لماذا ذكرى يوم الغدير مهمة

Ghadir Khumm Day

 

لماذا ذكرى يوم الغدير مهمة

 

نعى النبي (محمد) – صلى الله عليه وآله – إلى المسلمين نفسه في حجة الوداع قطعاً للحجة[1], واستباقاً لمسرحية الانقلابيين بأن رسول الله لم يمت , ثم مجيء أحدهم لاستنقاذ المسلمين من حيرة الضلالة في امر موت النبي كما يزعمون , رغم أنهم من صنعوا هذه الفتنة . ثم بيّن لهم عند غدير (خم) ان الكتاب والعترة حبل الله الذي به عصمة هذه الامة , ثم ابان ان سيد العترة (علي بن ابي طالب) مولى المؤمنين[2] .

( … فَلَمَّا انْقَضَتْ اَيّامُهُ – رسول الله – اَقامَ وَلِيَّهُ عليَّ بن ابي طالب .. هادِياً, اِذْ كانَ هُوَ الْمُنْذِرَ وَلِكُلِّ قَوْم هاد[3], فَقالَ وَالْمَلأُ اَمامَهُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ اَللّـهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وَعادِ مَنْ عاداهُ[4] وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ[5], وَقالَ: مَنْ كُنْتُ اَنَا نَبِيَّهُ فَعَلِيٌّ اَميرُهُ[6], وَقالَ اَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ شَجَرَة واحِدَة وَسائِرُ النَّاسِ مِنْ شَجَر شَتّى[7], وَاَحَلَّهُ مَحَلَّ هارُونَ مِنْ مُوسى, فَقال لَهُ اَنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى الّا اَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدي[8], وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ سَيِّدَةَ نِساءِ الْعالَمينَ, وَاَحَلَّ لَهُ مِنْ مَسْجِدِهِ ما حَلَّ لَهُ, وَسَدَّ الابواب اِلاّ بابَهُ[9], ثُمَّ اَوْدَعَهُ عِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ فَقالَ: اَنـَا مَدينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِىٌّ بابُها, فَمَنْ اَرادَ الْمَدينَةَ وَالْحِكْمَةَ فَلْيَاْتِها مِنْ بابِها[10], ثُمَّ قالَ: اَنْتَ اَخي وَوَصِيّي [11]وَوارِثي, لَحْمُكَ مِنْ لَحْمي وَدَمُكَ مِنْ دَمي وَسِلْمُكَ سِلْمي وَحَرْبُكَ حَرْبي وَالإيمانُ مُخالِطٌ لَحْمَكَ وَدَمَكَ كَما خالَطَ لَحْمي وَدَمي[12], وَاَنْتَ غَداً عَلَى الْحَوْضِ خَليفَتي وَاَنْتَ تَقْضي دَيْني وَتُنْجِزُ عِداتي وَشيعَتُكَ عَلى مَنابِرَ مِنْ نُور مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ حَوْلي فِي الْجَنَّةِ وَهُمْ جيراني, وَلَوْلا اَنْتَ يا عَلِيُّ لَمْ يُعْرَفِ الْمُؤْمِنُونَ بَعْدي, وَكانَ بَعْدَهُ هُدىً مِنَ الضَّلالِ وَنُوراً مِنَ الْعَمى, وَحَبْلَ اللهِ الْمَتينَ وَصِراطَهُ الْمُسْتَقيمَ, لا يُسْبَقُ بِقَرابَةٍ في رَحِمٍ وَلا بِسابِقَةٍ في دينٍ, وَلا يُلْحَقُ في مَنْقَبَةٍ مِنْ مَناقِبِهِ, يَحْذُو حَذْوَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما, وَيُقاتِلُ عَلَى التَّأويلِ وَلا تَأخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ, قَدْ وَتَرَ فيهِ صَناديدَ الْعَرَبِ وَقَتَلَ اَبْطالَهُمْ وَناوَشَ (ناهش) ذُؤْبانَهُمْ, فَاَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ اَحْقاداً بَدْرِيَّةً وَخَيْبَرِيَّةً وَحُنَيْنِيَّةً وَغَيْرَهُنَّ, فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ وَاَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ, حَتّى قَتَلَ النّاكِثينَ وَالْقاسِطينَ وَالْمارِقينَ, وَلَمّا قَضى نَحْبَهُ وَقَتَلَهُ اَشْقَى الاْخِرينَ يَتْبَعُ اَشْقَى الاولين, لَمْ يُمْتَثَلْ اَمْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِي الْهادينَ بَعْدَ الْهادينَ, والامة مُصِرَّةٌ عَلى مَقْتِهِ مُجْتَمِعَةٌ عَلى قَطيعَةِ رَحِمِهِ وَاِقْصاءِ وُلْدِهِ اِلّا الْقَليلَ مِمَّنْ وَفى لِرِعايَةِ الْحَقِّ فيهِمْ, فَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ, وَسُبِيَ مَنْ سُبِيَ وَاُقْصِيَ مَنْ اُقْصِيَ وَجَرَى الْقَضاءُ لَهُمْ بِما يُرْجى لَهُ حُسْنُ الْمَثُوبَةِ)[13].

وعلى الأرجح ان النبوءة التوراتية للنبي إبراهيم في تحقق بركة إسماعيل ( وأما إسماعيل فقد سمعتُ لك فيه , ها أنا أباركه واكثّره كثيراً جدا , اثني عشر رئيساً يلد , واجعله أمة كبيرة )[14] لم تتم الا من خلال العقيدة الإمامية في علي بن أبي طالب وبنيه , ولا يوجد لها بعد ذلك تفسيراً اسلامياً أو مسيحياً مناسباً أو منطقيا . ولهذا السبب قام اليهود المعاندون بتحريف الكثير من نصوص البشارة بالنبي (محمد) وأهل بيته التي احتج بها القرآن الكريم عليهم في زمان نزوله حسداً منهم للنبي وحزناً لعدم كونه منهم . لكنها لو لم تكن ثابتة حينها ما كان يصح الاحتجاج بها في حينه . ولهذا أسلم الكثير من العلماء اليهود وتشيّعوا لانطلاق البشارة لإسماعيل في ذرية من اثني عشر مباركاً على عدد أئمة أهل البيت النبوي الوارد في حديث (جابر بن سمرة) , رغم محاولة (ابن تيمية) الناصبي جعل الائمة اولئك مفرقين في الزمان والمكان حسداً منه هو لأهل بيت النبي , بلا منطق عقلي أو نقلي , وبلا مراعاة لتسبب هذه الروح الطائفية منه في إبعاد الناس عن الإسلام ذاته[15].

لكنّ هذه الأحقاد البدرية والحنينية والخيبرية كانت فاصلاً في خيارات الناس , وكانت مفصلاً في تاريخ الحضارات , اذ انقسمت الأمة , رغم وضوح النص في ولاية علي , الى فرقتين كبيرتين , احداهما الى جانبه , والاُخرى ضده , وهي أوسع .

كان من الضروري ألا يكون مفهوم ( الإمامة ) واضحاً جلياً إلى درجة تشخيص ( الإمام ) بدقة في الفترة الأولى من صدر الإسلام ، لأنه كان سيكون كفيلاً بتوجه السلطات الظالمة لقتل ( الإمام المعصوم ) رأساً. لكن كان يكفي أن يكون الإمام واضحاً للباحث عنه. ولهذا لم يعمد الأمويون لقتل الإمام (زين العابدين علي بن الحسين) بجدية.

اما  كون الضد أوسع , فلسبب موضوعي , ناشئ عن عدم استيعاب الجماعة القريبة لعاصمة الرسالة لمفهوم الإمامة , وبالتالي فهي كانت تنظر ل(علي بن ابي طالب) على انه شخصية فاضلة دينيا , لكنها ليست مقدسة . وبالتالي يسع النفوس المتأججة عاطفياً ضده ان تتجاوزه لغيره . ولزهد علي الشديد تجاه المال[16] , فيما غيره اجتذب الناس بالمال . حتى قال (علي بن الحسين بن علي) ما مضمونه (ان علياً كان يقاتله معاوية بذهبه) , بعد ان فرّق (بنو أمية) المال في اجتذاب الدهاة من الناس وشراء الذمم[17] .

كما لعبت جماعات الضغط داخل المدينة المنورة ومكة دوراً هاماً في إزاحته عن مقعده , من خلال استغلال مجموعات قبلية بدوية خارج المدينة , ومجموعات “مسلمة الفتح” , الذين لا زالوا على كفرهم الباطني , داخل مكة , والأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر الا يعلموا حدود ما انزل الله[18] . فكان البعيدون ينتظرون ما يجود به القريبون من عقائد , سوى مجاميع قبلية التقت النبي وعلياً وابا بكر بصورة مباشرة , كقبائل (عبد القيس) و (شيبان) , فتشكلت لديها صورة معرفية , أثمرت تشيعاً عميقاً ل(علي بن ابي طالب) , زاد فيه ارتكازهم المعرفي العراقي المسيحي . ومن الواضح من منطق كلام (شيبان) عند لقائهم برسول الله وخشيتهم من هجوم الفرس عليهم[19] انه كان قبل معركتهم في (ذي قار) , وبالتالي هو عند اول بدء الدعوة , ولا يبعد أن تكون تلك المعركة إسلامية , بدليل أن القائد الفعلي لمعركة (ذي قار) الأمير (حنظلة بن ثعلبة العجلي) بعث بخمس الغنائم الى رسول الله يوم انتصف العرب من العجم وانتصروا عليهم ببركة رسول الله[20].

 

 

الخصائص العامة لجماعات صدر الرسالة الإسلامية

ان كينونة الانقسام المتوقع داخل الكيان الإسلامي الجديد تابعة لا شك لصفتين رئيستين , الأولى كينونة الرمز المقسوم لأجله او معه , والثانية كينونة المنقسِم اَي الناس في مستواهم المعرفي ونواياهم .

لذلك يمكن تقسيم العالم الإسلامي نظرياً حينذاك الى شيعة علي بن أبي طالب , وحزب قريش , وعامة الناس . بمعنى ان الخصائص التي تمتع بها (علي) لا تشبه خصائص غيره , وبالتالي سيكون اتباعه من نخبة لها مستوى أخلاقي ومعرفي خاص . اما حزب قريش فكان على النقيض تماماً من خصائص (علي) وشيعته . فيما كانت جهود كلا الفريقين تراهن على الفريق الثالث , العام , من حيث هدايته , او جذبه , ليكون العامل الحاسم في انتشار أفكار ومناهج احد الحزبين , على اعتبار ان هذا الفريق الغالب يشكّل المادة الخام الأكثر انتشاراً , فهو لم يستطع بعد فهم مطالب الإمامة , كما انه لا يختزن نوايا السوء تجاه الإسلام كالحزب القرشي .

إن أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) والصحابة النجباء الذين معه اتفقت الشيعة وأهل السنة على قداستهم ، عبر دراسة الشيعة لتاريخهم وتزكيتهم ، وعبر إجماع أهل السنة على قداسة الصحابة جملة ، ورجحان أمير المؤمنين (علي بن ابي طالب) عليهم , بينما اتفق الشيعة وأهل السنة على كمال ووثاقة ورجاحة المعصومين في الفكر الاسلامي الشيعي الإمامي ، عبر إيمان الشيعة بعصمتهم وكمالهم ، وعبر قول أهل السنة بوثاقتهم . بينما يرى الشيعة أن بعض الصحابة – لا سيما الشيخين – أتوا الفتنة وتسببوا بالفرقة وجهلوا أحكام الشريعة وأن من تبعهم على رأيهم من الفقهاء والمحدّثين ليسوا محل ثقة أولية لا سيما وقد جاملوا الحكام ، بعكس أهل السنة الذين يرون وثاقة البعض منهم دون الآخر. ومن ثم لا يجوز للعاقل ترك المتفق عليه ، وهم أئمة أهل البيت النبوي ، إلى من لم يُتفق عليه ! .

 

وفي البدء يمكن تناول حزب قريش , ثم شيعة علي , ومن خلال المواقف يمكن اكتشاف أبعاد القسم العام الثالث , ومن ثم الاطلاع على خصائص كل قسم من خلال مواقف رموزه ورجالاته , ومن ثم تكون لكل موقف دلالة في عمق صيرورته , تنسحب على نية صاحب الموقف ومنطلقاته العقائدية والشخصية .

 

 

حزب قريش                       

يواجه الباحث هنا مشكلة كبيرة , تتمثل في التزوير والتلاعب بالتاريخ والروايات , اذ تمت كتابة التاريخ الإسلامي في زمن تسلط من كانت افعالهم محلاً للسوء قبل استلامهم للسلطة , اَي في عهد النبوة . فَلَو تم أخذ رواية وموقف استشارة النبي لأصحابه في غزوة (بدر) يمكن ايجاد روايتين , احداهما قالت ان بعض المهاجرين اعترض على قتال النبي لقريش , خوفاً او حَمية[21] , والأخرى استبدلت هذا المقطع بان (أبا بكر بن أبي قحافة) قام فقال فأحسن , وان (عمر بن الخطاب) قام فقال فأحسن , وأتمت ما في الرواية الأولى من قول وجهاد (المقداد) و (سعد بن عبادة) و (سعد بن معاذ)[22] . الأمر الذي يعني –بعد جمع الروايتين– ان المعترضين في الحقيقة هم (أبو بكر) و (عمر) , فتم إخفاء أسمائهم في مرحلة , ثم تم إرجاع هذه الأسماء مع التحسينات في مرحلة أخرى . وكثراً ما ابتليت كتب المؤرخين والرواة القديمة بأمور مثل الحذف , والتحسين , والتعميم , والتعويم .

فمن الحذف : (… فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك , وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب , فكانوا أربعة آلاف , وعقدوا اللواء في دار الندوة , وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة , وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألف وخمسمائة بعير , وخرجوا يقودهم أبو سفيان . ووافتهم بنو سليم بمرّ الظهران , وهم سبعمائة يقودهم [ سفيان بن عبد شمس ] …) , لكن في رواية أخرى (… ثم خرجوا إلى غطفان , فدعوهم , فاستجابوا لهم , ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك , فاستجاب لهم من استجاب , فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف , ووافتهم بنو سليم بمر الظهران , وخرجت بنو أسد وفزارة) , فتم حذف اسم (سفيان بن عبد شمس) في الرواية الثانية , لأنه والد (أبي الأعور السلمي) قائد جيش معاوية في (صفّين) .

ومن التعويم : (…ثم ارتحل رسول الله من ذفران , حتى نزل قريباً من بدر, فركب هو [ وأبو بكر ] رضي الله عنه, أي وقيل بدل أبي بكر [ قتادة بن النعمان ] , وقيل [ معاذ بن جبل ] …) , وهنا لأن الرواية الحقيقية تضمنت اسم رجل واحد معروف , وأريد استبداله برجل آخر ليس له تاريخ واقعي , عنوة , ولم يكن ذلك مستساغاً , تم ترديد المقصود بين عدة رجال , ليتم حذف الاسم الواقعي مستقبلاً , فتختار الامة غيره وفقاً لعاطفتها .

ومن التعميم : ( واستشار أصحابه في ذلك, فقال المقداد بن الأسود “أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون ” , … , فلما سمع أصحاب رسول الله ذلك تابعوه , فأشرق عند ذلك وجه رسول الله .. ثم قال أشيروا عليّ , فقال [ عمر ] “يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت, ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك, فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته” , …) , بينما في الرواية الثانية (… واستشارهم , فنهاه [ بعض المهاجرين ] عن المسير وقال “إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت” , وقال المقداد “والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون , ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون” …) , فتم اخراج القائل الحقيقي من مثلبة هذا القول السلبي , وتركه قولاً عاماً لقائل عام مجهول من الامة , والأسباب واضحة .

ومن التحسين : (واستشار أصحابه في ذلك , فقال المقداد بن الأسود “أما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون” , … , ثم قال أشيروا عليّ, فقال [ عمر ] “يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت, ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك, فتأهب لذلك أهبته واعدد لذلك عدته” , …) , لكن في رواية أخرى جاء (… فاستشار الناس , وأخبرهم عن قريش فقام [ أبو بكر ] الصدّيق , فقال وأحسن . ثم قام [ عمر بن الخطاب ] , فقال وأحسن , ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله , امض لما أراك الله فنحن معك , والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا , إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون …) , فتم تحسين ما قاله (أبو بكر) و (عمر) في العنوان , واخفاء مضمون ما قالاه .

لهذا من الصعوبة بمكان على غير الباحث المحقق إيجاد صورة تاريخية قريبة للحقيقة . وقد منح هذا المستوى من التلاعب ضعاف المعرفة وعامة من لا يدقق فرصة التمسك بما يناسب عاطفته من المكتوب .

ومن قول (عمرو بن العاص) لمعاوية يوم (صفين) , وبيانه القرابة القريبة لعلي بن أبي طالب من رسول الله وقِدمه في الإسلام وشجاعته وتضحيته , وأن أصحاب علي هم أصحاب النبي (محمد) وفضلاء الامة وأشرافها , وحثه له أن يجذب أهل الشام بالطمع , ويعودهم على الحرب , يمكن فهم مستوى ورتبة كل فريق منهما في الإسلام[23] .

وكان هذا الحزب باسم قريش , رغم اشتماله على اخرين , لأنه انطلق من حيث العداء القرشي للنبي , وانتهى الى حكم قريش غير العلوية , وقد استمد لاحقاً كينونته المعرفية من مدخلات قريش الرسمية السلطوية . وقد اعتمد كثيراً على القبائل الأعرابية في صحراء (نجد) , وكذلك قبائل الشام , مهاجرها ومقيمها . ففي معركة الخندق أقبلت قريش ومن تبعها فنزلت بمجتمع الأسيال, ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل (نجد) إلى جانب جبل (أحد)[24] , وكان هذان هما قسمي الحرب على الإسلام ورسول الله . وقد ظلت هذه المنطقة –بسبب بداوتها– على عداء الحق من حيث تشعر او لا تشعر , سوى من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد . وهي في القرنين الأخيرين كانت منطلق جل البلاء على الامة .

 

لقد تميز المخالفون ل(علي بن ابي طالب) بمجموعة مشتركات , منها ضعف البنية الأخلاقية , وحب المال , والعصبية القبلية إضافة للبداوة , وقلة الروافد المعرفية , وسطحية المنهج العقلي .

جاء في صحيح (مسلم) : أنّ عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخزاعي: من استعملت على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى. قال: إنه قارئ لكتاب اللَّه, عالم بالفرائض. و أخرجه أبو يعلى من وجه آخر, و فيه: إني وجدته أقرأهم لكتاب اللَّه. و فيه: و أفقههم في دين اللَّه[25] .

ومن غريب التاريخ ان ينشغل (أبو بكر) اول خليفة للمسلمين -وأفضلهم عند شق الامة الأكبر- يوم الفتح الأعظم بطوق لأخته مفقود[26] , باحثاً عنه منشغلاً عن قضية الجيش الإسلامي , وعن اسلام ابيه ذلك الْيَوْمَ , اذ كان ابوه (أبو قحافة) من مسلمة الفتح اسلم يوم فتح مكة , فما أسرع ان جاء به عمر بن الخطاب الى النبي مبشراً بإسلامه , ولا يُعلم وجه سرور (عمر) بإسلام هذا الرجل ذلك الْيَوْمَ الذي دخلت فيه قريش بأجمعها للإسلام , وعلى رأسها زعيم باطلها (أبو سفيان بن حرب)[27] , رغم أن القوم اختلفوا في من جاء ب(أبي قحافة) الى النبي , هل هو (عمر) أم (أبو بكر)[28] .

وفِي معركة (احد) حين برز (عبد الرحمن بن أبي بكر) , وكان مع المشركين , وطلب المبارزة , فأراد (أبو بكر) أن يبرز إليه فقال رسول الله “شم سيفك وأمتعنا بك”[29] . لأنه علم ضعف الرجل لا شك , وجزم بموته .

 

وفِي موقف يجمع عدة من قيادات المخالفين , منهم (أبو بكر بن ابيّ قحافة) و (المغيرة ابن شعبة) و (عمر بن الخطاب) و (عثمان بن عفان) , يوم الحديبية , حين جاء احد سادة العرب (عروة بن مسعود الثقفي) وسيطا , بين قريش والنبي , فكأن القوم وجدوا متنفساً لعقدهم الاجتماعية حين وجدوه بين يدي رسول الله ضيفا , فشتمه (أبو بكر) بلفظ فاحش , وضرب (المغيرة) يده , فسأل (عروة) رسول الله عنهم , فعرّفهم له , فعيّرهم , فسكتوا . فيما قال (عمر) لرسول الله انه يخاف الذهاب الى قريش رسولاً ولا عشيرة له فيها , ورفض تنفيذ امر النبي ونصحه بعثمان , ولا يُعرف كيف بعدها أعز الله الإسلام ب(عمر)! , ثم ظل عثمان بين ظهراني المشركين , بين قومه (بني أمية) , بداعي انهم حبسوه , ولا يُعرف أيضاً ما نفعهم من حبس رسول ما! , ثم ان (عمر) سعى -بعد ان اصطلح رسول الله مع مندوب قريش (سهيل بن عمرو) – الى تشكيك الناس في مقام النبي , وكذلك حاول جاهداً دفع (أبا جندل بن سهيل بن عمرو) ليقتل أباه , لتقول العرب ربما أن رسول قوم قُتِل عند (محمد) , فتنفر منه وضده , لكن ضن الولد بابيه ودفع الفتنة وسوء النية [30]. ويوم الحديبية أيضا حين بايع الناس رسول الله على الموت غاب (عمر بن الخطاب) عن تلك البيعة , وقد أوجد له القوم عذراً بفرس يطلبه من احد الأنصار في تلك الساعة وأنه بايع بعد ذلك[31] .

وفي معركة احد نادى (أبو سفيان) على المسلمين , وسأل عن رسول الله وعن غيره بحسب الرواية , فقال رسول الله “لا تجيبوه” , لكنّ الوحيد الذي لم يتمالك نفسه كان (عمر بن الخطاب) , اذ خالف امر رسول الله , فأجاب[32] .

و (عمر بن الخطاب) , الذب اختلفت روايات القوم في سبب اسلامه وتاريخه , ولي الخلافة بعد (أبي بكر) , تولية فضولية , بنص من الأخير , رغم أنه لم يجاهد ولم يشهر سيفاً في حرب . فصنع له الحاكمون بعده فضائل في أمهات الكتب , لأنه سبب مجيء (بني أمية) الى السلطة , كما أنه المعادل الموضوعي في قبالة أهل البيت لدى العلويين في عيون العباسيين خصومهم . وكان يراجع علي بن أبي طالب في معضلات المشاكل في فترة حكمه التي تجاوزت العشر سنين , وقد أقرّ بحاجته الدائمة لعلم (علي) , حتى قتله مولى مجوسي في عام 23 هجرية[33] .

فيما يدّعي القوم ان (عمر بن الخطاب) اسرع في اعلان اسلامه في اندية قريش , لشجاعته , وان قريشاً اجتمعت عليه وآذته وصرعته , لولا مجيئ (العاص بن وائل) –وهو الذي نزل القران الكريم يحكي كفره وعناده , وهو احد الساخرين من النبي الكريم- ليذكّرهم بمكانة (عمر بن الخطاب) في (بني عدي)[34] , وأنه يخشى على قريش منهم . والحقيقة ان (بني عدي) لم يكن لهم ذكر في قريش ولا زعيم وكانوا محميين ب(بني أمية) , فكيف يكون ذلك التذكير منطقيا , لا سيما ان قريشاً ما هابت (بني هاشم) , رغم أنهم الأشد بأساً في العرب والاعز مالاً وولدا , ثم اين هي شجاعة (عمر) حين صرعه القوم[35] .

