المرجع الأعلى أَمْ الوليّ الفقيه …

wali al-faqih

557

 

 

 

(( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ))

هذه الآية من القران الكريم كانت دستور القيادة الربانية لدى الشيعة المحمدية الامامية طيلة الفترة الزمنية التي كان للإمام المعصوم من ال محمد عليهم السلام وجود ظاهريّ فيها . حيث يكون ( الامام ) قائداً دينياً ودنيوياً ، بالجعل الالهي ، وليس للأمة الّا الطاعة والتولّي . ولا يمكن أنْ يجعل الله هذا المقام لظالم أبدا . فَلَمَّا غاب المعصوم الرابع عشر – بظلم الناس – انتقل الامامية الى القيادة المرجعية النائبة ، حيث يختارون للدين والدنيا – انبسطت اليد ام لم تنبسط – من هو صائن لدينه من الفقهاء ، طائع لأمر مولاه الحقّ ، مجانب لهواه . حَتَّى طال العهد واشتدّ الظلم على الناس ، كما صار لهذا المقام عظيمَ شأنٍ ، واحتاج الى بعض عونه الظلمة ، انعزل قوم ، وسعى اليه – زوراً – اخرون . وبين تلك وتلك غلب عليه – بعد النطق – الصمت ، وعلته – بعد الربانية – الشأنية ، فصار بعض شخوصه سائراً في العموم ، لا مُسيّراً لهم ، او مهذّباً لسيرهم في أقلّ التقادير .

فكان لزاماً بعد قرون من الظلم والظلامات أنْ تصير نخبة أهل الوعي الى الإصلاح ، والعودة الى جادّة العصمة ، باتّباع اثر المعصوم ، لجعل الفقيه نائباً للإمام في زمن غيبته ، قائماً بوظائفه وأمره ، لا وكيلاً للمال وحسب . وحين كانت المرجعية الدينية تخضع لرأي أهل الخبرة والمعرفة من خاصّة الشيعة اختلفت مصاديقها باختلاف أهل الرأي وعقولهم . ولاحقاً – حين تداخل المشروعان الصفويّ والبريطاني – تلوّثت النفوس ، ولم يعد الكثير من أهل الخبرة يملكون الورع الكافي للإنصاف ، حيث انفصل العلم عن العمل . ومن ثمّ ظهرت مرجعيات لو احسنا الظنّ بها لرأيْناها تخشى العوام ، ولا تصلح لهذا المقام . وعلى اثر ذلك الاختلاف في الفكرة والنية كان لابدّ من التشتت والشتات ، فاهتضمت الحقوق وابتلي الشيعة وزلزلوا زلزالاً عظيما .

فنهض أهل الإصلاح والصلاح من ورثة الأئمة وعماد الأمة ، وعملوا على اعادة الامر الى نصابه القيمومي الامامي ، للوحدة والتوحيد ، فرعاً عن توحيد الربوبية ، فكانت منهم نظرية ( ولاية الفقيه ) .

ولبيان هذه النظرية يمكن الرجوع الى مباحث الفقهاء الذين قالوا بها ، مثل السيد الخميني ، ومثل الشهيدين الصدرين . وهم قد سعوا من اجل البرهنة والاحتجاج لإقامتها بما لا يجوز تناوله في اسطر .

لكنّ السبيل الاخر الذي عليه جملة من فقهاء الامامية وعلمائهم كان متمثّلاً في الاقتصار على مقام ( المرجعية ) ، والتي تلتزم الفتيا ، لا الحاكمية . مع اتفاق أهل النظريتين على ضرورة الرجوع الى الفقهاء العدول في امر الدنيا وأمر الآخرة ، وعدم جواز الاحتكام الى أهل الظلم من السلاطين ومدارسهم السياسية والفكرية .

غير انّ عنواناً غريباً ظهر في نهايات القرن العشرين الميلادي ، لا يمتّ الى ولاية الفقيه ، ولا يقتصر على المرجعية ، كان هو ( المرجع الأعلى ) . وقد سبقه في الظهور – تمهيداً له – عنوان ( زعيم الحوزة العلمية ) . وهما لا شكّ عنوانان يبحثان عن ( مزايا الولي الفقيه ) من الطاعة والحاكمية ، ويهربان من ( مسؤولية قيادة الأمة ) نحو سبيل الرشاد ، بالجد والاجتهاد والتضحية . لذلك يمكننا القول – بضرس قاطع – أنهما وضعا للالتفاف والتمويه ، حيث ثبوت الحاجة الى حاكمية الولي الفقيه ، وهذا ما أثبتته التجارب العراقية والايرانية واللبنانية لاحقاً ، في الوقت الذي خشي أولئك الفقهاء على حياتهم ، حيث يستلزم القول بولاية الفقيه المواجهة مع الطواغيت في التقدير الأعلى ، وإصلاح المجتمع بعملية ومشروع واضح في الحد الأدنى .

وإذا كان أولئك الفقهاء الذين لا يستطيعون مجابهة المجتمع في انحرافه ، ويفتون بتقوائية اجتماعية تتجنب اثارة الناس ضدهم ، فيصمتون ، او يدورون حول الشأن المنحرف دوران المضروب في رأسه بآلة جارحة في فتياهم ، فهم أقلّ استطاعة عند تعلّق الامر بالسعي في إقامة حاكمية الله وسنّ قوانين الشرع ، حيث يواجهون الظلمة والمفسدين .

ولقد كانت هذه العناوين مثل ( زعيم الحوزة العلمية ) و ( المرجع الأعلى ) وليدة الحاجة السياسية لبعض الجهات الاسلاموية المعارضة، إبّان حكم طواغيت البعث ، وبعد الاحتلال الامريكي للعراق في ٢٠٠٣ م. حيث انهم يؤمنون بالولاية الفقهية في جمهورية ايران الاسلامية ، وبذلك هم يقولون بنظرية ولاية الفقيه ، لكنّهم في الوقت ذاته مضطرون للتعامل مع المرجعيات الكلاسيكية التقليدية صاحبة الدرس فقط في العراق ، والتي لا تؤمن بالعمل السياسي ، ليواجهوا بها المرجعيات العراقية القائلة بولاية الفقيه ، والتي يَرَوْن انها احقّ منهم في قيادة الشعب العراقي ، بل العالم الاسلامي ، نحو سبيل ال محمد والنجاة في الدنيا والاخرة . ومن هذه المرجعيات العراقية التي وقف ضدها قادة هذه الجهات الفئوية كان أولئك الناشئين في المدرسة الصدرية العظيمة . فابتكر أولئك الحزبيون عنوان ( زعيم الحوزة العلمية ) ، لتعظيم شأن ( السيد الخوئي ) سياسياً ، مع احترامنا لشأنه العلمي العظيم فعلا ، لكنّه ما كان أبداً كفواً ليقود الأمة زعامة وولاية . ثمّ اخترعوا للسيد ( السيستاني ) عنواناً آخراً ، اكثر حداثة ، وأقرب الى مفهوم الولي الفقيه ، هو ( المرجع الأعلى ) . ليرتكبوا بذلك جناية علمية وعقائدية واجتماعية وسياسية ، لا ارى انّ الله تعالى سيغفرها لهم .

