رهاب إيران أو الايرانوفوبيا

Iranophobia

235

 

 

ظاهرة اجتماعية ، بديلة طائفياً لرهاب الشيعة ، ناشئة عن حالة نفسية وليدة موجة سياسية ، ابتدأت في نهاية الدولة العباسية ، بدخول الشعوب التركية السلجوقية البدوية ، ثم قرون الدولة العثمانية الطائفية المتخلفة الطويلة ، ثم قرن الوهابية السعودية النجدية المتحجرة ، والاحتلال الغربي الأوروبي ، ثم قرن القومية العربية العنصرية ، ووليدها الفكر البعثي العفلقي الشوفيني ، ثم فترة الانقياد للمشروع الغربي ، بفروعه في الشرق الأوسط ، المشروع الإسرائيلي ، والمشروع التركي العربي ، والمشروع السعودي الإماراتي العربي .

حيث لم يجد السلاجقة في الشرق الأوسط سوى مجموعة من الدول الشيعية المدنية ، مثل الدول الحمدانية والمزيدية والنمرية في العراق والاناضول ، وآل عمار في لبنان والشام ، والفاطمية في أفريقيا والحجاز والشام ، والدول الحسنية في غرب شبه الجزيرة العربية ، والزيدية في اليمن ، والعقيلية والبحرانية في شرق شبه الجزيرة العربية والخليج ، بالإضافة إلى الدول العلوية والديليمية في إيران وافغانستان ، فكانت بحاجة إلى البعد الطائفي لإزاحة الدول الموجودة ، والظهور بموقف المساند للبيت العباسي ، الذي اسقطت هيبته عملياً وأذلت قادته .

ثم تعقدت الحالة وتفاقمت مع قيام الدولة العثمانية ، لتأثر تلك الدولة بأربعة عوامل ، وراثتها للتراث الفكري للدولة التركية السلجوقية ، الذي وصل ذروته بصدور فتى عثمانية رسمية بكفر الشيعة ، وصراعها السياسي مع الدولة الصفوية الشيعية ، ووجود الثورات العربية بقيادة الإمارات الشيعية الكبيرة بصورة دائمة ، مثل ثورات (المنتفگ) و (الخزاعل) و (بني كعب) و (بني لام) ، وخضوع السلطات العثمانية في العاصمة والولايات للتأثيرين الفرنسي والبريطاني الاثني-سياسي.

وقد كانت الدولتان السلجوقية والعثمانية ذات الشعوب التركية البدوية تعاني في مواجهة الدول الشيعية المتمدنة حضاريا ، فكانت تلجأ إلى وسيلة الإقصاء القمعي الجذري .

أما الدولة السعودية الوهابية السلفية فكانت تكفّر جميع المسلمين ، وبالخصوص شيعة أهل البيت ، وتعاني التخلف الأعرابي ، لاسيما أن جذورها القبلية القيسية النجدية كانت في مواجهة دائمة ضد الشيعة منذ آخر معركة لهم ضد رسول الله محمد ، وهي معركة (حنين) حين ألّف رسول الله قلوب زعمائهم بالمال ، ثم شاركوا في معارك (الجمل) و (صفّين) و (النهروان) ضد علي بن أبي طالب ، وفي معركة كربلاء بخيولهم الأعوجية التي داست صدر الحسين بن علي ، ثم تحالفوا مع القرامطة ، وقطعوا طريق الحاج العراقي ، ثم شاركوا البريطانيين في تأسيس الدولة السعودية ، التي كانت مضطرة لمواجهة دائمة مع الشيعة ، لاعتبارين ، أنها تراهم كفاراً صرحاء ، وأنهم كانوا يحيطون بجميع الأراضي التي كانت ترغب بالاستيلاء عليها لإقامة تلك الدولة ، حيث العراق من الشمال يمتد إلى وسط (نجد) ، وشيعة الأحساء والقطيف والبحارنة في شرق شبه الجزيرة العربية ، والحسنيون والأشراف في غرب شبه الجزيرة العربية ، والشيعة الزيدية في اليمن .

ثم عجز الاحتلال الغربي الأوروبي ، لا سيما الفرنسي والبريطاني ، عن استقطاب أي قسم من الطائفة الشيعية في البلاد الإسلامية ، رغم أنه استمال إلى جانبه قسماً من الطائفة السنية ، خصوصاً الولاة العثمانيين ، ثم لاحقاً الضباط العاملين في الجيش العثماني ، مع بقاء قسم كبير من الطائفة السنية يقاتل ضد تلك الاحتلالات . فكان الخيار الغربي الدائم هو الاجهاز العسكري ، أو الثقافي على تلك الطائفة الشيعية .