وليس من المصادفة ان تكون الفتنة بين المهاجرين والأنصار على ماء (بني المصطلق) بسبب أجير ل(عمر) يدعى (جهجاه بن مسعود) , اختلف مع حليف للأنصار , فسعى بعض المهاجرين الى رسول الله ضد (عبد الله بن ابيّ بن سلول) , وكان (عمر) منتظراً عنده ليطلب من النبي قتل (عبد الله) , الذي كان من الشرف في قومه انه ينتظر ان يتوج ملكا , الا ان رسول الله سار بالقوم في غير أوان الرحيل , ليتعبوا فيناموا عند الوصول , لتنتهي الفتنة , بعدما اخبر (عمراً) انه لا يقتل أصحابه , ولينبه (عمراً) عند الوصول الى (المدينة) انه لو قتل (عبد الله بن ابيّ) ذلك الْيَوْمَ لأرعدت له رجال صارت تنتظره في (ابن اُبيّ) بعد هذا الموقف ومنهم (عبد الله بن عبد الله بن اُبيّ) , وليسقط ما في يد (عمر) , وان كانت الحادثة لا تكشف عن سوء نية (عمر) فهي تكشف على الأقل عن نزقه وضعف رأيه[36] . لذلك كان (عمر) حين يسال النبي ولم يجبه ثلاثاً يحرك بعيره بعيداً خشية ان ينزل فيه قرآن[37] , فكيف لمؤمن واثق عاقل ان يظن كذا! . وهو الذي بثّ مع شريكه (طلحة بن عبيد الله) إشاعة ان النبي قد مات حين هربوا وألقوا سلاحهم يوم (احد)[38] .

ويبدو ان (عمر بن الخطاب) اعتاد امر ان يثير الشغب بين المسلمين , فحين دخل (سعيد بن العاص) على (عمر) في خلافته وجلس في ناحية من المجلس , ذكّره (عمر) أن قاتل أبيه كان (علي بن ابي طالب) , دون سابقة مناسبة , و (علي) جالس , لكنّ (علياً) و (سعيداً) أجابوه بما يسكته ويوئد الفتنة[39] .

وشبيه هذا ما كان من تكذيب (عمر بن الخطاب) ل(ابن ابي حدرد) , حين اخبر النبي عن قدوم (هَوازن) لحربه , فكذّبه (عمر) , فقال (ابن ابيّ حدرد) ما نصه “لئن كذبتني يا (عمر) فربما كذبت بالحق” , فاشتكاه (عمر) الى النبي , ولكنّ النبي لم ينكر عليه بل قال مؤكداً (قد كنت ضالاً فهداك الله) [40], ومن غير الواضح سبب الإصرار من (عمر) على تكذيب هذه الأخبار الخطيرة على دولة الإسلام , وكأنه يريد الا يحذر المسلمون ويأخذوا استعدادهم .

وفتنة (عمر) يوم فتح مكة , حين كانت الراية بيد (سعد بن عبادة) سيد الأنصار , ثم بيد ولده (قيس) , لكنّ (عمر) زعم انه يخشى من صولة للأنصار على قريش , فعالج رسول الله الفتنة بنقل الراية الى يد (علي بن ابي طالب)[41] .

وكان من شجاعة (عمر) انه يقوم عند راس الأسير او الذي لا حول له ولا قوة , فيقول للنبي (دعني اضرب عنقه يا رسول الله) , كما فعل مع (حاطب بن ابيّ بلتعة) في قضية الكتاب الذي ارسله الى قريش مع امرأة[42] . و (حاطب) هذا -الذي أراد (عمر بن الخطاب) ضرب عنقه- هو ذاته من صلى عليه (عثمان بن عفان) عند موته في خلافته[43] متمولاً , في الوقت الذي يموت فيه (أبو ذَر الغفاري) غريبا . و(عمر) كان من النوع الذي يجبّن أصحابه ويجبنونه[44] .

وفِي مفارقة عجيبة , حين صارت الخلافة الى (عمر) كان أمامه رجلان , احدهما فارس المسلمين المضحي يوم الخندق (علي بن ابي طالب) المنتصر , وفارس المشركين المقتحم للخندق على رسول الله مع (عمرو بن عبد ود) وهو (عكرمة بن ابي جهل) , المهزوم , والرافض ان يرافق (خالد بن الوليد) في إظهار الإسلام , خوفاً وسياسة حتى , والقائل يوم فتح مكة -حين أذّن (بلال) – ما نصه (لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول)[45] , فاختار (عمر) لقيادة المسلمين العسكرية الثاني , وهو (عكرمة) وترك (علياً) . و(عكرمة بن ابي جهل) كان احد الذين امر رسول الله بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة , هو و(عبد الله بن سعد ابي سرح) الأخ غير الشقيق ل(عثمان بن عفان) , الا ان الخلافة الانقلابية جعلتهم قادة وأمراء , بعد عزل أصحاب رسول الله الذابّين عنه[46] . وبقي (علي بن ابي طالب) منعزلاً فترة طويلة نسبياً في خلافة الشيخين في بساتين نخيل المدينة المنورة[47].

وكذلك حين اتي الى (عمر) بسيف (النعمان بن المنذر) , دعا (جبير بن مطعم) , احد المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح , وأهداه السيف , ثم سأله عن اصل (النعمان) , والعرب تعرف ان المناذرة ورثة السبئيين القحطانيين بلا لَبْس , لذلك عرف (جبير) ان الرجل يرشوه , ليتلاعب بالأنساب , لأسباب قبلية وسياسية , فقال ان (النعمان بن المنذر) من ولد (قنص بن معد)[48] , من (عدنان) , وكانت هذه من أولى عمليات التزوير السلطوي السياسي في التاريخ الإسلامي , والتي مهدت للتغيير الديموغرافي .

واستعمل (عمر) على بعض الشام (سعيد بن عامر الجمحي) , الذي شارك في قتل المؤمن (خبيب بن عدي) صبرا , وكانت تصيبه غشية حتى مات جزاء دعوة (خبيب) عليه , ومع ذلك امتدحه (عمر) فقال (من سرَّه ان ينظر الى رجل نسيج وحده , فلينظر الى سعيد بن عامر) , وازداد عنده خيراً حين سمع انه تناله غشية من قتله (خبيباً)[49] . ولا عجب اذ ارتدى قادة (عمر) في الشام (خالد) و (أبو عبيدة) الديباج والحرير رغم حرمته لاستقباله[50] .

و(أبو بكر) و (عمر) هما من أساءا لسمعة (قيس بن سعد بن عبادة) عند الناس , لشدة كرمه , فاشتكاهما أبوه الى النبي (محمد) , واتهمهما بأنهما يسعيان ليكون ابنه بخيلا[51] .

اما (عثمان بن عفان) , فهو المتأفف من غبار بناء مسجد رسول الله , والمهدد ل(عمار بن ياسر) حين ارتجز مقارناً بين من يبني المساجد وبين يضيق من غبارها[52] . وبحسب شهادة (عبد الله بن عمر) انه لم يحضر (بدراً) , وفرَّ يوم (اُحد) حتى بلغ (المدينة) , وأقام ثلاثاً , فقال له رسول الله (لقد ذهبتم فيها عريضة)[53] , وتخلُّف عن بيعة الرضوان , وان كان (ابن عمر) أراد نصرته إعلاميا من خلال التبرير للسائل , الا ان شهادة (ابن عمر)[54] كافية في بيان ما عليه الرجل من ضعف عملي في عقيدته .

ولم يفت القوم ان يجعلوا له فضيلة الأوائل , اذ جعلوه ممن هاجر الى الحبشة , ثم أعادوه مبكراً الى مكة , ليظهروه في جملة من الصور الإسلامية الى جانب النبي , لأنهم يعلمون ان مهاجري الحبشة إنما رجعوا بعد (الحديبية) والصلح , وهي فترة طويلة على رواة السلطة ان يغيب فيها (عثمان) . فاختلقوا لإعادته الافتراضية قصة , أساؤوا فيها الى مقام النبي إساءة عظيمة ومرعبة , اذ ادعوا ان الشيطان ذكر آلهة قريش بخير على لسان النبي بالقول (تلك الغرانيق العُلى وان شفاعتهن لترتجى) , وقريش تسمع , فسجد النبي وسجد عتاة قريش , فوصل الخبر الى مهاجري الحبشة , ان قريشاً اسلمت جميعها , فعاد قسم كبير منهم الى عشائرهم , وفِي العائدين (عثمان بن عفان)[55] . ولا يمكن ان يظن حتى الساذج لهذه القصة من مصداقية , لكذبها أولاً على حضرة النبي والقرآن الكريم , الذي يقول (ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * ان هو الا وحي يوحى * عَلَّمَه شديد القوى)[56] , وهي آيات في اول سورة (النجم) التي ادعوا نفث الشيطان كلماته فيها , فكأنما أعماهم هم الشيطان عن الربط بين كلام الله وبيانه وبين دعواهم القبيحة , واستحالة ان يتصور الشاهد لهذا المقام –على فرض قبوله , وفرض المحال ليس بمحال– تبعية قريش وإيمانهم بالنبي لمجرد الاشتباه في تلك اللحظة , ثم المسير لأشهر طويلة بين الدول ليوهم أهل الحبشة , ومن الواضح ان قريشاً والنبي ظلوا اعداءً بعد لحظة واحدة من هذه الحادثة الوهمية المدعاة . ثم ان المهاجرين الى الحبشة إنما خرجوا نتيجة لإيذاء كفار قريش لهم , فكيف باتوا في عشائرهم التي اذتهم وهي لمّا تزل كافرة ! . والقصة منقولة عن (يزيد بن زياد المدني) , الراوي تكلّم معاوية بدعاء رسول الله على المنبر[57] , والذي قال البخاري عنه (لا يتابع على حديثه)[58] , عن احد مسلمة اليهود (محمد بن كعب القرظي) .

و (عثمان) هو الشافع ل(معاوية بن المغيرة بن ابي العاص بن أمية) -جد (عبد الملك بن مروان) لأمه- عند رسول الله , ومعاوية هذا هو الذي منّ عليه رسول الله يوم (بدر) فأطلقه , فرجع , فأخذه بعد واقعة (اُحد) يوم (حمراء الأسد) , وقال له (والله لا تُمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول خدعت محمداً مرتين) وضرب عنقه , بعد ان أرسل اليه (زيد بن حارثة) و(عمار بن ياسر) , وتجاهل شفاعة (عثمان) الغريبة فيه , اذ دلّ الرسولين على مكانه ليقتلاه .

وقد اعتاد (عثمان) على الشفاعة في امر مهدوري الدم من عتاة الشرك والجهل , اذ شفع أيضاً في (عبد الله بن سعد بن ابي سرح) , الذي أهدر النبي دمه يوم فتح مكة ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة , وأعتب الصحابة انهم لم يقتلوه حين جاء به (عثمان) , بعد ان خبأه في داره لأيام , ولم يبايعه النبي لثلاث مرات[59] . ولو كان (عثمان) مستوعباً لفكر ورأي النبي لما احتاج الى من يخبره انه فعل أمراً منكرا عند رسول الله , بل خان امر نبيه بكل وضوح . و (عبد الله بن سعد) هذا اخو (بني عامر بن لؤي) كان أخاً ل(عثمان بن عفان) بالرضاعة , وقد ولّاه (عمر بن الخطاب) بعض اعمال المسلمين في خلافته , ثم ولّاه (عثمان) من بعده[60] ! .

وحين اختار هؤلاء عتاة المنافقين واهل الموبقات لولاية مصر لاحقاً , مثل ابن ابي سرح , كان (علي بن ابي طالب) يختار لولايتها ثقاة المسلمين وصلحاء الصحابة مثل (قيس بن سعد بن عبادة) و(مالك بن الحارث الأشتر) و(محمد بن ابي بكر)[61] .

لم يكتف (عثمان) بالعفو عن قاتل صريح , يستحق الحد بحكم القرآن الكريم , لقتله الناس الأبرياء متعمداً , بل ارسله الى الكوفة , وأقطعه داراً وارضاً , فكافأه على جريمة صريحة .

فيما اختار (عثمان) ان يغيّر رغبة وأمر النبي بأن تكون (المدينة) ارض ووطن إقامة الصحابة وعاصمة الخليفة , فأتم الصلاة في (منى) بمكة حيث كان النبي يقصر , ليجعل مكة دار وطن ايضاً , لأسباب قبلية عصبية , تخالف سيرة النبي والصحابة , في حركة مقصودة مدروسة منه , تكيد للمسيرة السياسية الإسلامية . فاعترض عليه المهاجرون من الصحابة , حتى من الذين كانوا حزباً له , فأبى الا ما فعل .

وأضاف بدعة الزكاة على الخيل . وحمى الحمى له ول(بني أمية) , وقيّد حرية المسلمين في الكلأ والماء والهواء , خلافاً لتشريعات الإسلام التي تبيحها للعامة .

وخالف فريضة الله بنص القرآن في أموال الصدقة , وصرفها في غير مواردها , فشرع لمن بعده , وسنّ التلاعب بمال المسلمين وأحكام الله بهوى الحاكم .

وردَّ عمه (الحكم بن العاص) , الذي كان يؤذي النبي كافراً , ويؤذيه منافقاً يظهر الإسلام خوفاً من الناس , حتى وصفه النبي بالوزغ , وأمر ان يُطرد من (المدينة) , ولا يساكنه ابدا , فردّه (عثمان) , رغم اعتراض الصحابة , واعطاه من المال الكثير له ولأبنائه , ثم عمّرَ قبره , وجعل ابنه (الحارث) مسؤولاً عن سوق (المدينة) , فظلم وطمع وغش وخالف السيرة والشريعة , واتخذ (مروان بن الحكم) وزيرا . وقد ولّى الأحداث وأهل الفسق من (آل ابي معيط) و(بني أمية) على امصار المسلمين , فجاروا وفسقوا , ولم يسمع (عثمان) لقول الصحابة واعتراضهم فيهم , حتى (الوليد) الذي سماه القرآن فاسقاً , وكان حاله من الفسوق ظاهراً للناس , وهو الوالي الذي اعترف انه صار اميراً بسبب استئثار (بني أمية) بملك المسلمين على يد (عثمان) , وانه على فسقه . حاله في ذلك حال (ابن ابي سرح) , الذي نزل في فسقه قرآن ايضاً .

فكأن (عثمان) تعمّدَ تولية أعداء وخصوم القرآن . فكان اهل الكوفة واهل مصر يثورون باستمرار على ولاة (عثمان) الذين يُفتضح امر فسقهم وشربهم للخمر , ويعند (عثمان) حتى يضطر الى عزلهم بعد الثورات العنيفة .

وكان (علي بن ابي طالب) يتابع أفعال هؤلاء الولاة الفسقة ويصر على (عثمان) ان يحاسبهم , اذ كان اهل الامصار يتواصلون مع (علي) لا مع (عثمان) , لما علموا من جور (عثمان) وميله الى (بني أمية) الظالمين .

ولا يمكن موافقة (طه حسين) في اعتذاره عن (عثمان) في سوء سياسته المالية واخذه ما شاء من بيت مال المسلمين , بحجة انه كان ثرياً قبل الخلافة وقد شغله المنصب عن إدارة ثروته واستثمارها , وان له أن يعطي لنفسه ما يفيض من حاجة المسلمين . فلو كان ثرياً حقاً قبل الاستخلاف لم يكن محتاجاً لمال المسلمين , بوجود من ينوب عنه في استثمار ثروته , من اهله او بالأجر . لكن اغلب الظن انه لم يكن ثرياً , وقد وُضعت الروايات المبتدعة في ثروته , لنصرته وحفظ ماء وجهه , وإيجاد المناقب المزعومة له . بدليل انه اعطى زوجته غنائم المسلمين للزينة فقط , واباح المال لفسقة (بني أمية) من عشيرته , استعانوا بها على حرب الإسلام والصحابة واهل الدين والفقراء , واشتروا بها الذمم .

وكان مما ابتدعه ابتداءً انكاره للشورى , فجعل خلافته من قمصان الله , التي لا يمكن ان تُنتزع منه برغبة اهل الحل والعقد من المسلمين وخيار الصحابة , ولا حتى ممن اتى به الى السلطة , فسنّ بذلك لمن بعده من (بني أمية) , ولكل حاكم ظالم , يجور وليس لأحد ان يحاسبه , ويولّي من يشاء من الاحداث والفسقة , وليس لأحد ان يعترض , فتخسر الامة مرتين , بولايتهم الصبيانية , وبعزل الافاضل الاخيار عن السلطة والمال . فيما أشاعوا أن على الناس الطاعة ليحظوا بأجر الاخرة , الذي هو في الحقيقة لن يكون الا سؤال الله عن سكوتهم غير الشرعي وغير المبرر . وكذلك يمكن الاعتراض على رأي (طه حسين) مرة أخرى , في ان الصحابة اطاعوا (عثمان) بحثاً عن اجر الاخرة , والحقيقة انهم اطاعوه حين نفى بعضهم , بعد ان اظهروا الاعتراض على جوره بكل وضوح , لكنهم حين لم يجدوا الناصر الكافي لحفظ وحدة بلاد المسلمين لم يحملوا السيف ضده , فكان السيف مناسباً حين اجمع اهل العراق واهل مصر على الثورة .

بل وصل الامر ب(عثمان) ان اعطى من يتزوج من بناته كل واحد مائة الف , من بيت المال , ووهب ل(بني أمية) مئات الالاف , ووهب لمن قاد حرب (الجمل) لاحقاً مئات الالاف لكل شخص منهم , حتى اضطر مسؤول بيت المال (عبد الله بن الارقم) الى الاستقالة ورفض تنفيذ بعض تلك الأوامر . بل وهب ل(الحارث بن الحكم بن ابي العاص) كل صدقة (قضاعة) . فضلاً عن الأراضي التي اقطعها ل(بني أمية) حصراً في عموم بلاد المسلمين .

ويرى (طه حسين) ان سياسة (عثمان بن عفان) المالية كانت تنتهي الى نتيجتين كلتاهما شر , انفاق الأموال العامة في غير حقها , وتكوين طبقة غنية مسرفة طماعة . ويرى أيضاً انه أسس للطبقية , وتبعاتها الاجتماعية السلبية والمتناقضة , وتأثيراتها السياسية , التي استحكمت بعده , من خلال استغلال المال في النفوذ والسلطة , ومن تجويع العامة واشغالهم بمعاشهم .

وطالب الثائرون على (عثمان) بتغيير سياسته الرأسمالية المجحفة , وكذلك طالبوه بعدم الرجوع الى ما كانت عليه سياسة (عمر) المالية , من الانفاق على البطالين وغير العاملين , تحت ظل عناوين غير شرعية ابتكرها (عمر) , لينفق على أناس أراد كسب ودهم , وحجب المال الكثير عن غيرهم , من الذين استحقوه بكدهم وجهدهم , لكنهم كانوا معارضين ل(عمر) , ولم يستطيعوا حينها الاعتراض , خوفاً على وحدة الدولة الإسلامية . فسياسة (عمر) هي من فرخت جور سياسة (عثمان) , التي طغت في البلاد , فأكثرت فيها الفساد[62] .

والغريب ان (عثمان) -الشافع في عتاة الكفرة والمنافقين- حين استخلف بعد (عمر) , امر (ابن زمعة) بضرب وطرد الصحابي البدري وحاضر بيعة الرضوان ومعارك الخندق و(حنين) مع رسول الله وأستاذ القرآن (عبد الله بن مسعود) , حتى كسر ضلعاً من أضلاعه على باب المسجد , و(عائشة) تنهى (عثمان) عن فعل هذا بأصحاب رسول الله ولا ينتهي ! , لا لشيء الا لمعرفة (عثمان) بولاء ابن مسعود ل(علي بن ابي طالب)[63], في إعادة لواقعة ضرب (عبد الله بن مسعود) من قبل مشركي قريش قبل الهجرة , بعد ان جهر بينهم بالقرآن مضحياً بنفسه الشريفة[64] .

وربما يكون له دور في الغزوة الوحيدة التي استخلف فيها النبي أخاه (علي بن أبي طالب) مكانه في (المدينة المنورة) , وهي (تبوك) , حين صعد المنافقون إلى مقام النبي ليقتلوه غيلة فوقاه الله شرهم , وهذا يكشف عن دور (علي) وهيبة المنافقين منه ليجسروا على محاولة اغتيال النبي , فهي ذات الغزوة التي نسبوا فيها إلى جميع خصوم (علي) أنهم انفقوا الأموال الكبيرة على ( جيش العسرة ) لأنها كانت الغزوة الأخيرة للنبي الكريم[65].

فيما يولي (عثمان) على الناس شرار (بني أمية) , قومه , ومنهم اخاه لأمه (الوليد بن عقبة) , الذي حدّه (علي) على الخمر , اذ صلى بالناس سكرانا[66] . و(الوليد هو ابن عقبة بن ابي معيط) كان أشد الناس على رسول الله , حتى كاد يقتله من خلال خنقه بالثوب[67] .

ورغم أن الكوفيين رووا أن الصحابي (مجمع بن جارية بن عامر) جمع القرآن كله في عهد النبي إلا سورة أو سورتين منه[68], لكن ادعى القوم ان (أبا بكر) جمع القرآن , على يد (زيد بن ثابت) , من صدور الرجال واوراق الأشجار والجلود والحجارة , بمشورة (عمر) , ثم احتفظ احدهما بالمصحف ولم يذعه في المسلمين , وجعله الى (حفصة بنت عمر) , ثم ورثه (عثمان) , الذي بدأ حملة جمع جديدة للمصحف , لا يُعرف سبب لها , اذا كان بين يديه مصحف تام , قد تركه الخليفتان اللذان لا يُعرف كذلك لمَ لمْ يسمحا للمسلمين بنسخ ما جمعاه تاماً[69] .

وقد مزق (عثمان) المصحف الذي بين أيدي المسلمين , واختار مصحفاً على رأي (زيد) . فاعترض عليه اقرأ الناس (عبد الله بن مسعود) , الذي قرأ القرآن من فم رسول الله حين كان (زيد) طفلاً يلعب في (المدينة) , الا ان (عثمان) ابى[70] . ويبدو ان أهل العراق كانوا الى جنب (ابن مسعود) , وفِي صفه , يثقون في رأيه وينتظرونه في امر المصحف , حين أمرهم بحفظ مصاحفهم عن مشروع (عثمان بن عفان)[71] . رغم ان رسول الله يقول (وما اقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرؤوه)[72] , وقال كذلك –بحسب القوم ومروياتهم– (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ القرآن غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ, فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)[73], أي (عبد الله بن مسعود) . وقد اغضبت فعلة (عثمان) هذه (علي بن ابي طالب) و(ابا ذرّ الغفاري) , ووصفه (علي) بأنه امر عظيم , وتنبأ بأن يسلط الله عليه الحديد[74] .

وقد اساء (عثمان) السيرة , وقرّب في خاصته شرار (بني أمية) , وجفا الصالحين من الصحابة , حتى انه نفى اصدق الناس لهجة (ابا ذرّ الغفاري) الى (الربذة) , دفاعاً عن اليهودي (كعب الأحبار)[75] . فاجتمع عليه أهل العراق وأهل مصر وأهل (المدينة) فقتلوه , فأقام مطروحاً على الكناسة[76] ثلاثا[77] .

اما (عائشة) فكانت من عامة الامة , لا يدفعها دافع السوء التآمري ضد الدين أو أهل البيت , وإنما هي من الصنف الذي لم يستوعب عمق مفاهيم الرسالة ولم يدرك ابعادها , لذلك كانت تنفعل انفعال النساء , وتثار استثارة الناس الغير المعصومين . ومثال ذلك قولها للنبي استنكاراً (انك تزعم انك رسول الله !) , حين نقل حملها على جمل ام المؤمنين (صفية) , وحمل (صفية) على جملها[78] , فكانت ردة فعلها ردة دنيوية بحتة . لذلك هي ما كان لها ان تعي قضية (علي بن ابي طالب) , وكان يكفي في إغضابها منه خصومته مع ابيها وكون (فاطمة) بنت (خديجة) زوجة النبي الأولى . اذ لم يبتدأ (آل أبي بكر) إيذاء السيدة (فاطمة الزهراء) بنت النبي (محمد) بعد انقلاب السقيفة الأعرابي , بل سدّ النبي الكوّة التي كان يتفقد بها من داره دار (فاطمة) بسبب إيذاء (عائشة بنت أبي بكر) للسيدة (فاطمة) بالكلام من قبل[79].