وهذه العناوين الملتفة لم تكن قائمة على أساس شرعي روائي عن المعصوم عليه السلام ، كما هو الحال مع عنواني ( المرجعية ) و ( الولي الفقيه ) . وليست تقوم على ترجيحات عقلية مقبولة ، حيث سيكون لازم الترجيحات العقلية القول بولاية الفقيه رأسا . بل هي فقط ( نص إعلامي ) باطل . لكنّ هذه العناوين كانت مناسبة للّاعبين الدوليين والمحليين الكبار في العراق حين تمّ طرح هذه العناوين . فسلطان ( البعث ) الطاغوتي كان يرى في نفخ شكل هذه المرجعيات التقليدية ( جدار صدّ ) داخلي لدى الشيعة لمواجهة أيّ تحرك معارض اجتماعيا وحوزويا ، قد تقوده المدرسة الصدرية الولائية ، وبذلك ستستطيع هذه العناوين الرائجة سرقة الاضواء من المرجعيات الفاعلة والعاملة ، وبصمتها يصمت الشعب . امّا الأمريكان والغرب عموماً فكانوا يعدّون لمشروع تغريبي وتخريبي ، يفضي الى التقسيم والوهن والتمزّق في العراق ، ولن تعي خطواته الّا المرجعيات الرسالية ، كما هي المدرسة الصدرية ، التي يمكنها ان تقود الناس وتزيدهم وعيا ، لذلك كان من المناسب جداً وجود بدائل غير صالحة للعمل السياسي بتاتا ، الّا بنحو إعلامي ظاهري . فيما كانت الجمهورية الاسلامية في ايران تخشى من ظهور عناوين ولائية تنافس مقام الوليّ الفقيه في ايران . لكنّ الواقع انّ الجمهورية الاسلامية قد تمّ خداعها من ( عائلة اميرية تلبس لباس الدين ) ، لعبت بمقدرات المعارضة العراقية ، لتعود من ثمّ للعب بمقدرات الشعب العراقي .

وإذا كان افتقاد هذه العناوين علمياً وواقعاً لمستند شرعي إسلامي يوجب أنْ تُوجِد لها مستنداً عملياً يدعمها اجتماعيا ، فالغريب انّ أولئك الحاملين لهذه الألقاب كانوا من أهمّ العقبات في طريق حملة رسالة الأنبياء من المراجع الإصلاحيين . فهم وَإِنْ اخذوا ما ليس لهم ، لكنّ حواشيهم لم تكتفِ بذلك ، بل راحت تهاجم كلّ مصلح ، وباسم الدين ! . ومن ذلك المنطلق اصبح ( الصمت ) مقدساً ، بعد أنْ كان عيبا . وصار الشعب العراقي الثائر لقرون متطاولة يرى الثورة خروجاً على الدين والعقيدة .

لم تكن هذه العناوين قد أخذت شرعيتها من نص معصوم ، كما انها لم تسر بمبدأ ( الشورى ) حتى ، حيث يجتمع على تسميتها مجموعة من الفقهاء . وبذلك هي خارجة على النصوص الشرعية للمدرستين الشيعية والسنية ، وليست سوى صدى لرغبة لا علنية لبعض النفوس في اعادة ظاهرة ( تقديس الإمبراطور ) .

ولو كانت هذه الزعامات قد اكتفت بالانعزال عن العملين الاجتماعي والسياسي – وهو مبناها النظري – لكان الامر يهون – من احدى جهاته – ، لكنها كانت تتصدى مزاجياً ، ودون مشروع واضح المعالم ، بما يعيق عمل غيرها من المرجعيات الرسالية .

فحين كان لزاماً عليها نصرة المشروع الاصلاحي الصدري في السبعينات او التسعينات من القرن العشرين ، كانت تشيع حرمة ذلك المسلك النهضوي ضمنياً ، او مباشرة . وحين توجّب أنْ تتدخل في الشأن السياسي والثقافي بعد سقوط الصنم الطاغوتي بعد ٢٠٠٣ م ، فضّلت الصمت السلبي ، الخانق لمشاريع غيرها ، بل كانت تتدخل بطريقة تعيق سنّ القوانين الاسلامية ، بنحو غريب ، وذلك حين تجيب السائل ( المغرض ) عن شرعية إيجاد تلك القوانين بما يفهم منه القارئ انها ضد تلك القوانين ، او انّ الظرف والزمن غير مناسبين . حتى تفشّى الفجور والخيانة ، بما هو اعظم من قبل . وصار اتباعها يجيبون على كل سؤال يرتبط بالعمل على سنّ قوانين ( جعفر بن محمد الصادق ) بما معناه ( ليس الظرف مناسبا ) . ولستُ ارى انّ ( ظرفهم ) سيكون مناسباً الّا حين يظهر الامام الحجة عليه السلام . وهو بعد ذلك سيكون له معهم شأن اخر .

وما أراه من خلال قراءة تاريخ مواقف هذه المرجعيات المعنونة انها تسعى لتكريس ( العلمانية ) في العراق ، وهذا ما تبناه احد وكلاء المرجعية – الشيخ حسين ال ياسين – فعلاً في احدى محاضراته ، من كون ( السيد ) لا يريد قيام دولة دينية في العراق .

بل يمكننا أنْ نقول – بعد التسامح الذي ابداه بعض أبناء الأديان والطوائف والأيدولوجيات الاخرى تجاه سنّ القوانين الاسلامية بمستوى معين ، وقد رفضت هذه المرجعيات ان تكون بمستوى تسامح هؤلاء امام تلك القوانين – انّ هذه المرجعيات تكرِّس واقعاً ( أتاتوركية دينية ) هجينة وغريبة في عراق الحسين وعلي والانبياء والصحابة والتابعين .

لذلك كان مستغرباً ومثيراً للتساؤل إدِّعاء بعض اقطاب السياسة والفكر في جمهورية ايران الاسلامية ( وجود حكومة إسلامية ) في العراق الان ! . وهذا ما سمعته شخصياً من بعضهم ، في الوقت الذي يعلمون انّ بعض الأحزاب الاسلاموية العريقة يعمل اليوم على إفشاء الفحشاء والخلاعة ، من خلال ظواهر ومهرجانات لعروض الأزياء والتجمعات الشبابية المفتوحة ، كمهرجان ( ألوان ) ، وقد اعتمد في تسيير عمله على كوادر شبابية شديدة العلمانية فعلا . في حين يرفض مطلقاً أيّة مساعٍ لتقنين الرواية الجعفرية ، كتمهيد للدولة العادلة مثلا .

ومع ذلك لم يقدّم ( المرجع الأعلى ) في العراق شيئاً مشابهاً لما قدّمه ( الولي الفقيه ) في ايران . ففي حين تتقدم ايران يومياً ، في جميع المجالات ، الاقتصادية والخدمية والأمنية والمعرفية وغيرها ، نلاحظ انّ العراق يتراجع قروناً ، حتى على المستوى الضيّق للحوزة الدينية ، التي يشرف عليها ويؤثّر فيها مكتب المرجع الأعلى . ومن لطيف هذا الشأن ومؤلمه في ذات الوقت انّ طالب العلم في الحوزات العراقية الكلاسيكية يعاني احد أمرين ، شظف العيش ، او نهب الحقوق الشرعية بطرق ملتوية ، في حين يتمتع طالب العلم في ايران بامتيازات خدمية وتأهيلية خاصة .

