاني , دار النفائس , ص ٥٠٢ – ٥٠٣

[270] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٧١

[271] السيرة النبوية , ابن هشام , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ١٦٦ – ١٦٧

[272] السيرة النبوية , ابن هشام , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ١٨١

[273] السيرة النبوية , ابن هشام , مؤسسة علوم القران , ج ٢ , ص ٣١٧ – ٣١٩

[274]تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٤٧

[275] سَنَن الترمذي , كتاب المناقب , مناقب علي بن ابي طالب , دار الكتب العلمية , ح ٣٧١٢

[276] المستدرك على الصحيحين , كتاب معرفة الصحابة , مناقب امير المؤمنين علي بن ابي طالب , ح ٤٥٦٧

[277] تاريخ الطبري , دار كتاب , ج ٢ , ص ٦٤٣

[278] موسوعة نساء حول النبي , محمد القيسي , دار المنهل , ص ٥٣

[279] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٤ , الطبقة الثانية , عروة

[280] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , من صغار الصحابة , المسور بن مخرمة

[281] اعيان الشيعة 1 , ص 636

[282] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٠٩ – ١١

[283] من قتل أهل البيت وأولاد النبيين وجملة الصحابة واستباحة المدينة وتولية المجرم الحجاج الثقفي

[284] من إدخالهم بني هاشم وال بيت النبي في أخاديد لحرقهم

[285] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٥ , الطبقة الثالثة , ص ٣٢٧ – ٣٣٢

[286] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٧٢

[287] تاريخ الطبري , ج ٢ , احداث السنة الأولى للهجرة

[288] السيرة النبوية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ص ٣٤٢

[289] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٢٢٣

[290] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٥٣

[291] ميزان الحكمة , محمد الريشهري , دار الحديث , ج ٣ , ص ٢٣٥٨

[292] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٠٢

[293] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد , ابن عبد البر , مكتبة ابن تيمية , ج ٢ , ص ١

[294] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , دار الحرمين , ج ١ , ص ١٦٠

[295] بحار الأنوار , المجلسي , مؤسسة الوفاء , ج ٢٣ , ص ١٣٣

[296] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٣٦

[297] الإكمال , الحافظ ابن ماكولا , دار الكتب العلمية , ج ٧ , ص ٢١٥

[298] الطبقات الكبرى , محمد بن سعد , دار صادر , ج ٧ , ص ٥٠٠ – ٥٠١

[299] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ٣٧٠ – ٣٧٣

[300] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ١٣٩

[301] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب اللبنانية , ج ٢ , ص ٣٠

[302] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 139 – 149

[303] صحيح البخاري , كتاب فضائل الصحابة , باب قول النبي لو كنت متخذاً خَلِيلا

[304] الخلفاء الراشدون من تاريخ الإسلام , شمس الدين الذهبي , دار الكتب العلمية , ص ٦١

[305] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٦٦

[306] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ١٠٩ – ١١١

[307] السيرة النبوية , ابن كثير , دار المعرفة , ج ٣ , ص ٦٣٨

[308] مصادر البحث الأساسية في كتاب (صراع الحضارتين) الذي صدر عن مركز عين للدراسات والبحوث ودار القارئ بقلم الكاتب

[309] الفتوحات العربية في روايات المغلوبين , حسام عيتاني , دار الساقي , الفصل الثامن

[310] سفر اشعيا , الإصحاح ٦٠ : ٦

[311] سفر العدد , الاصحاح 24 : 21

[312] الفتوحات العربية في روايات المغلوبين , حسام عيتاني , دار الساقي , الفصل الثامن

[313] الشيخان , طه حسين , ص 71

[314] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج 3 , ص 107

[315] صراع الحضارتين , علي الابراهيمي , دار القارئ

[316] تفسير الثعالبي , دار إحياء التراث , ج ١ , ص ٧٥

[317] الطبقات الكبرى , محمد بن سعد , دار صادر , ج ٧ , ص ٥٠١

[318] اثارة الترغيب والتشويق في تاريخ المساجد الثلاثة والبيت العتيق , محمد بن إسحاق الخوارزمي , دار الكتب العلمية , ص 401