 

ولخصائصهم التي يعرفها الرسول فيهم , لم يكن ينتخبهم لقيادة معركة او ولاية مدينة , في حضوره وفي سفره , بل كانوا اذ ذاك ينتظرون مرض الرسول ليختطفوا الراية في جمع من المسلمين , اذا نزلوا معركة كانت الغلبة الظاهرة فيها للمسلمين , كما فعل (أبو بكر) و(عمر) يوم (خَيْبَر) , حين اصابت الشقيقة رأس رسول الله ولم يخرج ليومين , اذ اخذوا راية الجيش عنوة , كما في رواية (بريدة) , لعلّهم يكسبون نصراً ما فيكون شفيعاً لسمعتهم , غافلين عن ضرورة إذن القيادة العسكرية العليا المتمثّلة بحامل الرسالة , الذي حين أتى فاجئهم وكسر خطتهم بحديث (لأعطينها –الراية– غداً رجلاً يحب الله ورسوله , ويحبه الله ورسوله , , يأخذها عنوة) , وهو الحديث الذي بيّن فضل (علي بن ابي طالب) بصورة أجلى , وهو خلاف مرادهم , ففتح على يديه , بعد ان هزموا هم وفشلوا في عمليتهم العسكرية[80] . ومن المحتمل جدا ان حديث (يحبه الله ورسوله) كان قبل أخذهما الراية , فتمنيا ان يكونا هما وَهْماً . وقد كانت سراياهم مهزومة او غير منتجة اذا تم انتدابهم , كأنما أراد رسول الله أحيانا بيان سبب عدم تكليفهم , فحين بعث (عمر بن الخطاب) الى (هَوازن) رجع بلا قتال , في ثلاثين رجلا , وحين سُأل لماذا لم يقاتل (خثعم) ؟ , قال انه لم يؤمر الا بقتال (هَوازن) , وحين تم انتداب حليفهم يوم السقيفة (بشير بن سعد) –والد (النعمان بن بشير) , الذي ولّوه في خلافتهم على الكوفة- لقتال (بني مرة) , عاد منهزماً وحده , بعدما قُتِل من معه , ولجأ هو الى يهودي يعرفه , الامر الذي يدل على انكساره وهروبه من المعركة قبل انتهائها[81].

وحين قدم (خالد بن الوليد) ليعلن إسلامه بين يدي رسول الله في سنة ثمانية من الهجرة –وهذه السنوات قضوها في حربهم ضد الإسلام- اخبر رفيقه (عمرو بن العاص) عن سبب إسلامه , بقوله (دخل الناس في الإسلام فلم يبق احد به طعم , والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها)[82], وهو سبب سياسي لا عقائدي كما هو واضح , فيما صار هذان لاحقاً ولاة وقادة , بعد ان اُبعد عنها المسلمون الأوائل .

لذلك لم يكن غريباً ان يحاول (خالد) أخذ ما غنمه بعض المسلمين من سلب المقتول يوم (مؤتة) عنوة , بعد ان طمع فيه (خالد) دون وجه حق , فِي مخالفة واضحة لأمر الرسول والأصول الحربية . وليس مفاجئاً ان يجبّن (خالد) أيضاً جيش المسلمين ويفرّ بهم من امام الروم ذلك الْيَوْمَ , بعد مقتل القادة الثلاث الذين نصبهم رسول الله , وليس (خالد) منهم , الا انه استغل انكسار النفوس ليكسر الجيش وينهزم فارّا[83]. وعادة الانكسار والهرب لم تكن الا في هذا القسم من قادة المسلمين , اذ كان القادة العقائديون يموتون في المعركة او ينتصرون , كما فعل (جعفر بن ابي طالب) وصاحباه .

و(خالد) ذاته الذي خالف امر رسول الله يوم فتح مكة بالكف عن القتل , وقتل سبعين نفساً , وهو ذات الامر الذي فعله في (بني جذيمة) بعد فتح مكة , اذ أمّنهم , وطلب منهم إلقاء السلاح , لأن الجميع مسلمون , فَلَمَّا ألقوا سلاحهم قتلهم , آخذاً بثأر عمه (الفاكه بن المغيرة) وثار (عوف) والد (عبد الرحمن بن عوف) , اذ قتلتهم (جذيمة) في الجاهلية , بعد ان سرق (الفاكه) و (عوف) و (عفان) والد (عثمان بن عفان) ومعهم (عثمان) أموال رجل مات من (جذيمة) , كانوا قد وجدوه في اليمن . ولا تتضح حقيقة ان كانوا قد قتلوه غيلة وأخذوا ماله , لأن أولادهم هم من كتب التاريخ بعد ذلك , غير ان ظاهر القصة يخفي باطناً هكذا, الامر الذي يكشف شيئاً من سر العلاقات في الطبقة السياسية (العمرية) مستقبلا , وحينها فرّ (عثمان) وابوه (عفان) من القتال أيضا[84] . فقال رسول الله (اللهم أني أبرأ اليك مما صنع خالد) , وبعث (علياً) اليهم , فأعطاهم الدية الشرعية عن الدماء والاموال[85]. وليس من الصدفة أن من ساعدته في جريمته تلك قبيلة (بني سليم) الأعرابية القيسية , التي يتزعمها حليف (بني أمية) ضد رسول الله (سفيان بن عبد شمس السلمي) , والذي صار ولده (أبو الأعور السلمي) قائد جيش معاوية في معركة (صفّين) لاحقاً , حيث قتلوا من بأيديهم , اما المهاجرون والأنصار فقد أطلقوا أساراهم[86] .

و(خالد) أيضاً خالف امر رسول الله يوم (هَوازن) , اذ قتل امرأة لا ذنب لها , فأرسل خلفه ونهاه[87] . وَمِمَّا يدل على نزقه وسوء نواياه استماعه لمخنّث نصحه بإحدى النساء يوم (الطائف) ان يطأها[88] , وقد اعتاد هذا الامر , كما ثبت في قتله (مالك بن نويرة) ووطئه امرأته بغير حق ولا شرع لاحقا .

لكنّ الغريب ان تحرز عائلة (خالد بن الوليد بن المغيرة) غنائم السلطة في الإسلام . ف(عبد الرحمن بن خالد) – شهد (صفّين) مع معاوية , و (هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد) ولي حكم (المدينة) , و(إبراهيم) و (محمد) ابنا (هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد) وليا حكم (المدينة) ومكة في زمان (هشام بن عبد الملك) , و (هشام بن إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن الوليد) ولي شرطة (المدينة) , و (الأزرق) وهو (عبد الله بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة) , ولي حكم اليمن ل(ابن الزبير)[89] .

ويبدو ان اول اجتماع لقوى الانقلاب كان في غزوة (ذات السلاسل) , ضمن سرية (عمرو بن العاص) , اذ كان فيها (أبو بكر) و(عمر بن الخطاب) , وقبلهم (أبو عبيدة عامر بن الجراح) , وهي ذات الغزوة التي نقلوا احاديث حب وتفضيل النبي ل(أبي بكر) و(عمر) على الناس فيها , نقلاً عن (عمرو بن العاص) , الذي صلى بالناس على جنابة فيها , فيما نهى (أبو عبيدة) الصحابيَ الكريم الزعيم (قيس بن سعد بن عبادة) عن ذبح الجزور وإطعام المسلمين , خشية أن تزداد كرامته عند الناس , فيما جعل (أبو عبيدة) الناس يأكلون ميتة حوت العنبر . ولم يكتفوا بهذا الفعل , بل نسب المدافعون عن قوى الانقلاب من كتبة التاريخ ان رسول الله أجاز لهم ذلك للاضطرار , ثم طلب منهم شيئا من ذلك اللحم ليأكله . وقد فات هؤلاء المزورين ان الجيش ان أكلوا للاضطرار فما بال رسول الله يريد الاكل منه بلا اضطرار , وكأنهم بعد ان أخفوا اسم الكريم (قيس بن سعد بن عبادة) عن الرواية أرادوا الإساءة لمقام النبي , لحفظ مقام قوى الانقلاب[90]! . ولا يُعلم هل احرز الناقل كرامة (عمرو بن العاص) على النبي وآله , حتى قبول الحديث منه او عنه في تفضيل بعض الصحابة على غيرهم .

فيما يسلم (أبو سفيان) –الذي كتب ولده التاريخ الإسلامي لاحقا– بعد ان قال له رسول الله ما مضمونه ( الم يأن ان تعلم ان لا اله الا الله ؟ ) , وهو يجيب “ان في النفس من هذه الشهادة الخالصة شيء” , ولكنه اقرّ بها في ذات اللحظة , مع انه حدّث نفسه بجمعٍ جديد ضد النبي في ذات الساعة , حتى أخزاه رسول الله وفضحه امام نفسه[91], وهو ما لا يحتاج فيه النبيه الى مناقشة في أسبابه السياسية , ومع هذا يجعلون إسلامه وأولاده معادلاً لإسلام (علي) وأولاده .

وقد لعن رسول الله (أبا سفيان) وولده (معاوية) في حديث (عاصم بن عمرو) بقوله ( لعن اللهُ القائدَ والمقودَ , وَيْل لهذه الامة من (معاوية) ذي الاستاه)[92] . وكذلك لعن رسول الله (أبا سفيان) وولده (معاوية) وولده (عتبة)[93] .

ينقل (ابن كثير) شماتة (أبي سفيان بن حرب) بالمسلمين حين انكسر بعضهم في غزوة (هَوازن) , وكان يحمل معه يومها أوثان (الأزلام) , رغم أنه أظهر الإسلام قبلها , يشاركه (كلدة بن الحنبل) و (صفوان بن أمية) , الذين كان ينتظرون ومسرورين بهزيمة المسلمين[94] . وقد حفظ أبناء (هند) من (آل ابي سفيان) للعبد الحبشي (وحشي) طعنته ل(حمزة بن عبد المطلب) عّم النبي , اذ مات تحت ولايتهم في (حمص) في الشام , يُحد كل يوم في الخمر[95] , بعد ان كان احد عناصر جيوش (أبي بكر) التي يقودها (خالد بن الوليد)[96] , اذ يبدو انه لم يبقَ احد من كفار قريش والأعراب الا استعان به . وقد نذرت (هند بنت عتبة) – زوجة (أبي سفيان) – رعايته حتى ترمّ عظامها , بعد قتله (حمزة) عّم النبي , وبعد ان جدعت ونساؤها اذان وأنوف شهداء المسلمين , ثم لاكت كبد (الحمزة) ثم لفظته [97]. و (هند) كانت لجوجة حقودة , كما يتضح من حديثها مع رسول الله حين أخذ البيعة على النساء يوم الفتح[98] . وهي احدى اللواتي امر رسول الله بقتلهن يوم الفتح وان كن متعلقات بأستار الكعبة[99] .

وقد كان (أبو سفيان) وولداه (يزيد) و(معاوية) من المؤلفة قلوبهم بأموال وغنائم (الجعرانة)[100] . فقد أعطى رسول الله كلاً من (أبي سفيان) وابنه (معاوية) و (حكيم بن حزام) و (الحارث بن كلدة) و (علقمة بن علاثة) و (العلاء بن حارثة) و (الحارث بن هشام) و (جبير بن مطعم) و (مالك بن عوف) و (سهيل بن عمرو) و (حويطب بن عبد العزى) و (عيينة بن أحصن) و (صفوان بن أمية) و (الأقرع بن حابس) مئة مئة من الإبل , يأتلف قلوبهم , وحين عوتب انه لم يعط (جعيل بن سراقة الضمري) مثلهم قال (اما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع , ولكن تألفتهما ليسلما)[101] . لكنّ (أبا سفيان) ابى الا النفاق , في اول تجربة من النبي له , اذ بعثه في سرية الى (الطائف) , فضربته قبيلة (ثقيف) على وجهه , فعاد منهزماً يذم أصحابه[102] . ولما بويع (عثمان) , جاء (أبو سفيان) إلى قبر (حمزة) فرفسه برجله , وقال: يا أبا عمارة إن الذي تقاتلنا عليه يوم (بدر) صار في أيدي صبياننا[103] .

ومع ذلك ينقل (عائذ بن عمر) دفاع (أبي بكر) عن (أبي سفيان) , حين اتهمه الصحابة (سلمان) و (صهيب) و (بلال) بأنه “عدو الله” وتمنوا قتله , فعاتبهم (أبو بكر) ووصفه بأنه “شيخ قريش وسيدها” , فحذّره النبي النبي من إغضاب هؤلاء الصحابة لأن ذلك يُغضب الرب[104] . وهو امر غريب في بابه ممن صار خليفة المسلمين الأول , ويُدّعى له أولية الإسلام , في رجل هو شيخ المشركين ثم المنافقين وسيدهم . لهذا ربما لم يبايع (بلالُ بن رباح) (أبا بكر بن ابي قحافة) , ولم يُؤذَّن له , وهجره الى الشام التي مات فيها بالطاعون[105] . وشيخ قريش هذا هو من وقف وزوجته (هند) يوم (بدر) يحرض قريشاً على الجَلَد في قتال رسول الله[106] . وعن (عبد الله بن الزبير) ان (أبا سفيان) –الصحابي الجليل! – كان واقفاً يوم (اليرموك) على تل , في جماعة لا يقاتلون , يشجع الروم ضد المسلمين[107] .

وكان (عكرمة بن ابي جهل) –الذي صار قائداً لجيوش المسلمين لاحقا- من القلائل الذين اصروا على الكفر وقتال النبي يوم فتح مكة , اذ اتخذ من (الخندمة) مقراً , فقاتل جيش المسلمين , حتى فرّ منهزماً مع جماعة من أصحابه[108] .

لذلك ليست هناك غرابة في غياب (أبي بكر) و(عمر بن الخطاب) و(عثمان بن عفان) عن نجدة النبي وعن تحشيد الرجال , وأن رسول الله محمداً لم يؤمّرهم على سرية او يخلّفهم على (المدينة) , حيث استعمل غيرهم مثل (علي بن ابي طالب) و(ابا ذَر الغفاري) و(ابن أم مكتوم) .

واتماماً للحركة الانقلابية , اختار (عمر) من بعده -في مخالفة لدعوى الشورى , وهروباً من ضرورات النص- مجموعة يغلي في اغلبها بغض (علي بن أبي طالب) , منهم (عثمان) الذي وتر (علي) رؤوسَ قبيلته من (بني أمية) من أجل الإسلام , وفيهم (سعد بن ابي وقّاص) الذي لم يبايع (علي بن ابي طالب) حتى بعد بيعة الامة له , وقد قتل ولده (عمر بن سعد) سيد شباب أهل الجنة (الحسين بن علي) , وَ (عبد الرحمن بن عوف) الذي حين مات ترك من الأموال والكنوز الدنيوية ما يكسِّر بالفؤوس , والمدافع عن رأس الكفر (امية بن خلف) وابنه حين أراد (بلال) قتله , لولا ان استعان (بلال) بالمسلمين فقتلوهما , وَ (عَبد الرحمن) يحاول تهريب (ابن خلف)[109] , و(طلحة بن عبيد الله) الذي قتل (علي) عمه وإخوته على الإسلام ايضاً [110]. ولم يفت القوم ان يجعلوا الفضائل لأمثال هؤلاء . فينقلون ان رسول الله قال ل(سعد بن ابي وقّاص) (ارم فداك ابي وامي) , عن (سعد) نفسه[111] , كما هي معظم فضائله[112] . رغم ان (سعد بن ابي وقاص) كان احد الهاربين من السبعة سرية (عبد الله بن جحش) الذين بعثهم رسول الله الى (بطن نخلة) بين مكة و(الطائف) يستخبروا امر قريش ومددها النجدي , لا كما أشار المؤرخون , لأن هذه المنطقة كانت رافد قريش العسكري , حتى ان (ابليس) لما تمثّل لقريش في دار الندوة في اجتماعهم لقتل النبي , ونسبوه قال لهم انه رجل من (نجد) , فاطمأنوا له مباشرة , لذا كانت خطرة جداً وبعيدة عن (المدينة) , لذا استرجع قائد السرية حين قرأ كتاب رسول الله بالسير اليها قبل واقعة (بدر) , وقد أمره النبي الا يقرأه الا في منطقة محددة , وقد كان اختبارا واضحاً لأمثال (سعد) ومن معه , اذ لم يخرج في السرية بأمر النبي الا المهاجرون , فيهم (عمار بن ياسر) الذي صمد وصبر وقاتل , فيما فرّ (سعد بن ابي وقاص) و(عتبة بن غزوان) . وقد أوجد لهما القوم عذراً كالعادة بأنهما تخلُّفا يبحثان عن ناقة لهم ضلت[113] ! .

وقد وجدت أمثال هذه الفئة ومن بعدهم (معاوية) نوعية من الناس لا عقل لها , بل لها من ظاهر الدين والسذاجة . فقد نهض بأهل الشام ضد (علي بن ابي طالب) رجلان كان باستطاعتهما عزل (معاوية) وتنصيب من هو خير منه , احدهما (ذو الكلاع الحِمْيَري) , والآخر (شرحبيل بن السمط الكندي) . كانا اكبر من (معاوية) نفوذاً في الشام , الا ان (معاوية) استغل سذاجتها ليحارب بقبائلهما (علي) الخليفة الشرعي .

يقول (محمد بن ابي حُذيفة) مخاطباً (معاوية) في اتهامه (علياً) بدم (عثمان) ما نصه (إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما وأعرفهم بك, قال: أجل, قال: فوالله الذي لا إله غيره! ما أعلم أحدا شرك في دم (عثمان) وألب الناس عليه غيرك لما استعملك ومن كان مثلك, فسأله المهاجرون والأنصار أن يعزلك فأبى, ففعلوا به ما بلغك; ووالله ما أحد اشترك في دمه بدءاً وأخيرا إلا (طلحة) و (الزبير) و(عائشة), فهم الذين شهدوا عليه بالعظيمة وألبوا عليه الناس , وشركهم في ذلك (عبد الرحمان بن عوف) و (ابن مسعود) و (عمار) والأنصار جميعا. قال: قد كان ذلك; قال: فوالله! إني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية والإسلام لعلى خلق واحد, ما زاد فيك الإسلام قليلاً ولا كثيرا, وأن علامة ذلك فيك لبينة , تلومني على حب (علي) , خرج مع (علي) كل صوام قوام مهاجري وأنصاري, وخرج معك أبناء المنافقين والطلقاء والعتقاء, خدعتهم عن دينهم وخدعوك عن دنياك; والله! ما خفي عليك ما صنعت , وما خفي عليهم ما صنعوا, إذ أحلوا أنفسهم لسخط الله في طاعتك; والله! لا أزال أحب (علياً) لله ولرسوله , وابغضك في الله ورسوله أبدا ما بقيت)[114] .

 

 

ولما قدم (شرحبيل بن السمط الكِندي) -زعيم قبيلة (كِندة) , وهو أعلى نفوذاً من (معاوية) في أهل الشام- على (معاوية) , أراد معاوية خداعه , فأخبره أن (جرير بن عبد الله البجلي) يدعوه لبيعة (علي) , وأن (علياً) خير الناس , لكنه -بزعم معاوية- قتل (عثمان بن عفان) , وأنه لا يستطيع تجاوز رأي (شرحبيل) , وكان (شرحبيل) ساذجاً , هيأ له (معاوية) مجموعة تخدعه من خلال مسرحية معدة مسبقا , فحين خرج ليتأكد من اتهام (معاوية) ل(علي) لاقاه هؤلاء المكلفون بخداعه وأيدوا كلام (معاوية) , وهدد (شرحبيل) -بسذاجة- (معاوية) اذا بايع (علياً) , وهو ما كان ينتظره (معاوية) من هذا الرجل “القائد الساذج” , لكنه اصطدم بعقلانية (جرير بن عبد الله) زعيم قبيلة (بجيلة) , وهو أقدم اسلاماً وصحبة للنبي , والذي احتج على (شرحبيل) بأن الأنصار والمهاجرين الى جانب (علي) , وأن اتهام (علي) بدم (عثمان) ليس سوى رجم بالغيب لا يقوم على دليل , لكنه ميل نفسي شخصي , فتراجع (شرحبيل) عن قرار الحرب , لكنّ (معاوية) صار يُدخل ويُخرج عليه الرجال المكلفين بخداعه , يشهدون عنده بالباطل ويستفزون سذاجته , حتى أخذ يدور في مدن الشام يدعو أهلها الى حرب (علي) نيابة عن (معاوية) , بكل سذاجة , والناس كانت تثق به في الشام أكثر من ثقتها في (معاوية) , الا اهل العبادة في مدينة (حمص) رفضوا الانسياق خلفه واعتزلوا القوم[115] .

و (أبو شرحبيل السميفع ذو الكلاع الحِمْيَري) , قائد جيش (معاوية) في حرب (صفّين) , زعيم إمارة (حِمْيَر) الكبيرة , الراوي عن النبي قوله ” اتركوا الترك ما تركوكم ” شارك في معارك (اليرموك) وفتح دمشق , وكان على ميمنة (معاوية) يوم (صفّين) , من العُمَريين فكراً , وهو على الأرجح لم يرَ النبي , بدليل رواية (جرير) أن النبي قُبض قبل اسلام (ذي الكلاع) وأن الأخير وصل الى (المدينة) في خلافة (أبي بكر) , كان في الجاهلية ملكاً يسجد الناس له , ولا يمكن الدخول عليه الا بصعوبة وبعد زمن طويل نسبيا[116] , وكان عظيم الخطر عند (معاوية) , وربما كان يعارض (معاوية) , فيطيعه (معاوية)[117] .

ومن الواضح من إضافة (ذي) لأسماء القحطانيين في الشام انهم من مهاجرة اليمن ,فهي مستخدمة في تلك البلد وحسب كما في (ذي الكلاع) و (ذي يزن) , و سيد أهل اليمن في الشام (حوشب ذي ظليم)[118] , او كما في أسماء ملوك (حِمْيَر) الذين راسلوا النبي بإسلامهم (الحارث بن عبد كلال) و (نعيم بن عبد كلال) و (النعمان) قيل (ذي رعين) و (معافر) و (همدان) و (زرعة ذو يزن)[119] , و (ابرهة بن الصباح بن ابرهة الحِمْيَري) احد قادة هل اليمن في الشام وسادتهم , الذي يطابق اسم ملك الحبشة واليمن المشهور , وقد خلت أسماء القحطانيين العراقيين من هكذا إضافات وعناوين للأسماء . ومنه يمكن تمييز يمانية العراق عن يمانية اليمن . وفيما كانت قبائل شمال الجزيرة والعراق تفد على رسول الله بملوكها واشرافها , كانت قبائل اليمن تبعث الرسل بعد غلبة الإسلام .

لهذا كانت قبائل الشام القحطانية المهاجرة ك(حِمْيَر) تجهل فعلاً مقام (علي) . وقد شذ منهم موالي كبير , هو الشاعر العظيم (السيد الحِمْيَري) , الذي يصف حاله في أهله وقومه من (حِمْيَر) الشام (صُبّتْ عليَّ الرحمة صباً , فكنت كمؤمن آل فرعون)[120] . و(حِمْيَر) هي التي غزت مكة في عهد ملكها (حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحِمْيَري) , وأرادت نقل احجار الكعبة الى بلادها , فصدتها قبائل (مضر) بقيادة جد النبي (فهر بن مالك) , وأسرت ملك (حِمْيَر)[121]. هكذا كان قادة جيش وجبهة (معاوية بن أبي سفيان) . وظلت قبيلة (حِمْير) ناصبية تلعن امير المؤمنين (علياً) إلى زمان بني العباس الأول . لكن جهود امثال الشاعر الموالي (السيد اسماعيل بن محمد الحميري) ربما غيّرت الكثير في فكرهم . وكان (السيد الحميري) يميّز أن بداوة بعض قبائل (تميم) و(نجد) سبب في اساءتهم إلى النبي في حياته وإلى أهل بيته بعد وفاته[122].

 

وبينما كان عمَّال وولاة (علي بن أبي طالب) على الامصار والجيوش من وجوه الصحابة , كانت نسبة كبيرة من عمَّال وولاة وجمهور (معاوية) من (حِمْيَر) . فبعد (ذي الكلاع )على الجيوش , كان واليه على اليمن (بحير بن ريسان الحِمْيَري)[123] , وقاضيه (عبد الله بن محمد الحِمْيَري) , الذي جعله على ديوان الخاتم[124] , وحارسه (أبو المخارق) مولى ل(حِمْيَر)[125], وامير احد الجيوش (حوشب بن طخمة الالهاني الحِمْيَري)[126] , وليس بالصدفة ان يكون قاتل (علي بن ابي طالب) (عبد الرحمن بن ملجم الحِمْيَري) الكندي بالولاء[127] , يجمع بين فرعي جيش (معاوية) . وقد قاتلوا في صف (معاوية) جهلاً وحَمية , لا عن علم , كما هو واضح من دعوة احد اهم سادتهم (ابرهة بن الصباح الحِمْيَري) لاعتزال القتال مع الطرفين حتى ينتصر احدهم فيميلون معه[128] . ولهذا أيضا كان (علي بن ابي طالب) يرتجز بمناقب (آل ابي طالب) وهو في أشد القتال , ليعلم الجميع ما يجهلون من حق آل بيت النبي[129] .