لكنّ ابرز ملامح دائرة الحواشي والممثلين لهذه الدائرة ركوبهم كلّ موجة سائرة عن غيرهم ، في تعامل يقوم على ردّ الفعل ، لا الفعل . حيث يتمّ استغلال الفوضى الاقتصادية والقانونية لغرض شراء الشركات الحكومية او عزلها ، وتأسيس شركات جديدة باسم دائرة العتبات ، التي يديرونها بصورة مطلقة ، بعد تجاوزهم المدة القانونية ، التي ينصّ عليها قانون ( الوقف الشيعي ) ، والمحددة بثلاث سنوات ، او بأسمائهم وأسماء حواشي الحواشي . ومن ذلك ما جرى ويجري من بيع الشركات التابعة لقطاعات الصناعة والكهرباء ، وتسليمها لعناوين استثمارية اجنبية كاذبة ووهمية، بابخس الاثمان ، ولا يجري لاحقاً سوى صبغها وتلوينها ، ومن ثمّ الادعاء بإنفاق المليارات عليها ، وحلب العراق لاستعادة مليارات غير واقعية ، وتكون تلك الحواشي جزءاً من هذا الاستثمار دائماً .

لكنّ الملفت كون ما يمارسه المرجع الأعلى عملياً يفوق ما يستطيعه الولي الفقيه في ايران . حيث لا يستطيع ( الولي الفقيه ) التدخل في عمل الحكومة الإيرانية بصورة مباشرة ، لكنّه يضع الأُطر العامة للاستراتيجية السياسية ، في الوقت الذي يقوم مكتب ( المرجع الأعلى ) بعزل الوزراء وإيقاف القوانين المقترحة ، من خلال الهاتف احيانا.

وطيلة الفترة منذ ٢٠٠٣ م حتى اليوم – فضلاً عمّا قبلها – كان مكتب المرجع الأعلى يشيع – تنظيراً – انّ المرجعية تقوم مبانيها الشرعية على عدم التدخل في الشأن السياسي، ثمّ انتقل في تنظيره الى مرحلة اكثر اقتراباً من الساحة السياسية ، حيث قرّر انها لا تتدخل في ( تفاصيل ) العمل السياسي ، رغم إشرافها عليه عموماً تحت مدار الأبوية والرعاية . لذلك لم يكن للمرجعية العليا من حضور في الجانبين السياسي والشعبي ، حتى انهارت الدولة العراقية عملياً ، في كل قطّاعاتها.

وقد يُشكل البعض انّ المرجعية العليا كان لها عدة بيانات تتحدث فيها عن مجريات العملية السياسية ، كما انها تدخلت في مسودة إعداد الدستور من خلال ممثليها . وجوابه : أنّ تلك البيانات تخالف وتناقض مبناها الذي سمعناه من وكلائها طيلة فترة التسعينات ، حين قامت النهضة الصدرية العظيمة ، وهو المبنى الذي تسبب بعرقلة ذلك المشروع الاصلاحي الكبير ، ووفّر الشرعية الظاهرية لدوّامة الصمت والخنوع للظالم ، وكان احد اهم العوامل التي أحبطت المشروع السياسي الصدري ، والذي كان سيحقن دماء ملايين الشيعة التي اهدرت اليوم ، فضلاً عن كرامتهم . امّا التدخل والاشتراك في تأطير بعض الجوانب السياسية – فضلاً عن تناقضه المبنائي السابق – قد كان عامّاً ، لا يشكّل ضمانة واقعية لحماية العملية السياسية ، وحقوق الأغلبية المظلومة في العراق . لذلك لم يكن هذا التدّخل ليصمد بوجه ابسط هجمات المفسدين من السياسيين ، الذين ادّعى اغلبهم انتمائه للمرجعية العليا ، وامام وسائل الاعلام العالمية ، عند مدخل المنزل والمكتب الذي يدير مشروع المرجعية الكبرى ، في تحدّي سافر لما تستطيع هذه المرجعية تقديمه .

 ومع ذلك كلّه أصبحت اليوم المرجعية العليا في مرحلة متقدمة من التناقض التاريخي والمبنائي ، حيث صارت داعية السياسة الإصلاحية الاولى، لكن بعد سقوط ( روما ) ، واضطرار الجماهير – لأول مرة في تاريخ المرجعية الدينية – ان تتظاهر عند مكتب المرجع الأعلى ، وتطالبه بالإصلاح ، حيث باتوا يدركون انّ مكتبه جزء من المنظومة السياسية منذ سقوط الصنم .

ولو انّ هذا المكتب تدّخل في المرحلة الاولى للعملية السياسية الجديدة في العراق لما كان اليوم بحاجة الى المطالبة بإصلاح ما نعلم جميعاً انه اصبح من التعقيد بحيث يصعب الايمان بواقعية اصلاحه ، ولما كان التقسيم الملقي بظلامه على كاهل العراق قد اصبح كابوساً يقترب من التطبيق ، ولما  سالت الدماء بهذا الحجم ، ولما ترمّلت النساء التي لا زالت بلون ورائحة الزهور . فالفساد كان مشروعاً قائماً منذ ذلك التأريخ وقبل اكثر من عشرة سنوات عجاف ، فأين كان المرجع الأعلى ومكتبه حينذاك ؟! .

ومن ذلك الخشية من اعادة تدوير الحدث بما يخدم مصالح طبقة الحواشي وحواشيهم ومن دار في فلكهم ، وهو امر يحقق مصالح السياسيين الذين ثار الشعب ضد فساد اغلبهم ، حيث تشير دلائل الواقع الى انّ الإصلاحات السياسية المزعومة قد عززت من مكانة وقوة احد أشهر وأجلى الشخصيات غير الوطنية ، التي باعت النفط العراقي ، وبالتالي العراق ، من خلال ( جولات التراخيص ) سيئة الصيت ، والتي كان لها اليد الاولى في إلغاء ( النقابات العمالية ) ومظاهر الديمقراطية في وزارتي النفط والكهرباء ، والتي اتهمها رئيس الوزراء السابق بأنها خدعته في مجال الطاقة وجعلته يطلق وعوداً غير واقعية . وليست تلك المكانة لمثل هذه الشخصية السيئة جداً الّا لأسباب عائلية وخاصة تربطها داخل إطار الحوزة الكلاسيكية ، رغم انتماء هذه الشخصية واقعاً للمشروع الغربي بكلّ صوره . وهذا ما يدفع المراقب الى الشكّ في جدية حزمة الإصلاحات التي طرحها ممثلو ( المرجعية العليا ) وجدواها على الارض . وربما لن تكون حزمة الإصلاحات هذه الّا وسيلة تُستخدم بيد خاطئة ، لدفع المخالفين لها من الفاسدين الآخرين خارجاً . فالفساد كان موجوداً منذ اكثر من عشرة سنوات ، وكان بإمكان كل الجهات المنادية به اليوم معالجته قبل استفحاله ، وقبل إنهاك الشخصية العراقية نفسيا .