فيما امتزجت القومية العربية بالطائفية ، السنية ، لإصرار الشيعة على الجامعة الإسلامية ، ورفضهم ما تنتجه القومية من سمة عنصرية مخالفة للدين . إلا أن الأحزاب والجماعات القومية العربية التي نشأت من خلال التحالف مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية هي التي سيطرت على السلطة في البلدان العربية المستقلة عن تلك الدولة ، فقامت بصناعة اجيال من العنصريين الطائفيين عن طريق المدارس والمؤسسات الحكومية والخاصة ، يؤمنون بتفوق العنصر العربي على كل الأعراق ، ويرثون فكرة تفوق الطائفة السنية على غيرها ، فيكون الإيرانيون الشيعة غير العرب من أقل الشعوب في نظر القوميين العرب . إلا أن ما ركّز هذا الشعور القومي السني العربي ضد الإيرانيين كان قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ، التي أضافت للإيرانيين سمة جديدة ، كان يعارضها القوميون العرب ، هي الدين وحاكمية الشريعة ، إذ أن الأحزاب القومية العربية كانت علمانية بصورة مطلقة ، فكان الشعب الإيراني يجمع كل الصفات السيئة في نظر القوميين العرب .

ثم انتقلت القومية العربية العنصرية الى شعبتين , تخضعان كلتاهما للمسيحية الغربية الكاثوليكية والبروتستانتية , بعد انهيار واستسلام مسيحية الشرق الأوسط الآشورية والأرمنية , القومية العربية الشيوعية , بقيادة المسيحي (فهد) في العراق , والقومية العلمانية المتطرفة بقيادة (حزب البعث العربي) , المؤسس من قبل المسيحي (ميشيل عفلق) . لتنتقل أساليب القومية العربية العلمانية والطائفية من التضليل والاستعانة بالأجنبي الى استخدام العنف المباشر وتسخير السلطة , فسلخت أبناء الأسر المسلمة عن تاريخهم وعقيدتهم , وتركتهم أرضاً فارغة بلا هوية .

ثم جاء المشروع الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ليملأ الفراغ الفكري الاجتماعي الذي صنعته الأحزاب القومية والشيوعية , لاسيما مع السيطرة المطلقة للغرب على وسائل الإعلام الكبرى , وهيمنته على مجمل الحكومات والمؤسسات في المنطقة . حتى استسلمت أغلب الشعوب , باستسلام حكوماتها , للوجود الإسرائيلي , الذراع المباشر للمشروع الغربي في منطقة الشرق الأوسط , ولم يبقَ في النهاية إلا الشعوب الشيعية , في ايران والعراق ولبنان والبحرين واليمن , ترفض الانخراط او الاستسلام او القاء السلاح في هذه المواجهة , بل أضحت حتى المقاومة الفلسطينية السنية للاحتلال الإسرائيلي جزءاً من محور العالم الشيعي , بعد غدر الحكومات العربية , لاسيما المصرية والخليجية , والتركية , بها .

عزز كل ذلك محاولة تركيا العودة الى عصر القوة , الذي كان يعتمد في زمان العثمانيين على نهب ثروات الغير , لافتقار تركيا للموارد الأولية الضرورية , وكذلك على الخطاب الإسلامي القيادي , فوجدت تركيا نفسها في مواجهة سنية داخلية مع المشروع السعودي – الاماراتي لقيادة العالم السني , وفي مواجهة إيران لقيادة العالم الإسلامي عموما , وكذلك في رغبتها بامتصاص ثروات العراق وسوريا أصدقاء ايران .

وبعد إعلان الغرب بدء العلاقات الخليجية الإسرائيلية المباشرة , صار التحالف القمعي العالمي واضحا , وباتت إيران في زاوية المواجهة معه . وكان المعسكر الغربي الخليجي العربي يملك وسائل الاعلام الكبرى , لاسيما الناطقة باللغة العربية , فكان عصر شيطنة إيران , وكذلك كسر اقتصاد من يشاركها مبادئها .

وبالتالي كان كل ذلك التاريخ يصب في قوالب ذهنية عاصفة في أجيال من المراهقين , حتى صارت إيران في نظرهم صورة للعدو , رغم أن عدو الشعوب العربية والمسلمة نفسها كان المشروع الغربي بدجاليه وحلفائه من الحكومات الدكتاتورية والعسكرية القمعية في منطقة الشرق الأوسط . حيث لم يظل على المبادئ الإسلامية القديمة , في حماية الثقافة والهوية والأرض , الا المؤسسات الشيعية في البلدان العربية وفي ايران .

لذلك يتم اليوم , ومنذ سنين , حصار المجتمعات الشيعية في إيران والعراق ولبنان واليمن وغيرها , اقتصاديا , وسياسيا , وإعلاميا , كأن زمان (شِعب أبي طالب) قد عاد . رغم أن رعاة الإرهاب كانوا هم قادة المشروع الغربي منذ دعمهم المجاهدين العرب و (بن لادن) في أفغانستان , وتأسيسهم سرايا الإرهاب في سوريا , في تحالف معقد , يجمع كل المتناقضات , تحت رعاية المخابرات .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.