وقد نتج عن هذا الحزب أقاليم ناصبية , توارثت نصب العداء لآل (علي) وشيعتهم كبيئة اجتماعية , بتأثير التجاور والاجتماع لذات السبب . ومن هذه الأقاليم (الفلوجة) في العراق , لأن (معاوية بن أبي سفيان) كان يقطع أراضيها لكبار أعداء (علي بن ابي طالب) من أهل العراق . فقد ورد ان (أبا بردة بن عوف الأزدي) كان عثمانياً , تخلف عن (علي) يوم الجمل , وحضر معه (صفّين) على ضعف نية في نصرته . كما روى (أبو الكنود) أن (أبا بردة) مع حضوره في (صفّين) كان ينافق أمير المؤمنين و يكاتب (معاوية) سرا, فلما ظهر (معاوية) أقطعه قطيعة بالفلوجة , وكان عليه كريما[130].

وقد وصف الإمام (محمد بن علي الباقر) كيف أن قريشاً اجتمعت على ظلمهم , وعلى ظلم شيعتهم , رغم وصية النبي بولايتهم , وتمكنت قريش من السلطة بالاحتجاج عند الأنصار بما هو حق لأهل البيت من (بني هاشم) حصرا , ثم تداولت السلطة غصبا , حتى عادت الى أهل البيت , فنكثت قريش بيعتها ونصبت الحرب لهم , وقتلت أحفاد النبي الحسن والحسين , بعد أن غدر بهم أكثر الناس , فصار ظلم أهل البيت والكذب والافتراء عليهم قربة يتقرب بها المنحرفون وأهل الدنيا الى السلطات الظالمة من قريش والى قضاة وولاة السوء , حتى قتل (معاوية) شيعتهم في كل بلدة , وكانت محبة أهل البيت سبباً للسجن والقتل والتقطيع وهدم الدور , على يد أمثال (عبيد الله بن زياد) و (الحجاج الثقفي) , حتى أن الانسان يُتهم بالإلحاد خير له من أن يُتهم بالتشيع ل(علي) , حتى صارت الأحاديث في تفضيل غيرهم عليهم كأنها حقيقة تنقلها الناس من كثرتها , وهي تظن أنها صدق[131] . بل كان شرطة (الحجّاج الثقفي) ينبشون القبور بحثاً عن (آل علي) وشيعتهم انتقاماً وتزلفاً ل(بني أمية)[132].

 

لذلك يصف (همام بن الأغفل الثقفي) , الشاعر الذي حضر مع (علي) في (صفّين) , أصحاب (معاوية) بأنهم فسّاق , ورؤوس الكفر والنفاق , وقادة البغي والتمرد على (عثمان بن عفان) الذين حرقوا داره[133] . وهو اتهام صريح .

وأن نفوس الكفر والنفاق هذه , التي استولت على مقدرات المسلمين , من قريش ومن (بني أمية) وحلفائهم , قتل منها (علي بن ابي طالب) سابقاً ما يزيد على نصف قتلاهم في معركة (بدر)[134] , غير (اُحد) و (الخندق) وغيرها من الوقائع والأيام . لهذا لم يكونوا لينسوا دماء آبائهم , لا سيما والإيمان ما دخل قلوبهم . وكانت بلوى (علي) بعد الانقلاب انه قتل هؤلاء القرشيين , وهو ما جعل هذا البغض في صدورهم , بعد بغضهم للحق الذي يمثله . وهؤلاء القتلى الذين سببوا حقد السلطة عليه هم ذاتهم من خاطبهم رسول الله قبل دفنهم في القليب بقوله (بئس عشيرة النبي كُنتُم)[135] . يضاف الى هذا العدد الخمسمائة من وجوه العرب الذين قتلهم (علي) بسيفه يوم (صفّين)[136] . لقد بذلت قريش حتى النفوس في سبيل إطفاء نور الله في حربها ضد النبي , وربما لم يُحارب نبيٌ بمثل ما حورب به (محمد) معنوياً ومادياً بقيادة (آل أبي سفيان) .

وقد عمد المؤرخون من العامة على جعل جميع قادة جيوش (معاوية بن أبي سفيان) صحابة , تامّين الصحبة أو مبعضيها , أو أنهم أدركوا ولم يلتقوا , أو على الأقل مختلف في صحبتهم , وفي حالة اليأس جعلهم من التابعين . رغم أن ما يميز أغلب أمراء جيوش (معاوية) أنهم أما من قريش من أبناء خصوم النبي , أو أنهم من زعماء الأعراب , مثل (فزارة) وقبائل (قيس عيلان) الذين ما دخلوا الإسلام إلا تحت ظل السيف , أو أنهم من مدن الشام والأناضول البعيدة عن المدينة المنورة مثل (الرها)[137].

ويشير تاريخ الغزوات الإسلامية في أرض الروم ( آسيا الصغرى ) والبحر المتوسط إلى خلط عجيب في الاسماء والجماعات , وتبديل لأسماء الصحابة بأسماء الأعراب من قادة الحزب الجديد , كما أنه خلط أضاع قدرة الباحث على تمييز الدور الذي لعبه الصحابة والأنصار بعد رحيل رسول الله. وهو أمر ناتج عن مقتل وتشريد وخوف الكثير من شهود العيان في مرحلة الحكم الأموي واستبدال مروياتهم بمرويات رجال السلطة والباحثين عن المال[138].

فقد كان من الأنصار مع معاوية (فضالة بن عبيد) , وقد خرج بقيادة الجيش إلى غزو الروم في آسيا الصغرى , ثم صار على قضاء معاوية , لكنه لم يخرج معه في (صفّين) لحرب (علي) واختار أن يبقى من قبل معاوية على دمشق . لكنهم جعلوه ممن شهد (أحد) وبيعة الشجرة , نقلاً عن (الواقدي) , بل جعلوه قد شهد المشاهد كلها مع النبي , لكنّ عبارة (الذهبي) في ( سير أعلام النبلاء ) لا يثبت منها له شهود معركة (أحد)[139].

ومن الواضح اخيراً ان الأمة الآرامية هي التي قبلت بالإسلام , لكنّ الأمة الآرامية العراقية المركزية هي قبلت بالتشيع , ثم نقلت عقيدتها تأثيراً في باقي الأمة الآرامية جميعاً , بالإضافة الى الشعوب المجاورة , لتصبح جميع الامة الإسلامية تقريباً متشيعة في نهاية العصر العباسي . حتى مجيء الأقوام البعيدة من الترك والسلاجقة , الذين كانوا لا يحسنون فهم التشيع , فحاربوه , فتقهقر , فكانت رسالة الأمة الآرامية العراقية الجديدة نشر التشيع المحمدي في هذه الأمم الوافدة الجديدة , في سنة من سنن التاريخ الايماني .

 

 

 

شيعة علي

يفسّر أئمة أهل البيت عن النبي الأكرم الآية (( يا ليتني كنت ترابا )) أن الكافر يوم القيامة عندما يرى ما أعده الله تعالى لأوليائه من ثواب وكرامة، يتمنى لو كان من شيعة (علي) ، وأن يكون ترابًا، وذلك لأن شيعة علي لكثرة تذللهم وانقيادهم لأوامره يُشبهون التراب، ويُعتبر الإمام علي أباهم وقائدهم, على اعتبار أن النبي هو الذي سمّى (علي بن ابي طالب) باسم ( أبي تراب )[140].

 

وهم القسم الخاص من الامة الإسلامية , يكاد يجمعهم –لا سيما لاحقاً– اصل مشترك , انهم في الغالب ورثة الامة الآرامية , او المتأثرين بها , وهي خلاصة التاريخ السومري والحضارات الإبراهيمية . ولهم خصائص , تكشفها مواقفهم النبيلة قبل الإسلام وبعده , وعند الشدة , وعند الرخاء , فهم كانوا سادة قومهم , او اجودهم , او اتقاهم , او أعلمهم , وكذلك كان (علي) . عن أبي (قيس الأودي) قال ( أدركت الناس وهم ثلاث طبقات , أهل دِين يحبون علياً , وأهل دنيا يحبون معاوية , وخوارج )[141] .

حين نزلت الرسالة الإسلامية ما عبد الله بشرعتها يومئذ الا (محمد) و(علي) و(خديجة) , علناً , ولم يكن من رابع[142] . وفي مجلس لأعيان (بني هاشم) من (آل عبد المطلب) , فيهم (أبو طالب) و(الحمزة) و(أبو لهب) , قال النبي وهو يأخذ برقبة (علي) (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا)[143] . وعن (ابن عباس) عن النبي قال ( يا علي , أنت سيد في الدنيا , سيد في الآخرة , حبيبك حبيبي , وحبيبي حبيب الله , وعدوك عدوي , وعدوي عدو الله , والويل لمن أبغضك بعدي )[144] , وعن (ابن ابي الحديد) عن رسول الله قال ل(علي) ما نصه (لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق)[145] , وعن (البخاري) أن رسول الله أعطى الراية يوم (خيبر) لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله , وفتح الله على يديه , وهو (علي)[146] . وقال النبي ل(علي) ايضاً ( أنت مني وأنا منك ) , و قال ( وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي )[147] , وبالتالي فمن اهتدى ب(علي) كان من رسول الله , ورسول الله منه . وقد آخى رسول الله بين نفسه وبين (علي) , لعلو المقام والرتبة . وكانت اليه راية رسول الله في كل المشاهد[148] , رغم تعويم الكتّاب لاحقاً لهذا الامر . وقد شهد له (أبو ذرّ الغفاري) عند (ابن عباس) انه مصداق قوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)[149] . لذلك أنفذ رسول الله (علياً) خلف (أبي بكر) لمنعه من تبليغ سورة (براءة) , حين أمره الله انه لا يؤديها الا رجل منه[150] . وعن (ابن ابي الحديد) أيضا انه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العُشر ولا نصف العُشر مما دون له[151] .

ويقول (ابن ابي الحديد) – في مقارنة بن (علي بن ابي طالب) وبين (سعد بن ابي وقّاص) ما نصه ( شتان بين علي وسعد , هذا يداحش على السلب ويتأسف على فواته , وذلك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق وهو فارس قريش وصنديدها مبارزة , فيعرض عن سلبه , فيقال له “كيف تركت سلبه وهو أنفس سلب” فقال كرهت أن ابز السري ثيابه , فكأن حبيباً عناه بقوله : إن الأسود اسود الغاب همتها * يوم الكريهة في المسلوب لا السلب )[152] .

وعن (سعيد بن جبير) عن (ابن عباس) أن (علي بن أبي طالب) هو الهادي المقصود في القرآن الكريم , وأن رسول الله المنذر[153] . و(علي بن ابي طالب) من قتل كل حملة لواء قريش يوم (بدر)[154] . ومن يعلم من (علي) وأصحابه يعي لماذا ثبتوا وحدهم حول رسول الله يوم (اُحد) وفرّ الباقون[155] .

لذلك كان الرسول حين يريد معالجة امر ما او قضية , بنحو يكون هو طرف فيه بشخصه , كان يرسل (علياً) , ولهذا ارسله لأداء حق (بني جذيمة) , الذين قتلهم (خالد بن الوليد) بلا ذنب , بعد ان اعطاهم الأمان , فجعل (علي) لهم الدية بما يرضون وزيادة , لهم ولأنعامهم[156] .

لقد جاءت قبائل العراق التاريخي الكبرى , مثل (مذحج) و(النخع) و(زبيد) و(عبد القيس)[157] , وقد كانوا نصارى , طائعين في اسلامهم الى رسول الله , ولو شاءوا لقاتلوا عن دينهم النصراني , كما قاتلوا بعدئذ عن الإسلام بشراسة , لكنهم كانوا مختارين باحثين عن الحق , لا كما يدّعي المدّعون من إجبارهم بالسيف على الإسلام , فهل السيف الا سيفهم . لكن ارادت أقلام (بني أمية) الا يجعلوا لهم فضلاً دينياً على الحاكم , كما ارادت الخلافة (العُمَرية) من قبل الا يكون لهم فضل على قريش . هذا فضلاً عن اهل العراق من (ربيعة) و(مضر) و(النبط) في جزيرة الشمال العراقية حتى حدود تكريت التي كان اغلب أهلها نصارى[158] .

وعن (المسعودي) في “مروج الذهب” أنه كان ممن شهد (صفّين) مع (علي بن ابي طالب) سبع وثمانون بدرياً , سبعة عشر مهاجراً وسبعون من الأنصار , ومن أهل بيعة الرضوان تسعمائة , ومن عموم الصحابة ألفانِ وثمانمائة . وفي “السيرة الحلبية” ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان , قُتل منهم ثلاثة وستون , منهم (عمار بن ياسر) .‍ وفي “مروج الذهب” أيضاً كان معه في حرب (الجمل) سبعمائة صحابيا , منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار , وسبعون بدرياً , ولحق ب(علي) من أهل (المدينة) جماعة من الأنصار , فيهم (خزيمة بن ثابت) ذو الشهادتين . ثم ذكر في “مروج الذهب” أنه كان معه في معركة (الجمل) حين دخل البصرة أهل (بدر) و (بنو هاشم) والأنصار والمهاجرون وقبائل (قحطان) , يقودهم (أبو أيوب الأنصاري) و (خزيمة بن ثابت) ذو الشهادتين و (أبو قتادة بن ربعي) و (عمار بن ياسر) و (قيس بن سعد بن عبادة) و (عبد الله بن عباس) و (قثم بن عباس) و (الحسن) و (الحسين) و (محمد بن الحنفية) و (عبد الله بن جعفر بن أبي طالب)[159] . وعن (عبد الرحمن بن ابزي الخُزاعي) قال ( شهدنا مع علي ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمانمائة نفس بصفّين , فقُتل منّا ثلاثمائة و ستون نفسا )[160] .

ومن ثم لا يُتوقع لمن تربّى في الحضن القرشي المعادي لرسول الله ان يوفق لمعرفة حق (علي) . فهذا (عبد الله بن عمر بن الخطاب) كان عثمانياً لم يبايع (علياً) , الا أنه عند وفاته ندم أنه لم يقاتل الفئة الباغية مع (علي بن ابي طالب)[161]. و لما ولي (الحجّاج) بلاد الحجاز من قبل (عبد الملك بن مروان) , راح يبايعه ليلاً وهو يقول “من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية”[162] , فأخرج (الحجّاج) رِجله ليبايع عليها , وعيّره أنه لم يبايع (علياً) وقد كان إمام زمانه , لكنه جاءه يبايع خائفاً بعد مقتل (ابن الزبير) , فمسح على رِجله و خرج[163] .

 

و(بنو هاشم) من أفاضل الشيعة . وقد انتشروا في العالم كله . منهم (جعفر بن ابي طالب) , أسلم قديماً , له مواقف رشيدة وسديدة ومحمودة ومشهورة , كان رجوعه يعادل فتح خيبر عند رسول الله , يشبه خَلْق وخُلق النبي , وجعله من امراء جيش المسلمين في معركة (مؤتة) , التي استشهد فيها مقبلاً مقطوع اليدين , يحتضن اللواء ببقاياهما[164] . ومن عظمة (بني هاشم) في الدعوة الى الإسلام ان (جعفر بن ابي طالب) هو الوحيد الذي استطاع إقناع ملك غير عربي بالإسلام , وهو (النجاشي) ملك الحبشة[165] . ومع تفضيل (ابي هُريرة) ل(جعفر) على سائر المسلمين بعد رسول الله , وربما لتغييب مكانة (علي بن ابي طالب) , او للتعويض عن سكوته عن بيان حق (علي) , أراد الإشارة لهذا البيت من خلال اسم اخف وقعاً على السلطات , لكن يأبى (ابن كثير) الا التعليق على رواية (ابي هُريرة) , رغم اعتراف بجودة السند , فيقول ( … وكأنه إنما يفضله في الكرم, فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصدّيق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه. وأما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان, أو علي أفضل منه .. ) , مستدلاً بفقر (أبي هريرة) , الذي يأخذون عنه غير هذا من الاحاديث التي تنفعهم , وأن (جعفراً) كان يُطعم المساكين[166] . ويبدو واضحاً مستوى التأزم الذي عاشه (ابن كثير) امام هذه الرواية , وهكذا صنع هؤلاء تاريخ وفضل لرجال لا فضل لهم , بسلبه عنوة من اخرين ! .

وفيما كان أمثال (خالد بن الوليد) يأتون الفاحشة , كان (بنو هاشم) احشم الناس وأعفّهم . فهذا (عبد الله بن عباس بن عبد المطلب) كان يدعو غلمانه ويقول ( إلا أزوجك , ما من عبد يزني إلا نزع منه نور الايمان )[167] . ويبدو ان امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) عاتبه في نهاية دولته على بعض الأمور السياسية[168] , الله العالم بحقيقتها , فهو اجلّ وارفع من ان يتلطخ , اذ كان ذكياً فطنا .

وهذا الصحابي (الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي) يشهد ل(علي) , ويرد على رسالة معاوية لأخيه (عبد الله بن عباس) , بفضح (بني أمية) , وبيان خداع (معاوية) ومكره , ويختمها بقوله “… فهذا (علي) خير حاف و ناعل‌ , وصيّ رسول اللّه من دون أهله …” [169]

بينما التزمت ذرية (الحارث بن عبد المطلب) عم النبي الحضور بين يدي الائمة المعصومين الاوائل لا سيما (علي بن الحسين) وولده (محمد الباقر)[170].

 

ولعل ابرز كتلة متشيعة ل(علي) كانت من الأنصار , بقيادة (قيس بن سعد بن عبادة) , ولابد انها كانت كذلك بفعل دور ابيه , وان تعثرت لأسباب يمكن بيانها لاحقا , الا انهم هاجروا الى العراق في مرحلة أخرى , شيعة , واليوم لهم إمارة في العراق , تضم مجموعة قبائل كبيرة , تتفرع عنها عشائر , هي إمارة (الاوس) , ولها مرجعية دينية كبيرة في النجف الأشرف , في المؤسسة الشيعية الدينية الأكبر , متمثلة بالمرجع الديني الشيخ (محمد موسى اليعقوبي الاوسي) .

ويتضح من شدة حماستهم , وكلماتهم وتعهداتهم على حفظ رسول الله , ونشر دينه , وإن قُتِل أشرافهم وهلكت أموالهم , بأجر الآخرة , انهم كانوا على معرفة تامة بالنبوة , وعلى ثقة عالية ب(محمد بن عبد الله)[171] . وهذا ما استمر فيهم اخلاصاً , اذ مر جمع المسلمين بعد احدى المعارك بامرأة من (بني دينار) , أصيب ابوها وأخوها مع رسول الله , قالت فما فعل رسول الله ؟ , غير عابئة بما أصابها , فلما علمت انه بخير قالت “كل مصيبة بعدك جلل”[172] .

و (قيس بن سعد بن عبادة) , (أبو عبد الملك) , من دهاة العرب وأهل الرأي , صاحب رسول الله , وابن صاحبه . روى عنه الحديث جماعة , كان حامل لواء النبي اذا لم يحمله (علي) , ووزير داخلية النبي بالمعنى المعاصر , وأمينه على الصدقات , وكان مع (علي) , وصار واليه على مصر , فلما استشهد رجع (قيس) الى وطنه[173] , وكان (قيس) جواداً , نحر وحده لجيش المسلمين يطعمه في احدى الغزوات , حتى نهاه (أبو عبيدة) دون بيان السبب , فأكل الجيش عندها ميتة حوت العنبر الذي القاه البحر بأمر (ابي عبيدة)[174] ! . فلما قدم , قص على أبيه كيف منعوه من النحر , فكتب له أربع حوائط ( بساتين ) , أدنى حائط منها يجد خمسين وسقا , فقيل : فقال النبي ( أما إنه في بيت جود ) . وقد فعلها ابوه (سعد بن عبادة) من قبله , وقد كان سيد الأنصار , اذ كان ينحر ويمير جيوش رسول الله من ماله كما في (ذي قرد)[175] . وكانت الراية يوم فتح مكة ل(سعد) و (قيس) ابنه , حتى اثار (عمر بن الخطاب) الفتنة , فأعطاها النبي ل(علي بن ابي طالب) . وقد حاول رواة السلطة لاحقاً -على لسان (ابي هُريرة) – جعلها ذاك الْيَوْمَ بيد (الزبير) و(خالد بن الوليد) و(ابي عبيدة)[176]. وكان (قيس) من الأوائل الذين نهضوا مع الامام (الحسن) حين خذله الناس . وكان (سعد بن عبادة) وابوه وجده وجد جده سادة في الجاهلية والإسلام , يطعمون الطعام , وكان فيهم السؤدد , وكان يجير فيجار , وكذلك كان ابنه (قيس) . وكان ل(سعد) ستة أبناء كلهم نصروا رسول الله[177] .

وكذلك منهم (أبو الهيثم بن التيهان بن مالك الأنصاري الأوسي) , كان من نقباء الأنصار , وأول من بايع في بيعة (العقبة) , وآخاه رسول الله مع (عثمان بن مظعون) , شهد (بدراً) والمشاهد كلها , وقد اثبتوا له الشهادة مع (علي) في (صفّين)[178], الا الواقدي الذي عُرف منه البغض ل(علي) . وكان في اول ستة من الأنصار اسلموا[179] .

وكان الصحابي (حارثة بن النعمان الأنصاري) – الذي تُنسب إليه رؤية الملاك (جبرائيل) على صورته البشرية – ممن قاتل إلى جانب أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) ضد (معاوية)[180].

 

و (جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري) الذي مات في 78 ه, كان كثير العلم و الفضل , و هو من أهل بيعة الرضوان و أهل السوابق و السبق في الإسلام , شهد المشاهد كلها , رووا عنه الحديث , تابع (علي بن أبي طالب) , وانقطع الى أهل البيت , حتى زمان الإمام (محمد الباقر)[181]. وكان أبوه (عبد الله بن عمرو بن حرام) من نقباء الأنصار الاثني عشر في بيعة العقبة[182] , هو الذي روى ان الصحابة الأثبات كانوا يعرفون المنافقين من بغضهم ل(علي بن ابي طالب)[183] . وقد كان اخر الصحابة بقاءً , منقطعاً الى اهل البيت حتى مات , اذ اقتضت السياسات (العُمرية) في (المدينة) , التي تمنع من تصديق حديث الأئمة المعصومين الا اذا رووا عن صحابي , بقاءه حجة لهم , حتى انه كان يوجه الناس باتجاه الإمام (الباقر)[184] . وكان ينادي في (المدينة) ان (علياً) خير البشر , ويدعو الأنصار الى تأديب أولادهم على حب (علي)[185] , وهو امر كان له دور مهم في حفظ ولاية (علي بن ابي طالب) في عدة أجيال , بسبب عمر (جابر) الطويل .

ومن الأنصار (أبو أيوب الأنصاري الخزرجي) , من كبار الصحابة , و من سادات الأنصار. شهد بيعة (العقبة) , ومعركة (بدر) , وسائر المشاهد, و كان سيداً معظما, محدّثاً ثقة جليلا. نزل عنده رسول الله حين خرج مهاجراً من مكة حتى بنى مسجده , تابع (علياً) وأنكر على (أبي بكر) , و شهد مشاهده كلّها . و كان على مقدمته يوم (النهروان) , مات في‌ القسطنطينة عام 50 ه. و في اليوم الذي منع الثوار فيه (عثمان) سأل المؤذن (سعدُ القرظ) (عليَ بن ابي طالب) “من يصلّي بالناس؟” فأمره أن يدعو (أبا أيوب الأنصاري)[186] .

ومنهم كذلك ذو الشهادتين (خزيمة بن ثابت الأوسي الانصاري) , من كبار الصحابة , وشهد المشاهد كلها , جعل النبيّ شهادته شهادة رجلين , استشهد في (صفّين) , وكان من أشد الناس قتالاً فيها الى جانب (علي) , اذ كان يروي قول النبي ( قاتل مع علي جميع من يقاتل ) , و حين قُتل رثته ابنته (ضبيعة) بشعر يبين فضل (علي)[187].

وكذلك (رافع بن خديج الخزرج الأنصاري) , أمه (حليمة بنت عروة بن مسعود الثقفي) , توفى 74 ه , كان عريف قومه , والصحابي الذي شهد المشاهد مع النبي , واُصيب يوم (اُحد) , وشهد (صفّين) أيضا , روى عنه خلق كثير. وله عقب كانوا ب(المدينة), و بغداد[188].

ومنهم (رفاعة بن رافع بن مالك الخزرجي الأنصاري) مات 41 ه , كان أبوه من أصحاب (العقبة) , وشهد هو حرب (صفّين) , دفع إليه أمير المؤمنين راية (همدان) حين خروجه إلى (صفّين). و كان من عرفاء الشيعة وعلمائهم[189]. وابوه (رافع بن مالك) اول المسلمين من (الخزرج) [190].