لكنّ الحال يكشف انّ الأطراف التي تريد الدخول تحت عباءة ( المرجعية العليا ) لحماية نفسها اليوم لم تكن تملك سوى الخطاب الطائفي ، ولم تعمل سابقاً سوى على تعزيز الشرخ المجتمعي ، وزيادة رقعة الخلاف ، والعزف على وتر الاحتراب ، ولم تملك يوماً مشروعاً وطنياً جديا ، فكيف يجوز لنا الاعتقاد بأنها اليوم سائرة في إطار الإصلاح الوطني ! ،. وأنّى ننتظر منهم إصلاح ما أفسدوه بأيديهم ؟! .وهذا ما اقرّ بمضمونه رئيس الوزراء ، في مشروعه المكتوب للإصلاحات ، حيث قال : ” انّ القرارات السابقة كانت خاطئة ” . وهو امر عكسته تقارير اللجان التي شكّلتها المؤسسات الرسمية  للتحقيق في سقوط المدن بيد الارهاب ، حيث اثبتت تلك التحقيقات تورط القيادات السياسية الكبرى في مشروع غريب لإحراق البلد ، والأنكى انها اثبتت ايضاً عدم خضوع ايٍّ منهم للمحاسبة .

وفي مستوى من النظر اخر ، اكثر عمقاً وبعدا ، كان على ( المرجعية العليا ) ومؤسساتها – باعتبار مصطلح العليّة وشأنيته – امتلاك رؤية اكثر انصافاً للواقع العراقي ، تكون منتجة اكثر وأسرع . فالمجتمع العراقي عانى من مشاريع تخريبية وتغريبية وعروبية بدوية عديدة ، نخرت شخصيته ، وشوّهت المفاهيم في ذهنه ، لذلك لم تعد المصاديق واضحة المعالم ، او مقنعة ، وبالتالي لم تعد تلك الشخصية المجتمعية العراقية قادرة على الانتاج المطلوب مؤسساتياً واسلامياً بروح علوية ، دون ان تخضع لإعادة تأهيل مفاهيمي ، وإصلاح البنى التحتية لها . لذلك لم يكن الأمريكان في مشكلة حين وافقوا على النظام الديمقراطي في العراق ، لعلمهم بما تعانيه الشخصية العراقية المعاصرة من أمراض الإنهاك والتعب ، وبالتالي لن يشكّل اختيارها الديمقراطي خطراً ذَا بال على المشاريع الخارجية ، لا سيما عند غياب الاسناد المرجعي القيادي عنها . وقد عزّز الغرب من ظاهرة تشويه المفاهيم وعوامل الإنهاك ، من خلال ضغط إعلامي مؤدلج ، وموجّه ، ومدروس بعناية ، لخلط الأوراق وتعتيم الصورة اكثر امام الذهنية العراقية . فكان لازم ذلك انّ التغيير الشخوصي الذي تبتغيه ( المرجعية العليا ) لن يكون منتجاً ومحرزاً اليوم ، لسببين : الاول : تفشّي وباء التشوّه النفسي والمفاهيمي . وثانيهما : غياب الدور المرجعي المباشر للرقابة والتوجيه .لذلك كان على ( المرجع الأعلى ) تحريك الوسط الثقافي والنخبوي ، لتغيير الثقافة والفكر نحو الوطنية ونبذ الفاسدين ، وفرز الأوراق للناس البسطاء ، ليعرفوا اسماء وشخوص الفاسدين . والّا لن يكون للتغيير من مظهر سوى في العناوين الفاسدة . وكان عليه ايضاً تعزيز ثقة العراقي بنفسه ، لمواجهة الهجمة الثقافية ، التي تعمل على كسر نفسه ، ونشر مرض الاحباط والانعزال او الهجرة او الفوضى . وفيما كان على مكتب المرجعية العليا أخذ كل ذلك في الحسبان ، كانت الطبقات الدينية والسياسية المرتبطة به في الغالب تعمل على استغلال تلك الزعزعة النفسية والاجتماعية لركوب الموجة ، وسرقة الاضواء ، وترميم بيتها هي .

فالشعب العراقي – رغم تلك الظواهر والانتكاسات – لم يخسر علويته واسلامه بعد ، حيث تعهد المتظاهرون بدخول كل الدوائر والمقرات التي يأمر بدخولها المرجع الأعلى ، وهذه فرصة تاريخية لإدخال الاسلام ضمن الإصلاحات . حيث نرى هذه الطاعة المجتمعية للقيادة الدينية ، رغم كل تلك المصائب ، وهو امر لم يتوفر حتى للسيد ( الخميني ) قائد الثورة الاسلامية في ايران ، الذي احتاج لسنين من التربية للمجتمع ، من اجل زرع الطاعة والولاء فيه ، فكيف لا ننبهر لشعب مكسور النفس ، وهو بهذا المستوى من الطاعة والولاء لقيادته الدينية ! ، وهو امر عزّزته جموع ( الحشد الشعبي ) ، لملايين من الذين بذلوا مهجهم طاعة لقيادتهم .

وهنا يجب – شرعاً وعقلاً – على ( المرجع الأعلى ) العمل على نشر رؤية الاسلام وعلومه في الإطار المؤسسي للدولة ، حيث عمل الدين – وحده – على حمايتها ، وتحقيق المظهر الاعتقادي لهذه الجموع المليونية التي بذلت دمها على ارضه ، كما كانت دمائها تسيل عبر تأريخه ، حيث أسست تلك الدماء الدولة العراقية الحديثة ، بعد نزفها في ( ثورة العشرين ) . ومن المخجل ان تكون نتيجة دماء أبناء الاسلام في تلك الثورة ( قانوناً وضعياً ) ، يرفد الطواغيت ، ومن المخجل الّا تكون نتيجتها اليوم إصلاح الفساد الذي يمثّله ( القانون الوضعي ) الدنيوي . ام انّ القوانين الوضعية ليست فساداً ، وعندئذ خسر الطالب والمطلوب في هذه التظاهرات المطالبة بالإصلاح اليوم. (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) ، (( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ  فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) ، (( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ  وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) . ومن هنا فإنّنا اذا لم نحكم او نعمل على الحكم بما انزل الله نكون حينها ( كافرين – ظالمين – فاسقين ) . والمتصفون بهذه الصفات القبيحة سيخضعون في النتيجة لحكم الآيات التالية : (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ )) ، (( إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ  وَذلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ )) ، (( لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ )) ، (( قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  أَرْبَعِينَ سَنَةً  يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ  فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )) ، (( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ  وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )) .

و ( المرجعية العليا ) لاشكّ انها تعلم هذه المعاني القرآنية والشرعية ، وتدرك انّ العامل بغير حكم الله فرط ، لا ينظر الله اليه ولا ينصره ، وهو يسير على غير هدى ، لذلك وجب عليها استنقاذ الناس ، وإخراجهم من الظلمات الوضعية الدنيوية ، الى النور الشرعي الالهي .

 ولا عذر لها ولهم اليوم ، في دعوى الخشية من ان يتخطّفهم الناس ، او انفراط عقد الدولة – وهو منفرط واقعاً قبل ذلك – مع وجود ( الحشد الشعبي ) المؤمن ، الذي يحمي الدولة من عدوها الخارجي. فهل يجد ( المرجع الأعلى ) ظرفا لنصرة الاسلام اعظم من هذا .