[319] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٤

[320] اسد الغابة في معرفة الصحابة , ابن الأثير , انتشارات اسماعيليان , ج ٤ , ص ٢٢

[321] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ١٧

[322] الطبقات الكبرى , ابن سعد , ج 7 , دار صادر , ص 445

[323] الطبقات الكبرى , ابن سعد , دار الكتب العلمية , ج 5 , ص 247

[324] تهذيب الكمال , المزي , ج 8 , دار الكتب العلمية , ص 451

[325] حلية الاولياء , الاصبهاني , ج 5 , دار الفكر , 303

[326] حلية الاولياء , أبو نعيم الاصبهاني , دار الفكر , ج 6 , ص 34

[327] تاريخ مدينة دمشق , دار الفكر , ج 1 , ص 159

[328] تاريخ الطبري , ج 2 , دار الكتب العلمية , ص 448

[329] كعب الاحبار , إسرائيل بن زيف , مطبعة الشرق التعاونية 2009م , عن جامعة كالفورنيا 1976م , ص 39

[330] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي  , ج ٣ , ص 106 – 107

[331] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٢٦٤

[332] عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري , دار الكتب العلمية , ج ١٤ , ص ١٤

[333] الشيخان , ص 118

[334] حلية الاولياء , الاصبهاني , دار الفكر , ج 6 , ص 20

[335] تاريخ الطبري , ج 3 , دار الفكر , ص 149

[336] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية 2011م , ج 2 , ص 649

[337] الإصابة , ابن حجر , دار الكتب العلمية , ج ٥ , ص ٤٨٣

[338] معجم البلدان , الحموي , ج 4 , دار احياء التراث , ص 386

[339] تاريخ الطبري , ج 3 , دار الفكر , ص 113

[340] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , ج 8 , دار احياء الكتب العربية , ص 256

[341] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , دار الفكر الإسلامي الحديث 2001م , ج 3 , ح 4373

[342] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 65 – 67

[343] تاريخ الطبري , ج 1 , دار الكتب العلمية , ص 159

[344] الاستذكار , ابن عبد البر , ج ٤ , الصفحة ١٣١

[345] تهذيب التهذيب , ابن حجر العسقلاني , حرف الميم , ترجمة ٦٩

[346] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , ج ٦  , ترجمة ٨٥٠٨

[347] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , ج ٢ , ترجمة ١٩٥٧

[348] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج 3 , ص 419

[349] صحيح مسلم , كتاب النكاح , باب نكاح المتعة , حديث ١٤٠٥

[350] مختصر تاريخ دمشق , ابن منظور , الجزء الخامس , ترجمة عزرة بن قيس

[351] الإصابة في تمييز الصحابة, ج ٣  , ترجمة ٦٤٣١  ع

[352] مختصر تاريخ دمشق , ابن منظور , ج ٦  , ترجمة كثير بن شهاب

[353] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , ابن عبد البر , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٨٣

[354] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 593

[355] نثر الدر في المحاضرات , الوزير الآبي , دار الكتب العلمية , ٢-٣ , ص ٦٦ ,, الايضاح , الفضل بن شاذان النيسابوري , ت: جلال الدين الحسيني الأرموي , ص 73 – 75

[356] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه  , الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ج ٢ , ص ٣٧٧

[357] البخاري , المطبعة الميمنية , ج 9 , ص 85

[358] البداية والنهاية , ابن كثير , دار احياء التراث العربي , ج ٤ , ص ٣٢

[359] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[360] الموطأ , مالك بن انس , دار إحياء التراث العربي , ج ٢ , ص ٦٨٧ ,, الاستذكار , ابن عبد البر , ج ٧ , ص ٣ – 4

[361] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , احداث سنة سبع وثلاثين

[362] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , ج ١ , ص ١٩٦

[363] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٨٧

[364] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٢٨

[365] شرح نهج البلاغة , ابن أبي الحديد , دار إحياء الكتب العربية , ج ١٥ , ص ٧٤

[366] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٧٢

[367] الفتنة الكبرى , طه حسين , مؤسسة هنداوي , ج 1 , ص 104 – 105

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.