و (زياد بن لبيد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي) المتوفى سنة 41 ه , صحابي محدّث , شهد (العقبة) مع السبعين من الأنصار, كان عامل رسول الله على (حضرموت) , من فقهاء الصحابة , التحق بأمير المؤمنين (علي) , و اشترك في وقعة (الجمل) . يصرح في شعر له يوم (الجمل) بان (علي بن ابي طالب) هو (الوصي)[191] .

و (أبو سعيد الخدري) , (سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي) مات على قول في 65 ه, صحابي وابن صحابي , و من الحفاظ المكثرين , العلماء الفضلاء العقلاء. تابع (علياً) , روى (أبو هارون العبدي) ما نصه ( كنت أرى رأي الخوارج , حتّى جلست إلى أبي سعيد الخدري , فسمعته يقول : اُمر الناس بخمس , فعملوا بأربع , وتركوا واحدة . فقال له رجل : يا أبا سعيد ما هذه الأربعة التي عملوا بها؟ . قال: الصلاة والزكاة والصوم والحج . فقلت: فما الواحدة التي تركوها؟ . قال: ولاية علي بن ابي طالب )[192] .

وقبيلة (الخزرج) من الأنصار هم سدنة مرقد (ابراهيم بن مالك الأشتر) في العراق[193].

ومنهم (قرظة بن كعب الأنصاري) , الذي فتح بلاد (الري) من إيران , وقد كان من أصحاب امير المؤمنين (علي بن أبي طالب) والمشارك في كل حروبه , حتى توفي في خلافته وصلى عليه الإمام[194].

ومن الأنصار الخلّص (سهل بن حنيف الأوسي الأنصاري) المتوفى 38 ه, وهو محدّث , سكن الكوفة , وشهد المشاهد النبوية , و استخلفه (علي) على (المدينة) حين خرج إلى العراق , و ولّاه (فارس) , وشهد معه (صفّين), روى عنه لفيف من التابعين , صلّى عليه أمير المؤمنين (علي), كان وأخوه (عثمان) على شرطة (الخميس) العَلَوية , و كان أحد الاثنى عشر الذين أنكروا على (أبي بكر). و لما مات جزع (علي) عليه جزعاً شديداً وصلّى عليه , وكبّر سبع تكبيرات , و قال: لو كبّرت عليه سبعين لكان أهلا[195] . وكان من غيرته ومروءته يأتي امرأة لا زوج لها ب(قباء) فيعطيها ما تيسر له , ثم يعدو على أوثان القوم فيكسرها ليلاً ويأتيها بها لتحتطب , فآثر له (علي) ذلك حتى مات معه في (صفّين)[196] .

ومنهم (النعمان بن العجلان الأنصاري الزرقي) , كان سيداً في قومه , دعا له النبي ‏, وتزوج (خولة بنت قيس) أرملة (حمزة بن عبد المطلب) , واستعمله (علي بن ابي طالب) على البحرين[197].

ومن جهاد الأنصار العقائدي , أنهم بعد الانكسار والجروح والاذى التي عانوها في معركة (اُحد) , أمر رسول الله بأن يتجهز للخروج معه من المقاتلين من شارك في المعركة السابقة حصرا , بعد يوم واحد فقط , لمّا سمع بتجهز المشركين بقيادة (أبي سفيان) للهجوم على المسلمين مرة أخرى , فخرجوا على ما بهم من جراح , يحفز احدهم الاخر , لا دواب لهم , رافضين أن يتخلفوا عن غزوة واحدة مع النبي , حتى بلغوا مع رسول الله منطقة (حمراء الأسد) , واقاموا فيها يرهبون المشركين[198].

فيما أن (سعد بن الربيع الخزرجي الأنصاري) وهو في رمقه الأخير صريعاً في معركة للنبي يوصي أحد أبناء قومه بالنبي قائلاً ( … إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته , وأبلغ قومك الأنصار عني السلام , وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف )[199].

فقد كان هذان الحيّان من الأنصار , (الأوس) و(الخزرج) , يتصاولان مع رسول الله تصاول الفحلين, لا تصنع (الأوس) شيئا فيه غناء عن رسول الله إلا وقالت (الخزرج) “والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله” , فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها , وإذا فعلت (الخزرج) شيئا قالت (الأوس) مثل ذلك[200]. وطالما كانت رايات النبي في أيديهم , كما كانت في يد (سعد بن عبادة) في فتح مكة وفِي غزوة وادي القرى , وفِي يد ولده (قيس) في فتح مكة ايضاً .

وفِي يوم (حُنين) حين فرّ الناس , أن رسول الله حين رأى من الناس ما رأى , وفرار الطلقاء العشرة آلاف القرشيين الذين كانوا معه , قال ( يا عباس ناد : يا معشر الأنصار, يا أصحاب الشجرة ) , فأجابوه : “لبيك لبيك” , فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره , فلا يقدر على ذلك , فيقذف درعه عن عنقه , ويأخذ سيفه وترسه , ثم يؤمّ الصوت , حتى اجتمع إلى رسول الله منهم مائة , فاستعرض الناس فاقتتلوا[201], وكانوا على يمنيه وعلى شماله .

وحين تساءل الأنصار عن سرّ إعطاء النبي مال وإبل (هوازن) بعد معركة (حُنين) هذه للمؤلفة قلوبهم , مثل (أبي سفيان) و (عيينة) و (الأقرع) و (سهيل بن عمرو) , فيما لم يعطهم شيئاً , وتسرب الشك الى نفوس بعض شبابهم , دون رؤسائهم , رغم أن أولئك الشباب لم يقولوا أكثر من “يغفر الله لرسول الله” , قال لهم النبي ( أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال , وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ) , فقالوا “يا رسول الله قد رضينا” , وقال لهم النبي ( أنتم الشعار والناس الدثار ) , وقال ايضاً ( فستجدون أثرة شديدة , فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله  فإني على الحوض ) , وقال كذلك ( الأنصار كرشي وعيبتي ) , وقال ( لو سلك الناس وادياً , وسلكت الأنصار شِعباً , لسلكت شعب الأنصار ) , وقال ( ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار )[202].

وطالما باتت وجوه الأنصار وأشرافهم تحرس مقام رسول الله من غيلة قريش واليهود , لا سيما بعد عودتهم من معركة (اُحد) , وعلى رأسهم سيدهم (سعد بن عبادة)[203] . وهو الموقف الذي كشف فيه (أبو سفيان) و (شيبة بن عثمان بن ابي طلحة العبدري) فكرهما صراحة بالشماتة بالمسلمين , رغم اظهارهم الإسلام كذباً يوم فتح مكة[204].

وحين سمع رسول الله نواح نساء الأنصار على عمه (الحمزة) , قال ( رحم الله الأنصار , فإنّ المواساة كما علمت منهم لقديمة )[205] .

وبعد وفاة النبي , اختارت الأنصار (علياً) اول الامر , ثم انها لم تختر الشيخين , حتى هجر سيد الأنصار (سعد بن عبادة) (المدينة) , ورحل الى الشام , على الا يبايع أحداً منهما , فقتلوه غيلة , ونسبوا قتله الى سهم من الجن , وبحسب رواية (مؤمن الطاق ابي جعفر الاحول) أن (علي بن أبي طالب) لم يخاصم (أبا بكر) في الخلافة بإلحاح خشية أن تقتله ( الجنّ ) كما قتلت سيد (الخزرج) الصحابي (سعد بن عبادة) , وهو تهكّم واضح أنه خشي أن يغتالوه . ولعل هذا حال أغلب زعماء الأنصار في خشيتهم من الاغتيال القرشي والأعرابي بعد أن ندموا على القبول بمجريات أحداث السقيفة الانقلابية ورجوعهم إلى صف (علي بن أبي طالب) لكن بهدوء[206].

ثم كان سيدهم (قيس بن سعد بن عبادة) حامل راية (علي بن ابي طالب) يوم (صفّين) , ثم كانوا من سكنة العراق وشيعته , وهذا هو الوادي الذي سلكوه , وقد صبروا على الإثرة والقهر القرشي لهم , حتى ثار غسيل الملائكة (حنظلة) على جذور قريش الوثنية وبطش وفسق (بني أمية) , فاستباحهم البيت الأموي ثلاثة ايّام , بما يعرف بوقعة (الحَرّة) .

لذلك ذمّ (معاوية) الأنصار , فدعا (النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري) و(مسلمة بن مخلد الأنصاري) , ولم يكن معه من الأنصار غيرهما , فقال : يا هذان , لقد غمّني ما لقيت من (الأوس) و(الخزرج) , صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم , يدعون إلى النزال , حتى والله جبّنوا أصحابي , الشجاع والجبان[207].

 

 

اما أشد أنصار (علي بن ابي طالب) وأعرقهم فكانت قبيلة (ربيعة) . ومواطنها التاريخية من مدينة (الغرّاف) في الناصرية حتى مدينة (الكوت) او (واسط) , تجاورها من الشرق قبيلة (طيء) , ومن الجنوب (بكر بن وائل) , وبين (طيء) و (بكر) قرى الموالي من نبط العراق , ومن الشمال والغرب (همدان) و(مذحج) و(النخع) و (أسد) والأنصار .

قال (علي) عن راياتهم يوم (صفّين) ما نصه ( … هي رايات الله, عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم )[208] . وقال في اهم ليلة من ليالي (صفّين) وأشدها ( فخرٌ طويل لك يا ربيعة ) . وكان امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) قد سار بين رايات (ربيعة) في (صفّين) , فتعاهدوا على الموت الا يصاب وهو فيهم , وأحاطوا به حياطة بياض العين بسوادها , واشترط سبعة آلاف منهم الا يعودوا الا بعد ازالتهم فسطاط (معاوية) , فلما رأى (معاوية) جلادتهم هرب وترك لهم فسطاطه بمشورة (عمرو بن العاص) , فقال لهم (علي) ( أنتم رمحي ودرعي ) . وحين جاءهم (علي) يوم العاشر في (صقّين) , تعاقدوا وتواصوا ألا ينظر رجل منهم خلفه حتّى يرد سرادق (معاوية) , فلما نظر إليهم (معاوية) قد أقبلوا قال “إ ذا قلت قد ولت (ربيعة) أقبلت* * * كتائب منهم كالجبال تجالد ” , ثم خرج فاراً لائذاً الى بعض مضارب العسكر[209].

صبروا في (صفّين) أمام (حِمْير) وأهل الشام بقيادة (ذي الكلاع الحميري) , و (عبيد الله بن عمر بن الخطاب) الذي اتهمهم مباشرة بقتل (عثمان بن عفان) , وكان على (ربيعة) من شكّ بعضهم في ولائه , وهو (خالد بن المعمر) , حين انكسر أمام اهل الشام , بينما صبر أهل الرايات من (ربيعة) حتى رجع من انكسر اليهم من جديد , لكنّ (علياً) خيّره بين المقام أو الرحيل , فقالت (ربيعة) انه لو ثبت منه ما اُتهمَ به كانوا ليقتلوه , رغم أنه من اكبر زعمائهم , لكنّ ولاءهم ل(علي بن أبي طالب) كان أكبر , غير أن الرجل عاد وقاتل , وأتته معظم (بكر بن وائل) , ودعمتها قبيلة (عبد القيس) , حتى كسروا أهل الشام وقتلوا (ذا الكلاع) و (عبيد الله بن عمر)[210]. ومنه يُعلم ان (عبيد الله بن عمر) يشير بصورة مباشرة الى (ربيعة) في مقتل (عثمان بن عفان) , لا لأنهم كذلك فعلاً ربما , بل لما يعلمه من معارضتهم لحكومة (عثمان) واخلاصهم في دعم (علي) . ودعمهم ل(علي) واضح في محاكمتهم لأحد زعمائهم أمام (علي) على الدين والعقيدة , وهو امر يعيد صورة ما فعله الأنصار في بعض مواقفهم عند رسول الله .

خطب فيهم (أبو عرفاء) يوم (صفّين) , ومنّاهم بالآخرة , فشدّ وشدوا معه , حتى قُتل , فشدّت (ربيعة) بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها[211]. وهو في خطابه لم يحرّك فيهم الدنيا , بل الآخرة بذكر الجنة , وهو امر يكشف عن عظيم عقيدتهم في (علي بن ابي طالب) .

واشتركت قبائل (ربيعة) بأكثر من أربعة آلاف مقاتل في معركة (الجمل) إلى جانب أمير المؤمنين (علي) , وفيها قُتل (ثمامة بن المثنى بن حارثة الشيباني) معه , لتكون (ربيعة) ميسرته كلها في (صفّين)[212].

ومن (ربيعة) كان (جميل بن كعب الثعلبي) كان من سادات (ربيعة), حضر (صفّين) و(الجمل)[213] . وكذلك (أبو ساسان الحضين ابن المنذر بن الحارث بن وعلة البصري الرقاشي الأنصاري) المحدّث , ومن الذين ثبتوا على معرفة (علي) , صاحب راية (علي) في (صفّين) , وواليه على (اصطخر)[214] .

ومن قمم (ربيعة) كان الصحابي (زيد بن صوحان بن حجر الربعي العبدي) المحدّث , كان فاضلاً , ديّناً , سيداً في قومه , قطعت يده في (القادسية) , وقُتل يوم (الجمل) , شهد له رسول اللّه أنه من أهل الجنة . وإذ كانت (ربيعة) من أخلص الناس في ولاء (علي) , كذلك كان (آل صوحان) , فقد كانوا شهداء في ولائه جميعهم[215] .

وكان من سادات (ربيعة) (كردوس بن هانئ البكري) , القائل في فتنة التحكيم في (صفّين) ما نصه ( أيها الناس , إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه , ولا تبرأنا من علي منذ توليناه . وإنّ قتلانا لشهداء , وإنّ أحياءنا لأبرار , وإن علياً لعلى بينة من ربه , ما أحدث إلا الإنصاف , وكلّ محق منصف , فمن سلم له نجا , ومن خالفه هلك )[216] .

 

ومنهم الصحابي (مجزأة بن ثور بن عفير السدوسي) , كان رئيساً شريفاً , اشترك في (صفّين), و حارب أهل الشام مع (ربيعة) , وهو يعتقد جازماً بضلال (معاوية)[217] .

 

فيما كانت من قبائل (ربيعة) قبيلة العراق الأشهر (بكر بن وائل) تستميت في الدفاع عن حق (علي بن ابي طالب) ومنهجه . وموطنها في جنوب ذي قار حيث مدينة (الناصرية) الحالية , ويمتد أعرابها الى الصحراء الممتدة بين العراق و (نجد) , تجاورها من الغرب في (السماوة) قبيلة (كلب) , حيث كان (علي) يجعل عليهما من يجبي صدقاتهما معاً احيانا[218] , ومن الجنوب قبائل (قيس عيلان) و (عمرو بن تميم) , ومن الشرق أنباط العراق الموالي , ومن الشمال (ربيعة) . لذلك كان لهم دور مهم في قتال الخوارج في المثلث الواقع بين (الديوانية) و(الناصرية) و(السماوة)[219] . وقد هاجر قسم كبير منها الى (الموصل) وشمال العراق وجنوب تركيا . بل كان قسم كبير من (ربيعة) في الجزء الشمالي الشرقي لجزيرة شمال العراق قبل الإسلام[220] . وقد كانت (بكر بن وائل) وعشائرها (عجل) و (شيبان) سبب انتصاف العرب من العجم في يوم (ذي قار) العظيم , الذي حُفظت فيه الأرض والعرض , لا سيما (عجل)[221] .

ومنها الأمير (شقيق بن ثور بن عفير السدوسي البكري الوائلي) المتوفى 64 ه , سيد (بكر بن وائل) , وأول من دعا إلى أمير المؤمنين (علي) بالكوفة , كانت راية (بكر بن وائل) معه يوم (الجمل) و (صفّين) , ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين , ومن الثقات عند رجال الحديث[222] .

و(الأسود بن بشر بن خوط البكري) , عند التباس الامر يوم (الجمل) بين الإيمان الواعي والإيمان الساذج كان فارسا , و صاحب لواء (علي)  , فقُتل , فأخذه ابن عمه (عبد بن بشر بن حسان بن خوط) , فقُتل , فأخذه (الحارث بن حسان بن خوط) , فقُتل , فأخذه ابنه (عديس بن الحارث) , فقُتل , فأخذه ابن عمهم (زهير بن عمرو بن خوط) , فقُتل[223] . و (بشر بن حسان بن خوط الشيباني) , كان مع أبيه (حسان) في معركة (الجمل) , و شهدها مع أمير المؤمنين , و حين برز إلى القتال يومئذ, قال “أنا ابن حسان بن خوط و أبي* * * وافد بكر كلّها إلى النبيّ”‌[224] . و (حارث بن حسان بن خوط الشيباني) مقاتل كأبيه و إخوته , و كان مع والده (حسان) في وقعة (الجمل) , وقاتلوا, وقُتلوا جميعا . وكانت راية (بكر بن وائل) في (بني ذهل) , مع (الحارث بن حسان) , و كان يقول “أنا الرئيس الحارث بن حسان* * * لآل ذهل و لآل شيبان‌” . وكان لواء (علي) , مع (حسين بن محدوج بن بشر بن خوط) , فقُتل , فأخذه أخوه (حذيفة) فُقتل , فأخذه عمهما (الأسود بن بشر بن خوط) , فقُتل , فأخذه (عنبس بن الحارث بن حسان بن خوط) , فقُتل , فأخذه (وهيب بن عمرو بن خوط) , فقُتل , و أخذه (الحارث) وقُتل[225]. و (حسان بن خوط بن مسعر) فارس, كان شريفاً في قومه , شهد (الجمل) مع أولاده (الحارث , بشر) وأخيه (بشر بن خوط) وأقاربه , وكان وافد (بكر بن وائل) إلى النبي[226] . ومنه يمكن معرفة رتبة قبيلة (بكر بن وائل) في التشيع , ومنه ايضاً يُعلم نوع الرجال الذين اختاروا (علي بن ابي طالب) دون غيره .

ومن (بكر بن وائل) ايضاً (حريث بن جابر الحنفي البكري) رئيس (بني حنيفة) , التي مواطنها كانت في منطقة (الرياض) عاصمة السعودية المعاصرة , من أصحاب أمير المؤمنين‌ (علي) , المخلصين في ولائه , شهد (صفّين) , وأمره (علي) على لهازم البصرة فيها , وقيل أنّه قتل (عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب) , وكان نازلاً بين العسكرين في قبة له حمراء , إذا التقى الناس للقتال أمدهم بالشراب من اللبن و السويق و الماء , كان ثابتاً في طاعة (علي).[227]

وحين وجه (معاوية) قائده (سفيان بن عوف) في ستة آلاف الى (هيت) و (الأنبار) و (المدائن) , ليوقع بأهلها حين اتى (الأنبار) كان فيها مسلحة ل(علي) خمسمائة رجل , وقد تفرقوا , ولم يبق منهم إلا مائتان , لأنه قائدهم (كميل بن زياد) بلغه ان قوماً ب(قرقيسيا) يريدون الغارة على (هيت) , فسار إليهم بغير أمر (علي) , فأتى أصحاب (سفيان) و (كميل) غائب عنها , وخليفته (أشرس بن حسان البكري) , فطمع (سفيان) في أصحاب (علي) لقتلهم , فقاتلهم , فصبروا له , حتى قُتل قائدهم (أشرس البكري) وثلاثون رجلا [228]. ويبدو واضحاً انتشار (بكر بن وائل) في جيوش (علي) , وبقاؤهم الى جانبه عند غياب الناصر .

 

ومن (بكر بن وائل) كانت قبيلة (شيبان) الموالية , ومركزها في جنوب العراق , وكانت أعراب بني شيبان تمتد إلى الكويت ووسط (نجد)[229]. وإليها يُنسب خلق كثير من الصحابة و التابعين و الأمراء و الفرسان و العلماء في كل فن[230]. وكانوا ممن قاموا مبكراً لقتال الخوارج مع (علي بن ابي طالب) , اذ قام (صيفي بن فسيل الشيباني) فقال ( يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك , نعادي من عاديت , ونشايع من أناب إلى طاعتك , فسرْ بنا إلى عدوك , من كانوا وأينما كانوا , فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية اتباع )[231] .

ومنها (نعيم بن هبيرة بن الشيباني) فارس , كان شديد التشيع , حيث كتب اليه أخوه (مصقلة) , الذي هرب إلى (معاوية) فاستعان به على إغراء قبيلة (ربيعة) , ويوعده عن (معاوية) بالإمارة والكرامة , فردّ عليه بشعرٍ يعيره به الخيانة , ويمدح (علياً) , ويقول له ( أصبحتَ تبغضك الأحياء قاطبة * لم يرفع اللّه بالبغضاء إنسانا ) . قُتل سنة 66 ه[232] . وشعره يُبين شدة ولاء قبيلة (شيبان) ووعيهم واخلاصهم .

ومنهم (يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني) المتوفى 68 ه . قائد من الأمراء, و شاعر , أدرك عصر النبوّة , و أسلم على يد أمير المؤمنين (علي) , شهد حرب (اليمامة) , و نزل البصرة , ثم كان أميرا على (الريّ) . و لما استباح الخوارج ما بين اصفهان و الأهواز , و رأى (يزيد) كثرتهم فدخل المدينة فحاصروه , ثم خرج إليهم فقاتلوه , وانقلب أهل (الريّ) عليه , فأعانوا الخوارج , وتم قتله , وأعقب (حوشب) الذي ولد (العوام) المحدّث[233]. ويبدو انه بسبب تعاونه مع (آل الزبير)[234] لاحقاً لم يتفاعل معه أهل العراق , فتركوه لأهل (الريّ) والخوارج . وكانت عائلة (آل حوشب) مثل (العوام) من قبيلة (شيبان) شيعة إمامية , خرجوا في ثورة (ابراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب) في ثورة الفقهاء ضد (المنصور الدوانيقي) العباسي في النصف الأول من القرن الثاني الهجري[235].

وكان الكثير من (بني شيبان) من أصحاب الأئمة , لا سيما الامامين (الباقر) و(الصادق) , بل كان (الهيثم بن عبيد الشيباني) من أصحاب الأصول الاربعمائة عند الشيعة , وكان الكثير منهم من رواة وفقهاء الشيعة إلى العصر الحديث . فيما كان الكثير من موالي هذه القبيلة أعلام الدين وشيوخ الكلام , على مذهب الإمامية مثل (آل أعين بن سنسن) العائلة الكبيرة التي نقلت علوم أهل البيت وكانت جامعة علمية امتد تأثيرها إلى عصر غيبة اخر إمام , وأشهر متكلمي الإمامية والمسلمين (هشام بن الحكم) , وعلى مذاهب العامة مثل (أحمد بن حنبل) شيخ الحنابلة و(ابي يوسف القاضي) صاحب (أبي حنيفة) وموطّن مذهبه[236].

بينما كان أمير (بني شيبان) وأحد عظماء الدولة العباسية ووالي الكوفة في زمان (المقتدر) العباسي في النصف  الأول من القرن الثالث الهجري (جعفر بن ورقاء) من الشيعة الإمامية , وله كتاب في تفضيل أمير المؤمنين (علي)[237].

وكان حفيد (صيفي بن فسيل) صاحب أمير المؤمنين (علي) وهو (عبد الملك بن هارون الشيباني) من الإمامية وصاحب كتاب[238]. وكان (ابو عثمان المازني) أحد أعلام اللغة والأدب العربي في القرن الثالث الهجري من الإمامية من قبلية (بني شيبان)[239].

وفِي الجنوب العراقي التاريخي كان من قبائل (ربيعة) ايضاً قبيلة (عبد القيس) -التي هي اصل البحرين والأحساء والقطيف وجزء كبير من البصرة الْيَوْمَ[240] – , في اخلاص منقطع النظير ل(علي) . وكانت تحيط بهم قبائل (تميم) و(ضبة) و(أزد عُمان) و(قيس عيلان) .

كانت قبيلة (عبد القيس) قد هزمت القبيلة العراقية الكبيرة (بكر بن وائل) التي هزمت بدورها الدولة العظمى (فارس) قبيل ظهور الإسلام ، لكنها أتت طائعة مبايعة للنبي الاكرم محمد ، بقيادة فارسها وأوجه العرب منزلة (الجارود العبدي) . فعاتبهم النبي لأنهم تأخروا عليه قليلا ، لما يعلم من منزلتهم وحسن عقولهم وسيرتهم . ثم كانوا شيعة لعلي بن ابي طالب[241] .