وهذا الانذار القراني وصورته ، بشرطه ومشروطه ، هو ما دفع المراجع المؤمنين بولاية الفقيه في العراق على مدار السنين والعقود السابقة ، كالشهيد الصدر الثاني ، لإقامة الجمعة ، وإصلاح المجتمع ، وإنشاء القضاء الحوزوي ، ثمّ صلاة الجمعة الموحدة مع اخوانهم من أبناء المذاهب السنية ، وتحركه على غير المسلمين ، وخطابه للغجر . فهو يدرك واقع مسؤوليته الشرعية ، والتكليف الالهي للناس ، ومستوى خطورة المشروع التخريبي ، والشرخ المجتمعي الذي زرعته بريطانيا واعوانها من أعراب البدو .

ومن تلك الوظائف التي تلزم ( المرجع الأعلى ) بمؤسساته ، التي يُفترض انه أنشأها بدءاً ، مواجهة ظاهرة ( الإلحاد ) ، من خلال مشروع ( علمي أكاديمي – ديني ) ، يجمع بين ( الجامعة ) و ( الحوزة ) ، للحد منها ، بطريقة منهجية . فهذه الظاهرة رغم كونها ركيكة ومرتبكة في أصل طرحها ، لكنّها تجتذب مجاميع من الناس المسلمين ، عبر استغلال منظّريها لسوء الأداء الذي تعكسه السلطة المزعومة للأحزاب الاسلاموية ، في واحدة من أخبث مظاهر الخداع السياسي الغربي في بلاد المسلمين. وكذلك من خلال إيهام الشباب – البسيط والمغرور – بوجود تقاطع بين العلم والدين . وقد حاولت بعض مؤسسات التخريب الفكري استبدال الفلسفة العقلية لأولئك الشباب – المهزومين مسبقاً لما تعانيه بلدانهم – بمجموعة من صور الانبهار بالتقنية للحضارة المادية ، ونشرها لخدعة انّ هذه الحضارة قامت على أساس الإلحاد ، وذلك كله باطل . وقد بدأت مجاميع من هذه العناصر تأثيرها في مجتمعاتها سلباً ، حيث انها لم تعمل على بناء أوطانها حضارياً ، حتى في الجانب المادي ، بل ذهبت لمهاجمة المنظومة الفكرية والاجتماعية والدينية فقط ، في الوقت الذي استرخت لمتع المادية وزخارفها وحسب . وقد وجدت هذه الظاهرة في المنظومات السياسية الاسلاموية المنافقة سقفاً وظلّاً مناسباً لبدء تحركها وانتشارها ، ورفع صوتها ، بينما تمنع هذه المنظومة الاسلاموية ذاتها كلّ مظاهر العمل الاسلامي العملي ! . وأخيراً صار لهذه العناصر دور محوري في مؤسسات الدولة العراقية ، دون إظهار عنوان اعتقادها الحقيقي ، لا سيما في المجال الثقافي والاعلامي ، الذين يؤثران في الشخصية المجتمعية العامة ، ولا من ملاحظ لهذا الأصل التخريبي .

انّ ما اقصده من تأسيس مشروع جامع لمواجهة ظاهرة الإلحاد هو اعادة تأهيل المنظومة العقلية ، وبالتالي العملية ، للمنبر الاسلامي ، بحيث يمكنه الخروج من دائرة الأوراق الحجرية الصفراء . فمثلاً عند قراءة الآية الكريمة ( وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) من قبل المسلم العادي – رجل دين او غيره – سيكون مفهوم السماء المتبادر الى ذهنه يشير الى السمو , وبالتالي لن يتعدى المعنى ( الله ) الرازق , وحينها يسير القارئ ويستمر في القراءة دون ناتج عملي مادي , والمعنى لا بأس به , لكن ماذا لو قرأ هذه الآية عالم اكاديمي غربي ؟ , هو حينئذ سيتساءل عن حقيقة تلك السماء , وعن حقيقة ذلك الرزق ( الكلي ) , وعن ماهية ذلك ( النطق ) المقارن به , ويستمر في البحث والمناقشة والتجربة حتى يصل الى حقائق كونية , تكون اكثر نفعا للمجتمع البشري .

ان الاليات الدعوية والتربوية الدينية لازالت تعاني الكلاسيكية , ومحاولات تطويرها وعصرنتها يتم قمعها من قبل منظومة حاكمة دينيا وسياسيا بقوة المال والنفوذ , لا تستطيع مسايرة المنجز الحضاري , فتعمل على دفعه بعيدا .

كذلك ( الجامعات العربية ) هي انعكاس للشخصية الإدارية والعلمية فيها ، والتي تكون في الغالب متقمصة لثوب التغريب ، وذائبة – انبهارا – في النموذج الغربي ، او انها انهزامية امام المؤسسات الدولية ، لذلك هي تدريجيا ذابت في التوصيف الغربي للنظريات العلمية ، بما يحمل من إشكالات مبدئية ، فكانت عاملا آخراً في انتشار الإلحاد ، مع تحملها مسؤولية مضاعفة في ذلك ، لأنها تسببت في خسارتين ، إحداهما الدور الذي كانت ملزمة بأدائه للأمة في تنويرها ، والثانية انها أصبحت باباً لعبور الأفكار الإلحادية او المساعدة عليه . لذلك وجب على مرجع الأمة الأخذ بيد تلك الجامعات نحو مشروع نبوي .

ان الأسلوب التشكيكي هو الأكثر استخداما من قبل الملحد العربي في عمله ، والذي يقوم على أساس الطعن في معتقدات المجتمع العربي ، دون إيضاح البديل ، ومن خلال استخدام عناوين تجتذب المتابع العربي ، كالتي تتعلق بالعلم او الحقوق العامة ، لهذا كان من اللازم جعل هذا التشكيك قطرة تندفع بتيار العلم والدين ، الأصيل القادم من منبع ال محمد عليهم السلام . وربما نجد هذه المهمة ناجحة الى حد ما في المؤسسات الدينية والاكاديمية في الجمهورية الاسلامية الإيرانية ، لكنّها لم ولن تحقق الغاية والوظيفة اذا لم ترتبط بالمؤسسة العلمية النجفية ، لأسباب ذاتية وموضوعية .

انّ العذر الابرز لضعف المؤسسة الدينية العليا ومن دار في فلكها من المنظومات السياسية والثقافية الاسلامية – لعدم سعيهم في نشر النظم الاسلامية المحمدية – هو ( مراعاة وجود الاخر ) . وليس ذلك في الحقيقة سوى الخشية من المنظومة العلمانية العراقية ، وكذلك من الدول الكبرى ، المؤثرة في المشهد العراقي ، كما انّه عجز في أساس المشروع القيادي للمرجعية العليا المتصدية ، من حيث توفير البديل البنائي النافع ، حيث لم تصنع داخل كيانها ما يمكنه قيادة البلاد نحو التقدم والرفاه . فيما انّ الخشية من العلمانيين والقيادات الغربية هي من زاوية ادقّ اتخاذ لأولياء من دون الله . وهنا يجب على مؤسسات ( المرجع الأعلى ) والمنظومة العاملة تحت نظره تذكّر انّ الله خير وابقى ، (( هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا )) ، (( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ  إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ )) ، (( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ  وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ  إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ )) .