ووهب النبي (محمد) اخت زوجه (مارية) ام ولده إبراهيم إلى (جهم بن قثم العبدي) ، بعدما اهداهما إليه (المقوقس) حاكم مصر[242] .

وكان الصحابي (جويرية بن مسهر العبدي) ممن على وفد على رسول الله في وفد (عبد القيس) ، وكان من أخص أصحاب الإمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ، ومقرباً منه ، حتى صلبه (زياد بن أبيه) على تشيعه[243] .

وقد كانوا يردون مدينة رسول الله في اول الدعوة الإسلامية , فقد وردوها بعد معركة (اُحد) بيوم , وفِي غزوة (حمراء الأسد)[244] , ولا يعقل –وهم بهذه الرجاحة والارتكاز العقلي التوحيدي التاريخي والإخلاص اللاحق– الا انهم اسلموا من اول الامر على مراحل . قال النبي عند رؤية وفدهم  ( مرحباً بهم , نعم القوم عبد القيس , اللهم اغفر لعبد القيس , اتوني لا يسألوني مالا , هم خير أهل المشرق ) . ورئيسهم (عبد الله بن عوف الأشبح) , قال له رسول الله ( فيك خصلتان يحبهما الله , الحلم والأناة )[245] . وقد قرأ ملك البحرين (المنذر بن ساوى العبدي) كتاب رسول الله بنفسه على قومه ودعاهم الى الإسلام[246] .

و اعتبر رسول الله أن قبيلة (عبد القيس) أشبه الناس بقبائل الأنصار (الأوس) و (الخزرج) , لأنهما كانا جميعاً أصحاب دين سابق وارتكاز حضاري مدني ، على عكس قريش وقبائل (نجد) ، لذلك فكلاهما صارا انصاراً لعلي بن ابي طالب لاحقا[247] .

وعن “معجم البلدان” أن (القطيف) جزء من بلاد (البحرين) , ومن أهم مدنها , وأنها من بلاد (عبد القيس) , وأن النبي زارها وأخذ إقليدها[248]. ونساء (عبد القيس) هن اللواتي ارسلهن (علي بن ابي طالب) عشرين امرأة مع (عائشة) الى (المدينة) , بعد انتصاره في معركة (الجمل) , عليهن العمائم والسيوف[249] . وقبل ذلك التحمت قبيلة (عبد القيس) بجيش (طلحة) و(الزبير) , قبل قدوم جيش امير المؤمنين (علي) , بقيادة (حكيم بن جبلة العبدي) , وأصحاب (عائشة) كافّون , يدفعون عن أنفسهم , و (حكيم) يذمر خيله , ويركبهم بها[250] , حتى قُتل مع ولده (الأشرف) وأخيه (الرعل بن جبلة) , وكانوا من خيار الشيعة وأخلصهم , مع سبعين رجلاً من (عبد القيس), و كانت (عبد القيس), مخلصة في ولاء أمير المؤمنين , (حكيم) وابنه من خلّص شيعة (علي)[251].

ومنها الصحابي (عمرو بن مرجوم بن عبد مر العبدي) , كان والده من أشراف (عبد القيس), و رؤسائها في الجاهلية, و كان ابنه (عمرو) سيّداً شريفاً في الإسلام , و هو الذي جاء يوم (الجمل) في أربعة آلاف , و صار مع (علي)  و كان على (عبد القيس) . و لما كتب أمير المؤمنين كتابا إلى (ابن عباس) إلى أهل البصرة , فقرأ عليهم كتاب (علي) , قام إليه فقال ( وفّق اللّه أمير المؤمنين , و جمع له أمر المسلمين , و لعن المحلّين القاسطين , الذين لا يقرءون القرآن , نحن و اللّه عليهم حنقون , ولهم في اللّه مفارقون , فمتى أردتنا صحبك خيّلنا ورجلنا )[252] .

و عندما خطب أمير المؤمنين  في البصرة قبيل المعركة , وأنذر أصحاب (الجمل) ثلاثة أيام ليكفوا و يرعووا , قام إليه (شداد بن شمر العبدي) قائلاً ( أما بعد , فإنّه لما كثر الخطّاءون تمرّدَ الجاحدون , فزعنا إلى آل نبينا , الذين بهم ابتدأنا بالكرامة , وهدانا من الضلالة , الزموهم رحمكم اللّه , ودعوا من أخذ يميناً و شمالا , فإنّ أولئك في غمرتهم يعمهون , وفي ضلالهم يترددون )[253] .

ومنهم التابعي الكبير (صعصعة بن صوحان بن حجر العبدي الكوفي) , العالم الجليل , الخطيب الأديب, الفصيح البليغ المتكلم , حضر جنازة أمير المؤمنين , وبكى عليه , ورثاه بكلمات , وأثار على رأسه التراب . نفاه (المغيرة) بأمر (معاوية) من الكوفة إلى الجزيرة , أو إلى البحرين , فمات بها . له مع (معاوية) مواقف حاسمة . كان (الشعبي) يتعلم منه الخطب . قام في مرة إلى (عثمان بن عفان) , وهو على المنبر , فقال ( ملتَ , فمالت أمتك , اعتدلْ يا أمير المؤمنين تعتدلْ أمتك ) . له شعر في المعاجم , كان أروعه في رثاء (علي) , منها ( ألا من لي باُنسكَ يا اخيّا * و من لي أن أبثّك ما لديّا … وكانت في حياتك لي عظات * و أنت اليوم أوعظ منك حيّا .. فيا أسفي عليك و طول شوقي .. )[254] . وقد استأذن على (علي) وهو يعاني آثار ضربة (ابن ملجم) , ولم يكن يأذن لأحد , فقال (صعصعة) للآذن ( قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين , حياً وميتا , لقد كان الله في صدرك عظيما , ولقد كنت بذات الله عليما ) , فابلغه الآذن , فقال ( قل له : وأنت يرحمك الله , فلقد كنت خفيف المئونة , كثير المعونة )[255] . وقد ضرب (بنو أمية) رسول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب الأمير (صعصعة بن صوحان) حين جاء برسالة (علي) إلى معاوية ، متنكرين لأخلاق العرب وجميع الامم في احترام رسل السلم والحرب[256] .

ومنهم (المثنى بن مخرمة العبدي) القائل ل(ابن الحضرمي) رسول (معاوية) الى أهل البصرة , والذي اثار الشغب فيها ضد امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) , بغياب (ابن عباس) واليه عليها , ( لا و الّذي لا إله إلّا هو لئن ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنجاهدنّك بأسيافنا , وأيدينا ونبالنا, وأسنة رماحنا, نحن ندع ابن عمّ رسول اللّه وسيد المسلمين , وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ ! واللّه لا يكون ذلك أبدا , حتّى نسيّر كتيبة , ونفلق السيوف بالهام )[257] .

وقد خرجت قبائل (عبد القيس) و(بكر بن وائل) ترد جيش (طلحة) و(الزبير) و(عائشة) عن البصرة , بعد ان عاث فيها فساداً وقتلاً ونهباً لبيت المال وشراء الذمم , قبل وصول جيش امير المؤمنين (علي) اليها , فخرجوا حتى كانوا على طريق (علي) يؤمنونه[258] . وحين أقام (علي) ب(ذي قار) , ينتظر (محمداً) و(محمداً) , قبل يوم (الجمل) , أتاه الخبر بما لقيت قبيلة (ربيعة) وخروج (عبد القيس) ونزولهم بالطريق , فقال : ( عبد القيس خير ربيعة , وفي كل ربيعة خير ) , وقال ( يا لهف ما نفسي على ربيعة * ربيعة السامعة المطيعة … )[259] .

ويبدو ان واحداً من اعظم أصحاب (علي بن ابي طالب) وهو(رُشيد الهجري) يُنسب الى (هجر) من بلاد البحرين , تلك التي كانت تقطنها (عبد القيس) . وقد أخبره (علي) بتقطيع أوصاله , على حبه , من قبل (بني أمية) , وأنه يكون معه في الجنة , فصبر ولم يترك حب علي وولائه , حتى حصل ما أخبره به (علي) , فلم يزدد الا صموداً وقوة عقيدة [260] . وقد كان الامام (علي) يسميه (رُشيد) البلايا , وقد ألقى اليه بعلم البلايا والمنايا . وقد كان (بنو أمية) يفرضون على عرفاء الاقوام والجماعات تسليم المعارضين لظلمهم[261] , وكان هؤلاء الدعاة يذهبون غدرا , حتى انه و(ميثم التمار) و(حبيب بن مظاهر الأسدي) كانوا يحدثون الناس كيف هو مقتلهم[262] . وهولا شك دور مهم لعبه أمثال (رُشيد) واصحابه هؤلاء , في إيصال علوم (علي بن ابي طالب) , وبالتالي علوم رسول الله الخفية الى الناس , او الى مستحقيها منهم .

لقد قُتل من قبيلة (عبد القيس) في معركة الجمل ثلاثمائة ، على رأسهم الزاهد العابد الشجاع شيخهم (حكيم بن جبلة) ، وابنه وأخوه . بالإضافة إلى عدد من قبيلة (بكر بن وائل)[263] . ومن كلمة شداد بن شمر العبدي في موقعة الجمل في البصرة يتضح مدى اخلاص ووعي قبيلة عبد القيس لإمامة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب[264] .

وكان معظم قادة شرطة (الخميس) في الكوفة لعلي بن ابي طالب من قبيلة (عبد القيس) ، مثل (حكيم بن جبلة) و (الحلاس بن عمرو بن المنذر) الذي قُتل هو وأخوه (النعمان) مع الحسين بن علي في كربلاء[265] .

وقتل مع امير المؤمنين علي بن ابي طالب في (صفين) الفارس (حسان بن شريح العبدي) ، وقُتل في معركة كربلاء حفيده (عامر بن مسلم بن حسان) إلى جانب الحسين بن علي ، لشدة اخلاص هذه القبيلة مع اهل بيت النبي محمد[266] .

وكان من شهداء الطف مع الحسين بن علي من أهل البصرة التاريخية من قبيلة (عبد القيس) الشهيدان (الأدهم بن أمية بن أبي عبيدة العبدي) ، كان أبوه من الصحابة ، وكان هو يجتمع في بيت (مارية العبدية) في ندوات شيعة البصرة ، و (نبيط العبدي) ، خرجا معا[267] . وكان ممن استشهد مع الحسين في كربلاء (عامر بن مسلم العبدي) . كذلك استشهد مع الحسين (عبد الله بن احمد بن عامر العبدي) . وكانوا ممن رثاه بشعر يثير عاطفة الناس ويستثيرهم ، وكذلك رثى ومدح وابان فضل أهل البيت شعراء ملهمون من ذات القبيلة[268] .

وكان (ابراهيم العبدي الهجري) من أهل البحرين التاريخية من أصحاب الإمامين الباقر والصادق يسمونه الميزان لثقتهم فيه[269] . وكان (احمد بن عامر بن سليمان العبدي) من أصحاب الرضا عليه السلام من ذرية الشهيد مع الحسين وذرية الشهيد في صفين[270] .

لقد ساهمت قبيلة (عبد القيس) في قتال أدعياء النبوة بعد رسول الله ، مثل متنبئ عُمان (لقيط بن مالك الازدي) ، بقيادة (سيحان بن صوحان العبدي) و (الجارود العبدي) و (السيد بن بشر العبدي) ، حيث لولا قبيلة (عبد القيس) بقيادة (سيحان بن صوحان العبدي) لما استطاع المسلمون هزيمة العُماني وقتل عشرة آلاف من أصحابه ، و(سيحان) هو الذي كان معه راية علي يوم (الجمل)[271] .

وانطلق أهل البحرين من قبيلة (عبد القيس) لقتال الفرس في معركة (طاووس) ، بعد عبروا إليهم البحر دون إذن (عمر بن الخطاب) ، فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، بقيادة (خليد بن المنذر بن ساوى العبدي) و (المنذر بن الجارود) و (سوار بن همام) ، دون والي (عمر) عليهم (العلاء بن الحضرمي)[272] .

وشارك بنو عبد القيس في معركة القادسية[273] . وكان فرسان قبيلة (عبد القيس) اهم المشاركين في فتح الهند وفارس . منهم الصحابي (سوار بن همام العبدي) الذي قتل مرزبان فارس وولده . بعد أن وجههم (معاوية) إليها خلاصاً منهم[274] . ومعاوية اعترف ل (صحار بن العباس العبدي) ببلاغة (بني عبد القيس)[275] .

واستمر حضور قبيلة (عبد القيس) بين يدي الأئمة المعصومين وكانت لبعضهم اصول مروية من زمان الإمامين (زين العابدين) و(الباقر)[276].

 

 

ومن قبائل (ربيعة) كانت القبيلة المتذبذبة بسبب حركتها في الأعراب (عنزة) , والتي تزوج (علي) منها[277] ليأتلفها , والتي تسبب تذبذبها وكونها أعرابية في شأن مستقبلي مختلف . وكان ب(صفّين) من (عنزة) أربعة آلاف رجل عليهم تروس الجلد , والذين وجهتهم (ربيعة) مع بعض القبائل لكسر طوق أهل الشام عن جيش (علي) , بعد ان أرسل اليهم (الأشتر) يحثهم , ففر أهل الشام كاليعافير. لكنّ رجال (عنزة) هؤلاء كانوا اول من خرج على (علي) , حين خرج (الأشعث) بكتاب التحكيم بين صفوف أهل الشام وأهل العراق , حتى مر برايات (عنزة) , فقال (معدان) و (جعد) العنزيان , فتيان اخوان منهم  “لا حكم الا لله” , ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما , حتى قُتلا على باب رواق (معاوية) ,  ثم فعل فعلهم بعض أفراد قبيلة (مراد) بقيادة (صالح بن شقيق) , ثم بعض قبيلة (بني راسب) من (ازد شنوءة) العُمانية , ثم بعض قبيلة (بني تميم) الخليجية الساحلية بقيادة (عروة بن أدية) . ومن الواضح ان هذه القبائل تشترك في البداوة , وكونها من الفئة التي عرفت الإسلام ولم تعرف (علي) بعد , وقد احتاج بعضها الى سنين طويلة والى دم (الحسين) للانتقال من المستوى الإسلامي الابتدائي الخام الى مستوى معرفة الإمامة[278]. حتى ان احد زعماء بعض قبيلة (تميم) كان من الذين يثبطون الناس عن (علي) في الكوفة , أثناء حربه ضد (معاوية) , الى جانب (أبي موسى الاشعري)[279] .

 

وشاركت بعض قبائل (مضر الحمراء) الداخلية في العراق الى جانب الجيش الرسمي لأمير المؤمنين (علي) في معركة (الجمل) , مثل بعض (تميم, مزينة, كنانة, الرباب, قريش) تقودهم (بنو رياح) التميمية وهي قبيلة فرعية داخلية[280].

 

بينما من قبائل (مضر) كانت قبيلة (بني أسد) , التي وفد وفدها الى رسول الله طائعاً , دون ان يرسل اليهم النبي من يدعوهم[281]. وهي من اعظم القبائل تأثيراً في التاريخ القديم والحديث للمسلمين , لا سيما الشيعة , ويكفي انها احد اهم عوامل الحسم في معركة (القادسية) ضد الإمبراطورية الفارسية , وهي المعركة المفصلية في تاريخ المشرق الإسلامي , سبقتها جارتها (ربيعة) , لا سيما منها (بكر بن وائل) , ممهدة لها الطريق بكسر جيش الفرس[282]. وهناك جملة من مشايخ وعبّاد (بني أسد) رووا عن أمير المؤمنين (علي) , ما يعني قدم تشيّع جملة من هذه القبيلة في زمانه[283]. وكانت (زينب بنت جحش) زوج النبي من (بني أسد) . وكان أهلها إلى جانب العشرات من بني أسد على اختلاف قبائلهم دخلوا في الإسلام في أول أمره وشاركوا في كل مشاهد النبي العسكرية ابتداءً من واقعة (بدر) , ثم وثبوا ضد المرتدين في حقيقتهم , وكان أغلب اولئك الصحابة والزعماء فيهم إلى جانب (علي بن أبي طالب) في صراعه ضد قريش , بوعي عراقي ملفت[284].

وكان (بنو أسد) يقطنون كربلاء و (الحلة) , الى جوار (النخع) , والى جنوبهم قبائل (همدان) و(مذحج) , وشرقهم قبيلة (طيء) . وقد أسست بالتعاون مع (النخع) الدولة المزيدية في (الحلة) , ثم هاجر قسم كبير منها , مع قسم كبير من (النخع) ايضاً , الى عمق الأهوار العراقية , حيث مدينة (الچبايش) الحالية . بل ان من أعلام قبيلة (النخع) في القرن الحادي عشر الهجري (محمد بن عبد الحسين الحسيناوي النخعي النجفي) في جزائر أهوار جنوب العراق , وهو ما يشير إلى أن (آل ابراهيم) – الى جوار (بني أسد) – كانوا يسكنون هذه الأرض قبل ذلك التاريخ[285].

يقول (أبوجهمة الأسدي) وهو يرد على أهل الشام , ويصف ولاءهم ل(علي بن أبي طالب)  ( وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت شهباء المناكب شارف , فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحف ) .

وقد غدا يوم (صفّين) (قبيصة بن جابر الأسدي) في (بني أسد) , وهم حي الكوفة بعد (همدان) , فقال ” يا معشر بني أسد أما انا فلا اقصر دون صاحبي , وأما أنتم فذلك إليكم , ثم تقدم برايته , فقاتل القوم , فظفر , ثم أتى (علياً) وقال ” يا أمير المؤمنين ان استهانة النفوس في الحرب أبقى لها والقتل خير لها في الآخرة”[286] . وهذا التأخير من (بني أسد) دون ما يريده (قبيصة) ناشئ عن كونهم من القبائل (المضرية) , وهي قبائل فهمها لم يكن ناضجاً فيما يخص الإمامة , ولم تكن بمستوى (ربيعة) وبعض (الازد) و(طيء) في العراق , وقد احتاجت الى وقت تفهم فيه هذه القضية الدينية .

و(بنو أسد) لأنهم سكنة مركز الكوفة في المنطقة الممتدة بين النجف و(الحلة) وكربلاء , كانوا اقل قبائل (مضر) احتياجاً للوقت , اذ فهموا معنى ورتبة الإمامة سريعاً , لا سيما بعد شهادة (الحسين) , فصاروا أيقونة التشيع التاريخية . وقد ساهم في سرعة معارفهم العلوية اختلاطهم بقبائل (ربيعة) و(النخع) و(طيء) . ولهذه العلة التاريخية , من تدرج المعرفة والوعي , انضم الى منطقة (الرقة) في الشام , التي كان جل أهلها من العثمانية , بعض (بني أسد) , الذين فروا من الكوفة برأيهم وأهوائهم إلى (معاوية) , فغلقوا أبوابها وتحصنوا فيها , وأميرهم (سماك بن مخرمة الأسدي) في طاعة (معاوية) , وكان قد فارق (علياً) في نحو مائة رجل من (بني أسد) , ثم اخذ يكاتب قومه حتى لحق به منهم سبعمائة رجل[287]. وقد أسهمت مثل هذه الهجرة في نقاء ارض العراق من النواصب على مراحل , بلغت ذروتها بعد معركة (الطف) , حين لفظهم العراق . ونقل (السائح الهروي) عن شيخ حنفي في الكوفة في القرن السابع الهجري أن أكثر من سبعين من الصحابة قد دُفنوا في الكوفة غير مشهورة قبورهم[288].

ومنها الصحابي وابن الصحابي (أنس بن الحارث بن نبيه الأسدي الكاهلي الكوفي) الشهيد في 61 ه, جليل القدر , حدّث بما رواه جم غفير من العامة والخاصة , اشترك في حروب رسول اللّه , (بدر) و(حُنين) , انتقل بعد وفاة النبي إلى الكوفة , وحين قدم (الحسين) الى العراق ونزل كربلاء توجه إليه واستشهد معه , بعد أن سمع من النبي ( إنّ ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق , فمن أدركه فلينصره ) , وكان (الحسين بن علي) في حجر الرسول , ولعله كان أكبر المقاتلين سنّاً في كربلاء , هزج في كربلاء ” آل علي شيعة الرحمن‌ * و آل حرب شيعة الشيطان “[289].

والامر كما يبدو واضحاً ان (بني أسد) كانوا وظلوا من أوعى واخلص الناس لحقّ (علي بن ابي طالب) , حتى انهم الذين كانوا يعلمون موضع قبر (علي بن ابي طالب) في (الغريينِ) , واقاموا حوله دون القبائل[290] . وهو امر لم ينقطع حتى كتابة هذه السطور .

بل ان من الأسديين من كان من خلّص أصحاب (علي بن ابي طالب) , فهذا التابعي الثقة (خندف بن زهير الأسدي) من العشرة الثقاة الذين سمّاهم أمير المؤمنين (علي) لكاتبه , ليدخلهم عليه[291] .

ومن قبيلة (بني أسد) كان الأمير (زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي) , من سادة (بني أسد) , اشترك في (صفّين) , وجاء بقومه إلى أمير المؤمنين , يستحثهم على القتال , كما قاتلت جارتهم قبيلة (طيء) , فسار معه من (بني أسد) جماعة ليست كجماعة (طيء) , حتّى قدم بها على (علي)[292].

وكان (العكبر ابن جدير الأسدي) فارس أهل الكوفة الذي لا ينازع , وكان فارس أهل الشام الذي لا ينازع (أبو الأحمر عوف بن مجزأة الكوفي المرادي) , وهو أبو الشخص الذي استنقذ (الحجّاج بن يوسف) يوم صُرع في المسجد بمكة , كان (العكبر) له عبادة ولسان لا يطاق , فقام إلى (علي) فقال ( يا أمير المؤمنين , إن في أيدينا عهداً من الله لا نحتاج فيه إلى الناس , وقد ظننا بأهل الشام الصبر , وظنوه بنا , فصبرنا وصبروا . وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة , وصبر أهل الحق على أهل الباطل , ورغبة أهل الدنيا , ثم نظرت , فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من كتاب الله : الم , أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . وأثنى عليه علي خيرا , وقال خيرا . وهو كلام يدل على وعي ديني راق . وخرج يبارز (عوف بن مجزأة  المرادي) , وهو يقول ( الشام محل والعـــراق تمطــر * بهــا الإمـام … ) , فصرعه (العكبر) فقتله , و(معاوية) على التل في أناس من قريش ونفر من الناس قليل , فوجه فرسه ركضاً يضربه بالسوط , مسرعا نحو التل , حتى انتهى إلى (معاوية) وجعل يطعن في أعراض الخيل راجياً أن يفردوا له (معاوية) , فقتل رجالا , وقام القوم دون (معاوية) بالسيوف والرماح , فلما لم يصل إلى (معاوية) نادى ( أولى لك يا ابن هند , أنا الغلام الأسدي ) , ورجع إلى (علي) فقال له ( ماذا دعاك إلى ما صنعت يا عكبر , لا تلق نفسك إلى التهلكة ) , فقال ( أردت غرة ابن هند ) , فهدر (معاوية) دمه , فقال (العكبر) ( يد الله فوق يد معاوية , فأين دفاع الله عن المؤمنين )[293] . وهو وعي كبير بالدين .

وقد كانت (بنو أسد) سر الانتصار على الجيش الفارسي في معركة (القادسية) , اذ بقيت ليالٍ تقاتل وحدها , وجيش (سعد بن ابي وقّاص) لا يتدخل , وهي صامدة , حتى أتاها مدد أهل العراق (النخع) قادماً من الشام , بعد انتهاء معركة (اليرموك) , فاجتمعت (أسد) و(النخع) وكسروا جيش الفرس , ثم اشترك باقي العرب . وقد كان من عظيم معرفتهم بحق (علي) ان مغضبهم , الذي يُراد ان يقام عليه الحد من قبل شرطة (علي) يرى ان فراقه كفر , فكيف بمن هو صاحبه[294] .

 

وكان أشهر من عُرف من أصحاب (علي) من قبائل (مضر السوداء) , من (قيس عيلان) , التي تنتشر وسط وشمالي (نجد)[295] , الصحابي (المسيّب بن نجبة بن ربيعة الفزاريّ) , الذي شهد (القادسية) وفتوح[296] العراق , وله رواية عن (حذيفة) و(علي) , وكان مع (علي) في مشاهده , وقُتل يوم (عين الوردة) مع (سليمان بن صرد الخزاعي) في طلب دم (الحسين) سنة خمس وستين[297] .

ومن شيعة (علي) المشهورين من (مضر السوداء) كان (آل ابي الجعد) , أبوهم المحدّث الكوفي (أبو جعد رافع الأشجعي) من (أشجع بن ريث بن غطفان) , حدّث عن (ابن مسعود) , ترك من الأبناء (سالم , عبيد , زياد ) , وكلهم من أصحاب أمير المؤمنين (علي) , وكان من أشراف وأعيان القوم . و (آل أبي الجعد) من البيوتات العريقة الأصيلة في الكوفة , الموالية للعترة النبوية , والذابّين عنهم بأموالهم وأنفسهم[298]. لكنّ اختلافهم عن قيم (مضر السوداء) الأعرابية ناشئ ربما عن سكنهم الكوفة وموالاتهم قبيلة (النخع) الشيعية الشهيرة , حيث جاء في “معجم رجال الحديث” ( عبد الله بن أبي الجعد : يقال له عبيد النخعي .. مولاهم .. من أصحاب علي بن الحسين ) , و (البرقي) عد (عبيدة بن أبي الجعد) من خواص أصحاب أمير المؤمنين (علي) , وقال (النجاشي) في ترجمة (رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي) ما نصه ” ثقة من بيت الثقات ” . والواضح منه أن مشاهير هذا البيت كلهم ثقات[299] .

فيما كانت قبيلة (طيء) في العراق ذراعاً ل(علي) , وقد ظلت -ولا زالت متمثلة في شقها العراقي قبيلة (بني لام) – على هذا الولاء والفاعلية . واسم (لام) كانت منتشراً في أصول (طَيء) , كما في (لام) جد (فرعة بنت سعد بن حارثة بن لام الطائي) و(زينب بنت أوس بن حارثة بن لام) , زوجات الملك (النعمان بن المنذر)[300]. وموطنها يمتد من مدينة (العمارة) الحالية حتى (ديالى) في العراق , على طول الشريط الحدودي مع ايران , وهذا سبب استخلاف (علي) ل(عدي بن حاتم الطائي) على (المدائن) عند مسيره الى (صفّين)[301], وكذلك قتل الخوارج ثلاث نساء من (طيء) هناك , وتحدهم الأهواز شرقا , لذلك كانوا هم المدد الذي وصل الى جيش امير المؤمنين (علي) عند قتال الخوارج الذين نهبوا بيت مال الأهواز , وكان على رأس المدد (خالد بن معدان الطائي)[302], وتحدهم قبائل (ربيعة) وقبائل (أسد) وقبائل (الازد) الكوفية غربا , وقسم منها كان في شمال الحجاز حول جبل (طيء) ودولة (آل الرشيد) . وقسم اخر كبير جداً يمتد من الاْردن حتى داخل فلسطين , لذلك كان من هذا القسم الأخير البعض من (طيء) في جيش (معاوية)[303], وهو امر يكشف تعدد ولاءات القبائل الكبيرة , لكن مع بقاء عمودها هو المقياس , وقد كان عمود (طيء) في العراق . لهذا كانوا في كتائب جيش الستين الفاً الذي خرج لحرب أهل الشام بعد تحكيم الحكمين[304] . ويبدو من تولية رسول الله زعيمها (عدي بن حاتم) على صدقات (طيء) و(أسد) ان أرضهم كانت واحدة[305]. وقد ضمن احد رجالاتها وهو (احمد بن محمد الطائي) خراج نصف العراق للدولة العباسية في أيام (المعتضد)[306].

وقد فقد سيدها (عدي بن حاتم الطائي) أولاده الثلاثة الفرسان فداءً ل(علي) , حيث شهدوا (صفّين) و(النهروان) مع (علي) فقُتلوا , بعد أن فقئت عين (عدي)[307], فقئت يوم (الجمل) , مات عام 68 هجرية وهو ابن مائة وعشرين سنة , كان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (علي) [308], وقد كان احد رسل رسول الله بكتابه الى قيصر الروم[309]. وله الموقف المشرف البطولي عندما رفع أهل الشام المصاحف على رؤوسهم حيلة , اذ قام فقال ( يا أمير المؤمنين , إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق , فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم , وكلٌّ مقروح , ولكنا أمثل بقية منهم , وقد جزع القوم , وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجز القوم )[310]. وكان احد رؤساء العراق المبادرين لحرب الخوارج فور نزول امير المؤمنين (علي) عن المنبر يستحث الناس . وحين خرج (الحسن بن علي) يستنهض الناس لملاقاة جيش أهل الشام القادم الى العراق , بعد رحيل امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) , وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له , فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف , فلما رأى ذلك (عدي بن حاتم) قام فقال ( إنا ابن حاتم , سبحان الله , ما أقبح هذا المقام , ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم , أين خطباء -مضر- المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة , فإذا جد الجد فروّاغون كالثعالب , أما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها ) , ثم استقبل (الحسن) بوجهه , فقال ( أصاب الله بك المراشد , وجنّبك المكاره , ووفقك لما تحمد وِرده وصدره , قد سمعنا مقالتك , وانتهينا إلى أمرك لك , وأطعناك فيما قلت وما رأيت , وهذا وجهي إلى معسكري , فمن أحب أن يوافيني فليواف ) . ثم مضى لوجهه , فخرج عن المسجد ودابته بالباب فركبها , ومضى إلى (النخيلة) , وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه , فكان (عدي بن حاتم) أول الناس عسكرا[311]. وكان من الثوار المجلبين الناس على (عثمان) , والذين شاركوا في قتله[312]. وكان من عظيم وعيه انه يصرح ببغضه ل(آل الوليد بن المغيرة المخزومي) في شعره , لما يعلمه من نفاقهم , ومنه يمكن معرفة مستوى عقيدته العالي ومعرفته العميقة بحق الإسلام[313].

ومنهم (بشر بن العشوش الطائي الملقطي) فارس شاعر , مخلص في ولائه ومحبته لأمير المؤمنين , حضر (صفّين) وقاتل قتالاً شديدا , حيث حاربت (طيء) مع أمير المؤمنين حرباً عظيمة , وتداعت وارتجزت , وقُتل منها أبطال‌[314].

كذلك (سعيد بن عبيد الطائي) قُتل في 37 ه , اشترك في (الجمل) , وقتل ب(صفّين) . ولما نزل أمير المؤمنين (الربذة), أتته جماعة من (طيء) , وفيهم (سعيد) فقال ( يا أمير المؤمنين … أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية, وأقاتل عدوك في كل موطن, وأرى لك من الحق ما لا أراه لأحد من أهل زمانك .. ) , فقال (علي) له ( رحمك اللّه , قد أدى لسانك عما يجن ضميرك ) , فقتل معه ب(صفّين)[315].

ومنهم (عبد الله بن خليفة) , كان شيعياً شاعراً خطيبا , حيث قاتلت (طيء) مع (علي) قتالاً شديدا , فعبيت لهم جموع , فناداهم (عبد الله) ما نصه ( يا معشر طيء , فدى لكم طارفي وتالدي , قاتلوا على الدين والأحساب )[316].

 

ومن طَي (لأم بْن زياد بْن غطيف بْن سعد بْن الحشرج الطائي) , وهو اخ (عدي بن حاتم الطائي) لأمه , وقد ولّاه (علي بن ابي طالب) على (المدائن)[317], اذ كانت ارض (طيء) العراق تمتد من جبل (اجا) في (نجد) الى (ديالى) الْيَوْمَ في العراق , وهي الأرض التي حمتها (بنو لام) طيلة قرون , اذ كان حلفها يعادل حلف (المنتفك) ل(بني أسد) و(بني مالك) في الوظيفة والعقيدة . وقد كانت راية (علي) مع (ابي الجوشاء الطائي) يوم خرج من الكوفة الى (صفّين)[318] .

وعند بدء مسير (علي بن ابي طالب) لرد جيش (عائشة) و(طلحة) و(الزبير) , قبل بدء معركة (الجمل) , وهوب(الربذة) , أتته جماعة من (طيء) , فقيل له “هذه جماعة قد أتتك منهم من يريد الخروج معك , ومنهم من يريد التسليم عليك” , قال ( جزى الله كليهما خيرا , وفضّل المجاهدين على القاعدين اجراً عظيما ) . ثم سار من (الربذة) , حتى نزل ب(فيد) , فأتته (أسد) و(طيء) فعرضوا عليه أنفسهم , فقال الزموا قراركم في المهاجرين كفاية , كما فعلت بعدهم (بكر بن وائل)[319]. ومنه يُعلم حجم ولاء هذه القبائل .

 

اما (خزاعة) , كان شاعرها (دعبل) أيقونة الولاء ل(علي بن ابي طالب) وأولاده لاحقا , وصارت جزءاً رئيساً من منظومة التشيع في جنوب العراق . قال (الزهري) ما نصه ( كانت خزاعة عيبة نصح رسول الله , مسلمها ومشركها , لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة )[320]. فكان الشاعر الماهر (دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن سليمان بن عبد الرحمن بن بديل) حفيد الصحابي (بديل بن ورقاء الخزاعي) أحد أهم أنصار (علي بن أبي طالب) وقائد كتائب (خزاعة) معه . وكان شاعراً شيعياً متديناً قوياً في نصرة أهل بيت النبي , ومن أصحاب عدة أئمة لا سيما الإمام (علي بن موسى الرضا) . كان يهجو خلفاء العباسيين صراحة . بل كانت عائلة (آل ورقاء) تتضمن رواة الحديث من أصحاب أئمة أهل البيت إلى نهاية القرن الثاني الهجري[321]. ومن قبل  كما فعل (معبد الخُزاعي) في المكيدة ضد المشركين لصالح المسلمين في غزوة (حمراء الأسد)[322]. وقد كانت (خزاعة) حلفاء ل(بني هاشم) قبل الإسلام , لما علموا من سماحتهم ونهجهم في الحق , حتى قال شاعرهم بعد الإسلام , وقبل الفتح ( يا رب أني ناشد محمداً * حلف ابيه وأبينا الاتلدا , ان قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا , هم بيّتونا بالوتير هجّدا * وقتلونا ركّعاً وسُجّدا ) . فكان ان اختارت (خزاعة) يوم الحديبية ان تكون في صف النبي (محمد) , رغم سكنها بين ظهراني المشركين من قريش[323]. وكما هو واضح في ابيات الشاعر الخُزاعي (وقتلونا ركّعاً وسُجّدا) ان (خزاعة) كانت مسلمة حينها . اوفي رواية أخرى قال : قتلونا وقد أسلمنا[324].

وحين سارت قريش لحرب النبي , ووصلت الى (الأبواء) , الموضع الذي فيه قبر (آمنة) أم النبي , فأرادوا نبش قبرها , أشارت بذلك (هند بنت عتبة) , فمنع منه ذوو الرأي منهم , وقالوا ” لو فعلنا نبشت (بنو بكر) و(خزاعة) موتانا عند مجيئهم ” , وكانوا حلفاء رسول الله[325] .

ومن شعر (سليمان بن صرّد الخزاعي) , الذي يجيب فيه شعر حامل لواء سيد أهل اليمن في الشام (حوشب ذي ظليم) , الذي هاجم فيه أهل العراق واتهمهم بالتذبذب , يمكن فهم ان قسماً كبيراً من قبيلة (خزاعة) كانوا من أهل العراق الاصلاء , اذ قال ( … امسى عليٌّ عندنا محببا * نفديه بالأم ولا نبقي أبا )[326].

وكان على ميمنة (علي) يوم (صفّين) الأمير (عبد الله بن بديل بن ورقاء الخُزاعي) , حيث زحف على ميسرة (معاوية) , فلم يزل يحوزهم , حتى اضطرهم إلى قبة (معاوية) , وهو يحرض أصحابه فيقول ( ألا إن معاوية ادعى ما ليس له , ونازع الحق أهله , وعاند من ليس مثله , وجادل بالباطل ليدحض به الحق , وصال عليكم بالأعراب والأحزاب الذين قد زيّن لهم الضلالة , وزرع في قلوبهم حب الفتنة , ولبس عليهم الأمر , وزادهم رجساً إلى رجسهم , فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم , قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) , فأقبل الذين تبايعوا على الموت إلى (معاوية) , فأمرهم أن يصمدوا ل(ابن بديل) في الميمنة , فأنجده (الأشتر) في جماعة من القراء نحو المائتين أو الثلاثمائة , فخالف وصية (الأشتر) بالثبات وعدم التقدم , من شدة حماسه , ومضى نحو(معاوية) , وحوله كأمثال الجبال وبيده سيفان , وخرج (عبد الله) أمام أصحابه يقتل كل من دنا منه , حتى قتل جماعة , ودنا من (معاوية) , فنهض إليه الناس من كل جانب , وأحيط به وبطائفة من أصحابه , فقاتل حتى قُتل , وقتل ناس من أصحابه , ورجعت طائفة منهم مجرحين , فاستنقذ (الأشتر) الباقين , فلما رآه (معاوية) قال ( هذا عبد الله بن بديل , والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا , فضلاً عن رجالها )[327]. ذكره (البخاري) في تاريخه أنه ممن دخل على (عثمان) , فطعن (عثمان) في ودجه . أسلم مع أبيه قبل الفتح , وشهد الفتح وما بعدها , وكان شريفاً وجليلا , قُتل هو وأخوه (عبد الرحمن) يوم (صفّين) مع (علي) , وكان على الرجالة[328]. وقد فتح (عبد الله بن بديل الخزاعي) بلاد (همذان) و(أصفهان) من إيران[329].

ومن وجوه (خزاعة) الصحابي المحدّث الثقة الراوي (سليمان بن صرّد بن الجون الخزاعي) , المقتول 65 ه , وعمره فوق التسعين , رئيس جماعة التوابين يومئذ , خرج في أربعة آلاف يطلبون بدم الإمام (الحسين) , فقُتل يوم (عين الوردة) , وكانت له سن عالية , وشرف في قومه, نزل الكوفة بعد وفاة النبي , حين نزلها المسلمون , وشهد (الجمل) و(صفّين)[330], وكان ممن كتب الى (عثمان بن عفان) يعترض على سياسته الدنيوية[331] .

ومن (خزاعة) كذلك الصحابي (عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي) , مولى (نافع بن عبد الحارث الخزاعي) , سكن الكوفة , وولّاه أمير المؤمنين على خراسان[332].

ومن وجوه (خزاعة) البيض الصحابي (عمرو بن الحمق الخُزاعي) , الذي أسلم قبل الفتح , وهاجر الى (المدينة) , فكان الصحابيّ البر الذي حظي بدعوة النبي بأن يمتعه اللّه بشبابه , فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير له شعرة بيضاء , على صباحة في وجهه كانت تزيده بهاء . وصحب بعده امير المؤمنين (علياً) , فكان الحواري المخلص الذي يقول له (علي) ما نصه ( ليت في جندي مائة مثلك ) , ودعا له , وتنبأ بقتله بعده , وأنذر بالويل لقاتله . وشهد معه (الجمل) و(صفّين) و(النهروان) . كان من شيعة (علي) المعروفين , المراقبين من قبل ولاة (بني أمية) , فكان حذراً خائفاً منهم على سنة (موسى بن عمران) , حتى كانت حادثة (حجر بن عدي الكندي) , فأبلى فيها بلاء حسناً , وضربه رجل من الحمراء -شرطة زياد من الموالي- يدعى (بكر بن عبيد) بعمود على رأسه , فوقع , وحمله الشيعة , فخبأوه في دار رجل من (الازد), ثم خرج فاراً , وصحبه الزعيم الآخر (رفاعة بن شداد) , نحو (المدائن) , ثم ارتحلا , حتى أتيا ارض (الموصل) فكمنا في جبل هناك , فاستنكر أمير تلك المنطقة وجودهم , وحاصرهم , وكان (عمرو) مريضاً , و (رفاعة) قوياً أراد الدفاع عن صاحبه , الا أن (عمرو) رفض وطلب منه النجاة بنفسه , فدفعهم (رفاعة) بسيفه , وظل (عمرو) , حتى أسلموه الى والي (الموصل) (عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان الثقفي), فأمرهم (معاوية) بأن يطعنوه تسع طعنات كما كان فُعل ب(عثمان) , فطُعن ومات بالأولى منهن أو الثانية[333]. وكان ممن كتب الى (عثمان) مهدداً بالثورة ايضاً . و(عمارة) الذي اشتكى (ابن الحمق) الى (ابن زياد) هو احد ولد (عقبة بن ابي معيط) المبشرين بالنار على لسان رسول الله , و (ابن ابي معيط) هو من كان يجيش ضد رسول والإسلام في (بدر) , اذ عيّر (امية بن خلف) بأنه من النساء حين اجمع على القعود وعدم الذهاب , فاستجاشه وهيّجه[334].

وكان على ميمنة (علي) يوم (صفّين) النجباء الأخيار (عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي) , ومعه من (خزاعة) عدد حسن , وعلى ميسرته (عبد الله بن العباس) وقراء العراق , مع ثلاثة نفر مع (عمار بن ياسر) و (قيس بن سعد) , والناس على راياتهم ومراكزهم , و(علي) في القلب في أهل (المدينة) والكوفة والبصرة , وعظم من معه من (المدينة) الأنصار , ومن كنانة وغيرهم من أهل (المدينة)[335].

وكانت قراءة القرآن الكريم برواية (الاعمش) تنتهي إلى (عبيد بن نضلة الخزاعي) أحد الرواة عن أمير المؤمنين (علي)[336]. وكان هناك الكثير من (خزاعة) الذين رووا عن أمير المؤمنين (علي)[337].

 

ورغم ان (الازد) بطن كبير في العرب , وفيه من اختار غير (علي بن ابي طالب) , الا ان نسبتهم العظمى كانت في عداد (علي) , أو كانت من المجموعة الإسلامية الخام .

ومنهم الصحابي (جندب بن عبد اللّه بن زهير الازدي الغامدي) , سكن الشام والكوفة , وحضر مع الإمام أمير المؤمنين حرب (الجمل) , وكان على الرجالة يوم (صفّين) وقتل فيها سنة 37 ه , قتله رأس (أزد الشام) . وفي معاجم التأريخ أخبار تدل على عظيم شجاعته وبسالته , وعلى شدة إخلاصه في حبّ (علي) , وقوة إيمانه , وجاء في بعض المراجع: أنّه كان من الصحابة الذين جاءوا مع (علي)  إلى (صفّين)[338]. وقد روي ان النبي قال لوفدهم حين جاءوا مسلمين (مَرْحَبًا بِكُمْ أَحْسَنَ النَّاسِ وجُوهًا وَأَصْدَقَهُ لِقَاءً وَأَطْيَبَهُ كَلامًا وَأَعْظَمَهُ أَمَانَةً أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ ” . وَجَعَلَ شِعَارَهُمْ مَبْرُورًا) [339].

الا ان (الازد) كانوا شعوباً , منهم (ازد العراق) , الذين آمنوا , ثم تشيعوا , وكانوا قوة الإسلام , ومنهم (ازد شنوءة) في جهة عُمان , وقد اسلموا طوعاً , لكنهم كانوا من المجتمع الخام , غير واعين لمعاني الإسلام العميقة , لذلك كان يبعث النبي مع وفدهم الرسل المعلمين لهم , ومنهم (ازد غسّان) في الشام , الذين رمى ملكهم (الحارث بن ابي شمر الغساني) كتاب رسول الله وهدد مبعوثه[340]. ويبدو ان ذلك الاختلاف في الوعي ناشئ عن القرب او البعد من مركز العراق (الكوفة) .

ومن اصول (الازد) (شريك بن الحارث الأعور بن عبد اللّه الازدي الحارثي البصري) المتوفى 60 ه , كان شاعراً متكلماً شجاعا , صحب أمير المؤمنين . ودخل على (معاوية), فقال له: ما اسمك؟ فقال: شريك, قال: ابن من؟ قال: ابن الأعور. قال: إنّك شريك وما للّه من شريك , وإنّك لابن الأعور, والصحيح خير , وإنّك لدميم سيئ الخلق , فكيف سدت قومك؟ فقال: وأنت يا (معاوية) واللّه , وما (معاوية) إلا كلبة عوت فاستعوت , فسميت (معاوية) , وإنّك لابن صخر, والسهل خير , وإنّك لابن حرب , والسلم خير , وإنّك لابن أميّة , وأميّة أمة صغرت بها , فكيف سميت أمير المؤمنين؟ فقال (معاوية) : واحدة بواحدة , والبادي أظلم . فقال (شريك) : ( أيشتمني معاوية بن حرب * وسيفي صارم ومعي لساني‌ .. وحولي من ذوي يمن ليوث* * * ضراغمة تهش إلى الطعان‌ … فلا تبسط لسانك يا ابن حرب .. متى ما تدع قومك أدع قومي …‌ يجبني كل غطريف شجاع * كريم قد توشح باليماني‌ .. فإن تك من أمية في ذراها * فإنّي من بني عبد المدان‌ ) , فقاسمه (معاوية) أن يسكت وقرّبه وأدناه[341].

كذلك (أبو صفرة ظالم بن سراق بن صبيح الازدي) , مات بالبصرة , وصلّى عليه أمير المؤمنين , من أصحاب (علي) . وقدم بعد (الجمل) , وقال ل(علي)  “أما واللّه لو شهدتك ما فاتك أزدي” . وابنه الأمير الشهير (أبوسعيد المهلب) , كان من أشجع الناس وحمى البصرة من الخوارج , مات سنة 83 ه[342]. وقد كان ل(آل المهلب) بعد ذلك شأن سياسي مهم , لا سيما في دولة (آل بويه) , متمثلين بكاتب (معز الدولة) (الحسن بن محمد المهلّبي)[343], والذي كان حسن السيرة قد كشف الظلامات وقرّب العلماء والادباء , واحسن اليهم عند ولايته الوزارة[344], كما كانت لهم علاقات واسعة مع (النخع) وأبناء (الأشتر) في ثوراتهم ضد (بني أمية) .

ومن (الازد) الصحابي (مخنف بن سليم بن الحارث الازدي الغامدي) , كان نقيب (الازد) بالكوفة , وقيل إنه بصري , استعمله (علي بن أبي طالب) على مدينة أصفهان , وشهد معه (صفّين) , وكان معه راية (الازد) , ومن ولد (مخنف بن سليم) كان (أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم) صاحب الاخبار والسير[345] .

ومنهم (هبيرة بن النعمان بن قيس الجعفي) , أدرك النبي , وكان من أمراء (علي) , وشهد معه (صفّين) , واستعمله على (المدائن) , وكان شريفا[346]. وبدأ بروز عشيرة الجعفيين اليمانية منذ زمان الإمام (علي بن الحسين) ثم ازداد في زمان ولده الإمام (الباقر) ثم ارتفع في زمان حفيده الإمام (الصادق)[347].

ومن (الازد) (كُميل بن زياد النخعي) , من صحابة (علي) وشيعته وخاصته, وقتله (الحجّاج) على المذهب فيمن قتل من الشيعة[348]. و (شبيب بن عامر الازدي) عامل (علي) على (نصيبين) , كانوا -على عبادتهم- حماة (علي) على ثغور الشام , يصدون غارات جند معاوية . وقد بلغ (شبيب) لبنان وتخوم الشام في غارات منفردة له , وقد نهاه أمير المؤمنين علي عن اخذ أموال الناس ومواشيهم , وقال عنه ( رحم اللّه شبيباً لقد أبعد الغارة, وعجل الانتصار )[349] .

وقد كان النجباء من قبيلة (مذحج) الازدية العراقية في الكوفة ينتظرون انارة (علي بن ابي طالب) للتحرك , كما فعل (اويس القرني) , وهو (أويس بن عامر المرادي المذحجي القرني) , المقتول ب(صفّين) سنة 37 ه, كان من خيار التابعين ولم ير النبي ولم يصحبه, ومن الزهاد وأهل الفقه والعلم, سكن الكوفة, ثم خرج إلى (صفّين) وقد تقلد بسيفين, فسلّم على أمير المؤمنين  وودعه, وبرز مع رجالة (ربيعة) فقُتل من يومه وصلّى عليه أمير المؤمنين  ودفنه[350].

وَمِمَّا يكشف اسلام (مذحج) المبكر على يدي رسول الله ان النبي جعل امير مراد المذحجي (فروة بن مسيك المرادي) على صدقات مراد و(زبيد) و(مذحج) حين قدم عليه وفدا [351], مما يكشف عن اسلام كل هذا المجموع لما جعل عليه من ولاية الخاص . وقد ثارت (مذحج) فيمن ثار على (أبي بكر)[352] . وقد كانت دعوة (مذحج) و(طيء) واحدة في (صفّين) مع رايتين[353], مما يكشف عن قربهما .