 

فيما لم تقم المرجعية العليا بالدور النبوي ، الذي غفلته في إطار الضبابية الدينية القائمة . حيث لم تفتح الافاق مع شعوب العالم ، لنشر المشروع العلوي ، في الوقت الذي سَخَّر الله لها كل شيء ، ضمن فرصة تاريخية ، من الاحترام الرسمي والشعبي والعالمي لها ، وفي ظلّ هذه الهالة من القداسة والخضوع الممنوحة لها . وذلك تحقيقاً للأساس القرآني من وجودها : (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )) ، (( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا )) . كما هو اداء لتكليف ( قُلْ ) الوارد : (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ )) ، فضلاً عن الدور الواجب ازاء أهل الملّة الاسلامية . وهذه المعاني لا تعيها مؤسسات المرجعية الكلاسيكية المتصدية ، فضلاً عن جماهيرها البعيدة عن روح العصور الاولى . لكنّها كانت رسالة من آمن بولاية الفقيه ، والمراجع الإصلاحيين عموماً ، الذين تصدّوا للمشاريع الفكرية عالمياً ، كالشهيد ( محمد باقر الصدر ) ، والشهيد ( محمد الصدر ) ، والسيد ( الخميني ) ، وهي اليوم ايضاً من مهام المؤسسات العلمية والفكرية في الجمهورية الاسلامية .

لقد قامت بعض المؤسسات الغامضة بنشر إلكتروني على الشبكة العالمية مضمونه : ( انّ السيد السيستاني قرأ اكثر من ١٠٠ كتاب عن الشيوعية ، خلال ٦٠ عاماً ، في إطار معرفتها ، لمواجهتها لاحقاً … ) ، فأجبته حينها : ( لكنّه لم يصدر كتاباً واحداً للردّ عليها بعد تلك الستين عاماً وذلك الجهد … ) . والمعنى انّ العِبرة بالإنتاج فقط ، وبالتالي بالمشروع .

 

وينسحب هذا الخلل في المشروع على قضية مواجهة ( الاٍرهاب ) . حيث رأينا ممثلي المرجع الأعلى في ساعة ( القتل ) ، والامر بالمواجهة العسكرية . لكنّهم لم يكونوا ظاهرين في مشروع فكري يجفّف منابع الاٍرهاب . فقتل الأفراد لا يعني أبداً إنهاء فكرهم المتطرف ، بل ربما زيادة انتشاره ، كردّ فعل انتقامي من حواضنهم في الكثير من الأحيان . لكنّ الفكر يواجه بالفكر ، ويكون الكي اخر الدواء . وقد اثبتت المرجعية العليا – في عدم فتحها قنوات معالجة للعقل الإرهابي واكتفائها بقتل من يظهر منهم – انها على خلاف المنهج العلوي ، والذي يقوم على المبدأ القرآني : (( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ))، (( إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ  وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ  وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ  وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )) . حيث الله الخالق لا يرضى لعباده الكفر ، ويريد منهم الشكر ، ولذلك خلقهم ، وأرسل اليهم الأنبياء والرسل ، ومهمة المرجعية هي تلك قبل اللجوء لحلّ السلاح . ولا تكفي بعض المؤتمرات القائمة على أسس خاطئة في ادعاء وجود هكذا مشروع هداية وإصلاح ، رغم سذاجة عقول هؤلاء الإرهابيين وبساطة مناهجهم ، الّا انها كانت أسرع من حركة مشاريع المرجعية العليا .

وحتى حين تقوم مؤسسات المرجعية بمهامها ، في نشر الوعي وتطوير الثقافة الصحيحة – على فرض ذلك وهماً – فليس ذلك كافياً في تمام عملية الإصلاح والهداية ، اذا لم يكن تحت نظر وتوجيه مباشر للقيادة الربانية . وهذا ما يشير اليه النص القرآني ايضا ، كما في سورة ( الجاثية ) ، حيث اختلاف ( بني اسرائيل ) بعدما جاءهم العلم ، وليس في حال كونهم جهّال : (( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ  فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )) .

وهي السورة التي تبيّن لنا الدور الالهي المرسوم للقادة الدينيين ، من حيث التزامهم شرع الله ، لا ان يكونوا خاضعين لرغبات الناس ونزعاتهم النفسية : (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ )) . ولو لم يكن البحث الّا نقلاً لهاتين الآيتين لكان كافياً في الحجة وفي إيضاح دور الفقيه المرجع ، الذي عليه القيام بالشرع وايصال الناس الى مستواه ، لا أنْ ينزل بالشرع الى مستوى الناس ، كما عبّر الشهيد ( الصدر الثاني ) قدس سرَّه . فلا عذر إذاً بالظرف والنَّاس ، حيث انّ خَلْقَ الله ودينَهم – كما دنياهم – في انتهاك مستمر من قبل شياطين الانس والجن .

والقول بغير ذلك ، ومن ثمّ العمل على أساس القول والعذر الموهوم لن يكونا منجاة لأحد ، لا في الدين ولا في الدنيا . حيث يقول الله تعالى : (( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ  سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )) . فتكون نتائج كل تأجيل وتسويف لأمر وارادة الله مزيداً من الضياع ، لأنّ المجتمع يزداد بعداً عن الحقّ تعالى . وليس ذلك وزر ( المرجع الأعلى ) وحده ، بل هو وزر اجتماعي ، يتحمّله وجوه الناس ونخبتهم . وهذا الاهمال والتسويف مدعاة لانتشار مظاهر الفساد والإفساد ، والتي تكون نتيجتها الحتمية : (( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )) . وهنا نرى بوضوح انّ المجتمع – بقيادته ووجوهه – سوف يخسر الدارين ، لا انه يخسر احداهما فقط .

وتكون المرجعية حينها قد ضيَّعت الغاية من الخلق ، (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )) ، بعد أنْ تكون قد ادخلت المجتمع في دائرة (( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )) ، حيث كسبت النفوس إثما .

ولفرز الأوراق السياسية والإصلاحية الإدارية امام الجمهور نحتاج أنْ نضرب مثالاً لواقع مشابه للواقع العراقي نوعاً ما ، كما في الجمهورية الاسلامية الإيرانية حين قامت الثورة بعد عام ١٩٧٩ م ، وكانت الدوائر الرسمية والمؤسسات الأمنية تعاني ما يعانيه ذات المجتمع الإيراني من اختلاف في الرؤى والمواقف ، وفي العقيدة التغييرية ، وفي الرغبات والتوجهات ، وكان من المفترض ان تتناقض وتتصارع هذه الرؤى ، ويحدث في ايران ما يعانيه العراق اليوم من فوضى ، لكنّ القيادة الدينية العليا في ايران – المتمثّلة بالسيد الخميني ومجموعة من المجتهدين العاملين في إطار الولاية الفقهية – ادركوا حلّاً واحداً لهذه المعضلة ، التي تعانيها مجمل المجتمعات الانسانية ، وهذا الحلّ تمثّل في مرجعية ورمزية الولي الفقيه ، وإشرافه المباشر ، كضامن أساس لعملية التغيير وانسيابها .

وفي حلقة ذات صلة وطيدة بهذه الضمانة كان موقف السيد ( احمد الخميني ) ، بعد رحيل والده القائد ، حيث سلّم جميع ما تركه السيد الخميني للقائد الجديد ، ولم يضع رجلاً في العمل السياسي او القيادي ، تحت ايّ عنوان وراثي يرفضه الشرع المحمدي ، بخلاف ( العوائل الأميرية ) التي تُنشأ اليوم تجمعات بشرية ومناطق نفوذ خاصة ، تشقّ الصفّ ، وتستلب المركزية ، باسم الوراثة النسبية للمرجعية الدينية ، او انها تحاول أنْ تكون مرجعاً في الظلّ بوجود المرجع الحي . لذلك كان السيد ( احمد الخميني ) العامل الأهم في انتصار الثورة الاسلامية في ايران .

من جانب اخر تطرح المرجعية العليا – بمؤسساتها – ان الدستور والقانون وفّرا فرصاً وأبوابًا للمطالبة بالحقوق ، ما يمنح المواطن العراقي فرصة للتعبير عن الرأي ، ويمنعان من الانتفاض . لكنّ الواقع على الارض غير ذلك ، بوجود الدكتاتورية الإدارية والحزبية ، وعدم إشراف لجان من المرجعية ، وغياب الرقابة الاجتماعية ، بعد توّلي الشخصية الملوّثة المناصب الإدارية ، وتفشّي الانهزامية والانكسار داخل القاعدة الاجتماعية ، الامر الذي يستدعي مشروعاً آخراً يعيد تأهيل الطرفين ، قبل الايمان بجدوى هذه القوانين الورقية ، وقبل الوصول الى مرحلة الصراع الدموي .

ولمعرفة مدى التلوث النفسي للكيانات الرسمية يمكننا تناول شخصية جامعة لعدة منابع يُفترض أنْ تصوغها بنحو جيد وتجعلها منتجة نافعة ، لكنّها في الحقيقة كانت من أسوأ الشخصيات السياسية والإدارية عملياً ، هي شخصية ( حسين الشهرستاني ) . حيث انه ابنٌ للمؤسسة الدينية والمرجعية ، وقد جعله ( المرجع الأعلى ) رئيساً للجنة التي انشأت ( الائتلاف الوطني ) ، كما انه متخصص أكاديمي ذو شهادة مرموقة ، وهو ايضاً من الذين عاشوا فترة طويلة في الغرب واطّلعوا على معالمه الحضارية . لكنّ الغريب والملفت انّ ( الشهرستاني ) نفسه هو من ألغى جميع ( النقابات ) الديمقراطية والحامية لحقوق المنتسبين لوزارات النفط والكهرباء ، والقى القبض على مجموعة من قياداتها واتهمهم بالإرهاب ، وصادر ممتلكات تلك النقابات ، كما انه دخل في عداء سافر مع المنطقة الجنوبية العراقية التي تُعتبر من ركائز التشيّع، وهي ايضاً أغنى وأفقر مناطق العالم . امّا ( جولات التراخيص ) فكانت بيع مباشر للثروة العراقية ، وبالمجّان ، واحتلال استعماري ناعم ، تمّ بدعوة خاصة من قبل هذه الشخصية . فيما ظلّ ( قانون النفط ) – الذي كتبته لجنة فيها الشهرستاني ممثلاً عن الشيعة – محلّ انتقاد الأوساط النخبوية والمتخصصة فنياً .

كلّ ذلك يسير بِنَا نحو جهة اجرائية وحيدة ، تتمثّل في أنْ تتبنّى ( المرجعية العليا ) مشروعاً ، يقوم على الفعل ، لا ردّة الفعل ، ويقوم على أسس استراتيجية قويمة ، لا أنْ يكون آنياً مبتورا .

انّ ما اكدته ( المرجعية العليا ) في جوابها لممثل وكالة الصحافة الفرنسية ( وليام دنلوب ) بتاريخ ٢٠ / ٨ / ٢٠١٥ م يطرح عدة إشكالات ، كانت ملزمة ولا زالت بمعالجتها ، حيث قالت في الفقرتين الرابعة والخامسة : (( من المؤكد أنّه لولا استشراء الفساد في مختلف مؤسسات الدولة ولاسيّما المؤسسة الأمنية، ولولا سوء استخدام السلطة ممن كان بيدهم الأمر لما تمكّن تنظيم داعش الارهابي من السيطرة على قسم ٍكبير ٍمن الأراضي العراقية، ولما كانت هناك حاجة الى دعوة المرجعية العليا للعراقيين الى الالتحاق بالقوّات المسلّحة للدفاع عن الأرض والعِرض والمقدّسات . واليوم إذا لم يتحقق الاصلاح الحقيقي من خلال مكافحة الفساد بلا هوادة وتحقيق العدالة الاجتماعية على مختلف الاصعدة فإن من المتوقع أن تسوء الاوضاع ازيد من ذي قبل، وربما تنجرّ الى ما لا يتمناه أي عراقي محبّ لوطنه من التقسيم ونحوه لا سمح الله . وهنا تكمن الأهميّة القصوى للدعوة إلى الاسراع في الاصلاح التي أكّدت عليها المرجعية الدينية العليا . . . إنّ السياسيين الذين حكموا البلاد خلال السنوات الماضية يتحمّلون معظم المسؤولية عمّا آلت إليه الامور، فإنّ كثيراً منهم لم يراعوا المصالح العامّة للشعب العراقي بل اهتموا بمصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية والعرقية، فتقاسموا المواقع والمناصب الحكومية وفقاً لذلك لا على أساس الكفاءة والنزاهة والعدالة، ومارسوا الفساد المالي وسمحوا باستشرائه في المؤسسات الحكومية على نطاق واسع، فأدّى ذلك كله ـ بالإضافة الى غياب الخطط الصحيحة لإدارة البلد واسباب أخرى ـ إلى ما نشاهده اليوم من سوء الاوضاع الاقتصادية وتردّي الخدمات العامة.  )) .

فهي حين علمت من الحكومة – وأحزابها – كل هذا الفساد ، واستشرفت خطورة الواقع المستقبلي لأرض الاسلام في العراق ، كان عليها إنقاذ الناس ، وإزاحة الفاسدين ، وفضحهم ، وقطع الطريق عليهم ، قبل أنْ يصل البلد الى حالة الانهيار الراهنة .

لكنّها تركت الحبل على الغارب ، واكتفت بإشارات خجولة ، لا تتناسب والتاريخ الثوري لهذا الشعب ، ولا تصلح أنْ تحمي مشروع التمهيد الذي يتبناه أبناء العراق بانتظار دولة العدل الالهي .

كما انّ ذلك يستدعي من المرجعية أمراً وموقفاً مطابقاً لموقف وأمر أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام في قوله : (( فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام ، يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فخشيت إِنْ لم انصر الاسلام واهله أنْ ارى فيه ثلماً او هدماً تكون المصيبة عليّ اعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع ايام قلائل ، يزول منها ما كان ، كما يزول السراب او كما ينقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتى زال الباطل وزهق ، واطمأن الدين وتنهنه )) … (( اني والله لو لقيتهم واحداً ، وهم طلاع الارض ، ما باليت ولا استوحشت ، وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربي ، وإني الى لقاء الله لمشتاق وحسن ثوابه لمنتظر راج ، ولكنني آسى أنْ يلي امر هذه الأمة سفهاؤها وفجّارها ، فيتخذوا مال الله دُولاً وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً ، فإنّ منهم الذي قد شرب فيكم الحرام ، وجُلد حدّاً في الاسلام ، وانّ منهم مَنْ لم يُسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخ ، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم ، وجمعكم وتحريضكم ، ولتركتكم إِذْ ابيتم وونيتم )) .

وهذا ما تقتضيه روحية الفقرة الاولى من جواب المرجعية العليا السابق ذاته حين قالت : (( إنّ المرجعية الدينية العليا طالما دعت إلى مكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات الحكومية وتحسين الخدمات العامّة ، وحذّرت أكثر من مرّة من عواقب التسويف في ذلك، ومنها في بيان صدر من مكتبها في شباط عام ٢٠١١ م ورد فيه ( إنّ المرجعية الدينية التي طالما أكّدت على المسؤولين ضرورة العمل على تحقيق مطالب الشعب المشروعة تحذّر من مغبّة الاستمرار على النهج الحالي في إدارة الدولة ومما يمكن أن ينجم عن عدم الاسراع في وضع حلول جذرية لمشاكل المواطنين التي صبروا عليها طويلاً )) .

ومن نافلة القول تذكير المرجعية العليا ومؤسساتها ومن دار في فلكها من الأحزاب – الاسلامية التنظير – بسنة ( الاستبدال ) الإلهية . حيث تسير المرجعيات الدينية العاملة الصالحة في طريق الشهادة ، إِذْ انّ ( لها مقامات لا تنالها الّا بها ) ختماً ، فيما تسير المرجعيات الدينية الغافلة عن الحركة المحمدية الإصلاحية في طريق الاستبدال ، بقوم آخرين ، (( إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا  وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) ، (( هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ  وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ  وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ  وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم )) ، وذلك امرٌ قريب .

وربما سيلي امر الناس اخرون ، هم أشدّ نَفِيرًا ، وسيخضعون لذات الاختبارات الدنيوية التي خضع لها غيرهم ، وسيكونون مسؤولية جديدة في عنق المرجعية العليا المتصدية بهذا العنوان . وسيكونون جميعاً في دائرة الامر الالهي (( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ  وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ )) ، فَإِنْ أجابوا أجابهم الله بالنصر ، وَإِنْ كانوا كغيرهم لم يعبأ الله لهم ، (( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ )) . وإذا كان هذا هو حال أهل الذنوب ، فحال الجيل الجديد من الملحدين الجاحدين – ومن طرب لهم من النفعيين الشهوانيين تحت مسمّى عزل الدين عن الدولة ، بل وعن البيت – قول الله وسنته (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )) .

ورغم البلاء الشديد الذي احاط بأمّة الاسلام في العراق ، منذ عقود وعقود ، بما افقرهم واصحر ارضهم ، واذهب لباب العقول ، وجعل الألوان تتداخل حتى لا تَمَايزَ بينها ، الّا انّ الناس – ومن خلال القراءتين العامة والخاصة للمشهد – اثبتت انها لا زالت على طاعة المرجعية الدينية ، حيث حضرت الانتخابات ، وتوجّهت بتوجّه المرجعية ، وصبرت على البلاء الجديد ممسكة اليد عن الانتقام عملاً بتوصيات المرجعية ، واحتشدت بالملايين حين امرت المرجعية الناس بالدفاع . لهذا وجب على ( المرجعية العليا ) الإيفاء بما عليها من هذا العقد الاجتماعي حين قادت الناس باسم الاسلام وشرعة ال محمد عليهم السلام . وذلك على الإيفاء على ثلاثة مسالك :

١ – حماية الجماهير وتوفير حقوقها ، من خلال مراقبة ومحاسبة مَنْ يدّعي وصلاً بليلى من السياسيين ، فضلاً عن غيرهم من الذين يجعلون أنفسهم خصماً لجماهير المرجعية . لأنّ الناس لا تقدر على ذلك الامر بمجموعها ، الّا بوجود جهة قيادية متخصصة ومنصفة .

٢ – العمل على اعادة العقل المجتمعي الذي شوّهته عقود الغربة الثقافية والدكتاتورية المقيتة والانعزال القيادي السيء ، الى نصاب المعرفة والتمييز والنضوج ، من خلال حملة ومنهجية تتبناها ( المرجعية العليا ) ، تعتمد الاليات العلمية للمعالجة والتأهيل ، كالعلوم الدينية والنفسية والاجتماعية . فهذا ( موسى بن جعفر الكاظم ) عليه السلام يخاطب ( هشام بن الحكم ) – كما في كتاب الكافي – قائلاً : (( يا هشام ، انّ الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه ، فقال ( فبشّرْ عبادِ * الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحْسَنَهُ أولئك الذين هداهم اللهُ وأولئك هم أُولوا الالباب ) . يا هشام ، انّ الله تبارك وتعالى اكمل للناس الحجج بالعقول ، ونصر النبيين بالبيان ، ودلّهم على ربوبيته بالأدلة . يا هشام ، انّ العقلَ مع العلم . فقال : ( وتلك الأمثالُ نضربها لِلنَّاسِ وما يعقلها الّا العالمون ) . يا هشام ، انّ لقمان قال لابنه : تواضع للحقِّ تكنْ اعقلَ الناس ، وانّ الكَيّسَ لدى الحقِّ يسير . يا بُنيَّ انّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الايمان ، وشراعها التوكل ، وقيّمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكّانها الصبر . يا هشام ، ما بعث الله أنبياءه ورسله الى عباده الّا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأكملهم عقلاً ارفعهم درجة في الدنيا والاخرة . يا هشام ، انّ لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة . فَأَمَّا الظاهرة فالرسل والانبياء والأئمة ، وَأَمَّا الباطنة فالعقول . يا هشام ، الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند الله ، وكان الله انسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومُعزّه من غير عشيرة . يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما عُبد الله بشيء أفضل من العقل ، وما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتّى : الكفر والشرّ منه مأمونان ، والرشد والخير منه مأمولان ، وفضلُ مالِهِ مبذول ، وفضلُ قولِهِ مكفوف ، نصيبه من الدنيا القوت ، لا يشبع من العلم دهرَه ، الذلّ أحبّ اليه مع الله من العزّ مع غيره ، والتواضع أحبّ اليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيراً منه ، وأنّه شرّهم في نفسه وهو تمام الامر . يا هشام ، لا دينَ لمن لا مُروّة له ، ولا مُروّة لمن لا عقل له . )) .

٣ – السعي في تمثيل عقائد الناس وما ضحّوا لاجله بدمائهم من فكر محمدي علوي من خلال قوانين الدولة ومؤسساتها ، لا أنْ تبقى دمائهم سائلة في الوقت الذي تسيل سوائل المنكر بيد غيرهم من أهل الدنيا ، او أنْ يحتكموا الى قوانين الجبت والطاغوت ، وهم بذلوا مهجهم في ازاحة تلك الوجوه الطاغية .

 

 

 

…….

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.