وقد كان سيد (مذحج) (هانئ بن عروة بن الفضفاض بن عمران الغطيفي المرادي) أحد سادات الكوفة وأشرافها , وسيد (مراد) , التي كانت ارضها حيث مرقد (ميثم التمار) في العراق في قضاء الكوفة الحالي[354]. وكان من خواص (علي بن ابي طالب) , ثم كان أمير البصرة والكوفة ل(بني أمية) (عبيد الله بن زياد) يبالغ في إكرامه , إلى أن بلغه أن رسول الحسين وابن عمه (مسلم بن عقيل) عنده, فدعا ب(هانئ) وعاتبه, فأنكر, فأتاه بالمخبر, فاعترف وامتنع من تسليمه , وغضب (ابن زياد) , وضربه, وحبسه, ثم قتله, وصلبه بسوق الكوفة. وموضع قبره في الكوفة[355].

وعن (جابر بن عمير الأنصاري) قال : والله لكأني اسمع (علياً) يوم الهرير , حين سار أهل الشام , وذلك بعد ما طحنت رحى (مذحج) فيما بيننا وبين (عك) و(لخم) و(جذام) و(الأشعريين) بأمر عظيم تشيب منه النواصي من حين استقبلت الشمس حتى قام قائم الظهيرة , ثم إن (علياً) قال حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا وأنتم وقوف تنظرون إليهم ! أ ما تخافون مقت الله[356].

 

ومن (مذحج) (سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي الكوفي) , الفقيه, الإمام العابد القانع الزاهد المتواضع, كبير القدر ,  كان مولده عام الفيل, قدم (المدينة) حين نفضت الأيدي من دفن النبي , وأخذ عن أمير المؤمنين (علي) وعاد إلى الكوفة , واخذ عن (الحسن بن علي) , وكان يؤم قومه قياماً وهو ابن مائة وعشرين سنة , وروى عنه جمع كثير , كان من أولياء (علي)[357] ,  وقد وثقه أعلام الجرح والتعديل , حيث وصفه الذهبي (الإمام , القدوة)[358].

 

 

 

ومن قبائل (مذحج) ايضاً قبيلتها الأكثر ولاء ل(علي بن ابي طالب) هي (النخع) . وقد انتسب (مالك الأشتر النخعي) صريحاً الى (مذحج) في شعره , حيث قال ( انا ابن خير مذحج مركبا * من خيرها نفساً واماً وأبا )[359] . ومن المستبعد جداً أنه لم يكن صحابياً لأنه ولد قبل الهجرة بأكثر من خمسة وعشرين سنة وكان سيد قومه فليس من المقبول أنه لم يلتق رسول الله وقد لقيه الغلمان من الزعماء[360].

 

شهد (عبد الله بن مسعود)  أن النبي دعا لهم , حتى تمنى (ابن مسعود) أن يكون منهم[361]‏.‏ اُعجب الرسول بوفدهم , وكانا رجلين فقط , وسأل إن كان في قومهم مثلهم , فاخبروه أنهم تركوا وراءهم سبعين رجلاً خيراً منهم , فقال ( اللهم بارك في النخع ) . وقد شهدوا مع رسول الله فتح مكة , وكانت رايتهم مع (ارطأة بن شراحيل بن كعب) , الذي شهد بذات الراية يوم (القادسية) , فقُتل , وأخذ الراية اخوه (دريد) الذي قُتل تحتها ايضاً[362]. وهذا مما يغفله التاريخ الرسمي عمداً بسبب تشيعهم العَلَوي , ولا شك انهم عرفوا مكانة (علي) حين قدموا معه في حجة الوداع , اذ خطب النبي وأفهم الناس الا يشكوا (علياً) لأنه خشن في ذات الله , والأهم ان (علياً) كان والياً على (اليمانية) – ومنهم النخع – حتى حجة الوداع [363], كأنما أراد رسول الله ان يزدادوا ب(علي) معرفة , وهو بهم ارتباطا .

و(النخع) ارتبطت تاريخياً وعسكرياً ب(بني أسد) , حيث اشتركا في كسر جيش الفرس في معركة (القادسية) , قبل ان يدخل باقي العرب , وكانت نساء (النخع) ترفض رجوع أبنائهن مفتخرين قبل هزيمة الفرس , او الموت , لهذا تزوجت عند (القادسية) سبعمائة امرأة نخعية , رغبة من القبائل في خؤولة هذه القبيلة ذات البأس , حتى سُميت (النخع) أصهار العرب .

وقد كانوا رجعوا حينها من معركة (اليرموك) ضد الروم في الشام , وكان يقودهم (مالك الأشتر)[364] , الذي طلب الى أمراء جيش المسلمين الذين جعلهم (عمر بن الخطاب) الا يشتركوا مع (النخع) في القتال ضد الروم , بعد ان رأى تذبذب وتردد وخشية هؤلاء الامراء عند مشاهدتهم عظمة جيش الروم , فاختار القليل الصلب من قومه على الكثير المتردد من غيرهم .

ورغم ان الرواة نسبوا ان (الأشتر) اشترك في (اليرموك) ولم يشترك في (القادسية) , الا ان مقدم جيش العراق وعلى مقدمته (النخع) من (اليرموك) –وقد كان عليهم الأشتر– الى (القادسية) , وعداء رواة السلطة ل(لأشتر) يزيد الاعتقاد انه كان مشتركاً وقد ظلمته الرواية الرسمية عن (القادسية) , لا سيما ان جيش الخلافة بقيادة (ابي عبيدة) وأمراء قريش كان منكسراً خوفاً من ضخامة جيش الروم , حتى مقدم (خالد بن الوليد) بأهل العراق الى الشام , الامر الذي يكشف بسالتهم[365].

وكان (النخع) اول من بنى قبر (الحسين بن علي) وأول قرية حوله في كربلاء , حيث أمر (إبراهيم الأشتر) بأول قبة على قبر (الحسين بن علي) ومسجد وأول قرية حوله[366]. بل كان (إسحاق بن مالك الأشتر) من الشهداء مع (الحسين بن علي) يوم كربلاء[367].

وقد شاركوا في بناء الدولة المزيدية في (الحلة) , وكانوا قادتها العسكريين , ثم هاجر قسم كبير منهم مع (بني أسد) الى (بطائح ذي قار) . ومن (النخع) قبائل (ال إبراهيم) و (بني مالك) و (ال كاشف الغطاء) و (ال الكرباسي) و (ال شيخ راضي) الْيَوْمَ في العراق , و (ال معرفي) في الكويت .
ويكفي للدلالة على ولاء هذه القبيلة ذكر اسم رئيسها (مالك الأشتر) , الأمير الرئيس , من كبار الفرسان والشجعان , وكان رئيس قومه, أدرك الجاهلية وسكن الكوفة , وشهد مع أمير المؤمنين (علي) المواطن والمشاهد كلها[368]. جعله (علي) عند خروجه الى (صفّين) على خيل الكوفة , وعند اللقاء وتعاهد جمع من أهل الشام على الموت , كان على الذين خرجوا اليهم من أهل الكوفة , فلم يقصد كتيبة إلا كشفها , وقاتلت (النخع) يومئذ قتالاً شديدا , فأصيب منهم جماعة , منهم (أبي) أخو (علقمة بن قيس) الفقيه , وقطعت رجل (علقمة) يومئذ , فكان يقول ( ما أحب أن رجلي أصح مما كانت , وإنها لمما أرجو بها الثواب وحسن الجزاء من ربي ) , وكان يقال ل(أبي) ” (أبي) الصلاة , لكثرة صلاته “[369] . وكان (الأشتر) يرد المنهزمين ويجمع الصفوف اذا تشتت شملها , حتى كان محوراً في (صفّين)[370].

وقد اقبل الناس على (الأشتر) , فقالوا ( يوم من أيامك الأول , وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى ) , فاخذ (الأشتر) لواء فحمل وهو يقول ( اني انا الأشتر معروف الشتر * أني انا الأفعى العراقي الذكر .. لا من ربيعة ولا حي مضر * لكنني من مذحج الغر الغرر ) , فضارب القوم حتى ردهم على اعقابهم , فرجعت خيل عمرو . وقال (النجاشي) في ذلك ( رأينا اللواء لواء العقاب * يقحمه الشانئ الأخزر .. كليث العرين خلال العجاج .. دعونا لها الكبش كبش العراق .. فرد اللواء على عقبه * وفاز بحظوتها الأشترفإن يدفع الله عن نفسه * فحظ العراق بها الأوفر .. إذا الأشتر الخير خلى العراق * فقد ذهب العرف والمنكر .. وتلك العراق ومن عرقت * كفقع تبينه القرقر[371].

ومن الواضح من هذه الأشعار تصريح (الأشتر) بعراقيته , وأصالتها , ولا يصح لمهاجر من أهل اليمن ان يقول ذلك . كما يتضح من شعر (النجاشي) ان الأشتر (كبش العراق) لا اليمن , وتلك العراق ومن عرقت كما يقول , وليس ومن هاجرت , ولا حتى بالإشارة .

وقد غمّت بسالته (معاوية) و(مروان بن الحكم) , وجبن أمامه (عمرو بن العاص) ورجع راكضاً إلى المعسكر , فنادى غلام من قبيلة (يحصب) ( يا عمرو , عليك العفا ما هبت الصبا , يا لحِمْيَر! هاتوا اللواء ) , فأخذه , وكان غلاماً شاباً وهو يرتجز , فنادى (الأشتر) ابنه (إبراهيم) وقال ( خذ اللواء , فغلام لغلام )  فأخذه (إبراهيم) وتقدم وهو يقول ( يا أيها السائل عني لا ترع * أقدم فاني من عرانين النخع .. كيف ترى طعن العراقي الجذع … أعددت ذا اليوم لهول المطلع ) , وحمل على الحميري , حتى سقط الحميري قتيلا[372] .

وفِي ليلة المناجزة التي عزمها امير المؤمنين على أهل الشام قال (الأشتر) شعرا , فلما انتهى إلى (معاوية) شعر (الأشتر) قال ( شعر منكر , من شاعر منكر , رأس أهل العراق , وعظيمهم , ومسعر حربهم , وأول الفتنة وآخرها )[373] .

وفِي ليلة الهرير الكبرى في (صفّين) خرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح , فجعل يضرب رؤوس أصحاب (علي) بالقناة وهو يقول ( … فانظروا إلي إذا حمي الوطيس … ) . ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو (الأشتر) . وكانت رايته مع (حيّان بن هوذة النخعي) وهو يتقدم بهم . وقد رفض–من شدة وعيه– وقف القتال بعد رفع أهل الشام للمصاحف , لولا ان سمع اقدام الخوارج على قتل (علي) امير المؤمنين اذا لم يكف (الأشتر) . وقيل ل(علي) لما كتبت الصحيفة ان (الأشتر) لم يرض بما في الصحيفة ولا يرى الا قتال القوم , فقال (علي) ( بلى ان الأشتر يرضى إذا رضيت , وقد رضيت ورضيتم … وليت فيكم مثله اثنين , بل ليت فيكم مثله واحدا … ) .

ولما بلغ (علياً) قتله قال ( إنا لله وإنا إليه راجعون , مالك , وما مالك , وهل موجود مثل ذلك , لوكان من حديد لكان فندا , أو من حجر لكان صلدا , على مثله فلتبك البواكي )[374] .

وقد روى (ابن ابي الحديد) المعتزلي ( قلت لله أم قامت عن الأشتر , لو أن إنساناً يقسم أن لله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه لما خشيت عليه الإثم , ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام , وهزم موته أهل العراق ) . وقد رووا شهادة النبي له بأنه مؤمن في قصة دفن (ابي ذرّ)[375] .

ويبدوان (النخع) و(آل الأشتر) كان لهم من الموالي (النبط) من حملوا عقيدتهم , وبالتالي هي سرت عن طريقهم في غير العرب . فهذا (فرّوخ) مولى لبني (الأشتر النخعي) يحدّث أنه رأى (علياً) وكلّمه[376] . ثم اختص (آل دراج) بالدراسة عند الموالي من (آل اعين) , وهما عائلتان من اضخم عوائل الشيعة العلمية في عهد الصادقين[377]. ثم تتابعت العوائل الدينية النخعية أو من صاهرها حتى اليوم .

وَمِمَّا يبرز كفاءتهم ودورهم في نصرة (علي) قول (الأشعث بن قيس) يوم (صفّين) – وكان لواء (الأشعث) مع (معاوية بن الحارث) – فقال له (الأشعث) : لله أنت ! ليس النخع بخير من كندة , قدّم لواءك[378].

وقد كانت البسالة تظهر حتى على شبابهم وحديثي السن منهم , اذ حين قال (الأشتر) ل(سنان بن مالك النخعي) : انطلق إلى (أبي الأعور) – قائد جيش (معاوية) – فادعه إلى المبارزة , فقال (سنان) : إلى مبارزتي أو مبارزتك؟ قال : إلى مبارزتي . فقال (الأشتر) : لو امرتك بمبارزته فعلت؟ قال : نعم , والله الذي لا اله الا هو لو أمرتني أن اعترض صفهم بسيفي فعلت . فقال : يا ابن أخي أطال الله بقاءك , قد والله ازددت فيك رغبة[379].

وكان (كميل بن زياد النخعي) أميراً على مسلحة (علي) في (الأنبار) على حدود أهل الشام . ومن (النخع) أيضاً كان الصحابي (ربيعة بن مالك بن وهبيل) , شهد (صفّين) مع (علي)[380].

ومن نساء (النخع) كانت (ام الهيثم بنت الأسود) , التي رثت (علي بن ابي طالب) بقصيدة تشرح مناقبه الكريمة , قالت فيها ( ألا يا عين ويحك أسعدينا * ألا تبكي أمير المؤمنينا … ألا قل للخوارج حيث كانوا * فلا قرت عيون الشامتينا .. أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طراً أجمعينا … فكل مناقب الخيرات فيه * وحب رسول رب العالمينا .. لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا … وكنا قبل مقتله بخير * نرى مولى رسول الله فينا … فلا تشمت معاوية بن صخر * فإن بقية الخلفاء فينا )[381]. و (أم الهيثم النخعية) هذه هي ذاتها من استوهبت جثة (عبد الرحمن بن ملجم) , قاتل أمير المؤمنين , وأحرقتها بالنار[382].

ورغم أن القبائل التي ساندت دولة (المختار) الثورية وقاتلت لنصرتها عشائر من (النخع) و(مذحج) و(أسد) و(همدان) و(تميم) و(كندة) و(ربيعة) والأنصار والموالي ( الحمراء ) , وهو الخليط العراقي ذاته الذي ظل يحمل راية التشيّع لقرون بعد ذلك , ورغم أن هذا لا يعني أن أكثر تلك القبائل قد شاركت , إلا أن بعض تلك القبائل انضمت خجلاً أو هيبة لإبراهيم , بدليل أنه ما إن خرج من الكوفة لقتال بني أمية حتى انقلبت بعض العشائر على (المختار) وحاصرته , لولا أن عاد (إبراهيم) وطهّر الكوفة منهم[383].

 

ويبدو من خلال السياق التاريخي ان (النخع) كانوا يسيرون مع (علي) حيث سار , اذ لا يذكرهم المؤرخون فيمن يعرضون أنفسهم عليه , كما كان حال القبائل الموالية الأخرى , لكنهم موجودون في كل معركة , كما ان رئيسهم (الأشتر) كان رسول (علي) في عدة مناسبات , او جليسه , او قائد جيشه , دون فاصلة من موعد او استنصار , او ان يندبهم قبلها . وكانت (النخع) و(طيء) هم الصابرون حين اشتد قتال (صفّين) وبلغت ذروتها[384].

بل ان قبيلة (النخع) كانت مصدر الفقه لدى أبناء العامة من غير الشيعة (مذاهب السنة والجماعة) . وربما كان (النخع) يعرضون علمهم على من يخالف آل البيت النبوي , لا بعنوانهم الشيعي , بل ربما بعنوان عام , بل كان بعضهم , مثل الفقيه (إبراهيم النخعي) , لا يروي الحديث بالإسناد والنص وانما بالمعنى , ربما لتجنب الحساسيات السياسية . فكان فقهاء (النخع) ربما هم مصدر اغلب الفقه السني , ولولاهم ربما لوُجد فقه ودين اكثر ابتعاداً عن آل بيت النبي (محمد) , بفعل التأثيرات الاموية .

فهذا (علقمة بن قيس النخعي) يصفه (الذهبي) – على تشدده المذهبي السلفي – في ” سير أعلام النبلاء ” ب( فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها , الإمام , الحافظ , المجود , المجتهد الكبير )[385] . رغم ان (علقمة) كان من أصحاب امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) , ومن جرحى معركة (صفّين) , ومن أصحاب واشباه الصحابي (عبد الله بن مسعود) الذي قاد الثورة القرآنية ضد (عثمان بن عفان)[386] .

بينما يصف (الذهبي) في ذات الكتاب (أبا عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي) ب( الإمام الحافظ , فقيه العراق , … , أحد الأعلام ) , رغم ان (إبراهيم النخعي) مات وهو مختفٍ ومتوارٍ عن عيون الطاغية (الحجّاج بن يوسف الثقفي) , مما يرجّح كونه من شيعة اهل البيت .

ومن علماء (النخع) لدى العامة (عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي) , الذي يصفه (الذهبي) في الجزء الرابع من ” سير أعلام النبلاء ” ب( الإمام الفقيه ) , كباقي أعلام (النخع) الذين انفردوا كثيراً بعنوان الإمام لدى العامة من (اهل السنة والجماعة) . رغم ان (عبد الرحمن بن يزيد) هو ابن اخي (علقمة بن قيس النخعي) احد انصار (علي بن ابي طالب) وأصحاب (عبد الله بن مسعود) , وكذلك روى عن (الاشتر النخعي) رأس التشيع في (النخع) , وروى عن الصحابة من شيعة (علي) مثل (سلمان الفارسي المحمدي) و(حذيفة بن اليمان)[387] .

وكذلك منهم (أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي) , الذي وصفه (الذهبي) في الجزء الرابع من “سير أعلام النبلاء” ب( الإمام , القدوة … من رؤوس العلم والعمل ) . رغم ان (الأسود بن يزيد) كان ممن حملهم والي (عثمان بن عفان) الى الشام , بسبب نقدهم وكلامهم في فعال الخليفة[388], مما يرجّح كونه شيعيا .

ومنهم (يزيد بن معاوية النخعي) , الذي عده (أبوبكر بن ابي خيثمة) في “العُبّاد” من رتبة (كميل بن زياد النخعي) و(اويس القرني) , وكلاهما شيعيان . وروى له (البخاري) , وعده (ابن حبّان) في “الثقات”[389] .

واشترك (النخع) بقيادة (سليمان بن خالد) في ثورة كبرى هي ثورة (زيد) الشهيد , وهم يقرّون تمام الإقرار بإمامة (جعفر بن محمد الصادق)[390] .

ومن (النخع) كان (أسامة بن سلمان) , أستاذ (عمر بن نعيم المقصوص)[391] , والأخير هو مؤدب (معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي) , الذي تنازل عن الخلافة بعد أبيه لأنه يراها من حق (آل محمد) , وأن اباه وجده كانوا من الظالمين , فغضبت عليه امه , واتفقت مع (بني أمية) على جعل الخلافة ل(مروان بن الحكم) , واخذ الامويون (عمر بن نعيم المقصوص) ولاموه في ما صار اليه حال (معاوية بن يزيد) من حب (آل محمد) , ودفنوه حيا[392]. فكان أول من عمم العقوبة الظالمة وأخذ الجار بذنب جاره والقريب بذنب قريبه الأموي (مروان بن الحكم)[393].

وكان هناك الكثير من النخعيين الذين رووا عن أمير المؤمنين (علي)[394]. وكان (موسى بن عبد الله النخعي) الراوي للزيارة الجامعة لمفاهيم التوحيد والإمامة الإسلامية الشيعية وأدلتها عن الإمام (علي بن محمد الهادي) كأنها خاتمة عهد التأصيل[395].

 

 

 

ومن (سبأ) عرف قسم كبير من (الأشعريين) حق (علي) , تأثراً ب(سبأ) العراق . رغم ان منهم من كان مضطرباً (عمري) الهوى ك(أبي موسى الاشعري) , ومنهم من كان في جيش (بني أمية) . وقد أقام هذا القسم مدينة العلم والدين (قم) العَلَوية في ايران لاحقاً . وقد شهدوا مع رسول الله غزوة (أوطاس) , حيث رثى خصمهم قاتلا زعيم الأشعريين[396].

ومن (سبأ) قبيلة (همدان) , التي كانت رمز الولاء ل(علي) , والتي سكنت الكوفة , ثم هاجر قسم منها شرقا . وعن (البراء بن عازب) أن اسلام (همدان) جميعاً كان في يوم واحد , على يد (علي) , وأن رسول الله سجد شكراً لإسلامهم وقال (… السلام على همدان )[397] . وهذه السجدة النبوية والسلام إنما هي رسالة عظيمة للأمة منه , تخبر عن دور عظيم لهذه القبيلة بعده . ومن ذلك اليوم صارت (همدان) من أنصار (علي) وشيعته وأخلصت في ذلك . وقد قال فيهم النبي أيضاً حين وفدوا اليه ( نِعْمَ الْحَيُّ همدان , مَا أَسْرَعَهَا إِلَى النَّصْرِ , وَأَصْبَرَهَا عَلَى الْجَهْدِ , مِنْهُمْ أَبْدَالٌ وَفِيهِمْ أَوْتَادُ الإِسْلامِ ) , فَكَتَبَ لَهُمُ النَّبِيُّ كِتَابًا[398].

ولما رد (أربد الفزاري) على (علي) , قبل حرب (صفّين) , وهرب , لحقته (همدان) إلى سوق (البراذين) , فقتلوه وطئاً بأرجلهم وضرباً بأيديهم ونعال سيوفهم . قال لهم أمير المؤمنين (علي) يوم (صفّين) : يا معشر همدان أنتم درعي ورمحي[399]. كما قال ( دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئامِ … جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم سمام … فلو كنتُ بواباً على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام )[400].

وقد صُرع ارفع رؤوسها (بريد , شتير , شرحبيل , كريب , مرثد , هبيرة) ب(صفّين) , كلّ واحد يأخذ اللواء بعد الآخر, حتّى استشهدوا جميعاً سنة 37 ه , وكانوا قد صبروا في ميمنة (علي) , وكانوا في مقدمة رجال (مالك الأشتر) , وكلهم من رؤساء القبيلة[401], ومن يعرف ما (مالك) ل(علي) يعرف ما معنى وجود (همدان) معه . وقد جاء أنّ (مالك الأشتر) استقبله شباب من (همدان) , كانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ , تعاهدوا على الموت , وكانوا صبروا في الميمنة , فقتلوا جميعاً في (صفّين) سنة 37 ه[402] .

وحين انتدب (معاوية) قطيع أهل الشام (عك) لقتال خير أهل العراق (همدان) , اشترطت (عك) زيادة العطاء من المال والإقطاع من الأراضي كي تقاتل (همدان) , فجعل لها (معاوية) ما اشترطت , فكانت أشد اقداماً طمعاً , ثم حمية وعصبية قبلية بعدئذ , فصمدت لها (همدان) , وقد اقسم أبناؤها انهم لن يرجعوا حتى تولي (عك) عن مقامها , فكان هذا . وحين حزن امير المؤمنين من طمع النفوس المريضة الى مال (معاوية) , جاءت (همدان) تخبره انها تريد الآخرة , فحمد فعلهم واثنى عليهم[403] . وقد كان بعض (همدان) رسل (علي) الى الأقاليم وصد الغارات , مثل (مالك بن كعب الهمداني) , الذي بعثه الى (دومة الجندل) , لصد غارات جند (معاوية) , ودعوة أهلها الى الحق[404] .

وكان رأس (همدان) الأعظم الكريم المحامي الثابت (سعيد بن قيس الهمداني الكوفي) , الفارس الذي شهد (الجمل) , وقيل إنّ أمير المؤمنين (علي) أقامه بالكوفة , ليأمن عليها . ويُعتبر من كبار التابعين ورؤسائهم , وزهادهم . حضر (صفّين) , وكان من المخلصين في ولاء (علي) , ومن الشجعان المعروفين , وكان سيد (همدان) وعظيمها والمطاع فيها , وله ب(صفّين) مقامات مشهودة مشهورة , وله فيها أشعار , وبعد (علي) التحق بالإمام (الحسن) وكان ملازماً له[405]. وحين أراد امير المؤمنين (علي) الخروج الى الشام بعد قصة الحكمين بالباطل , وعزّ الناصر , قام (سعيد بن قيس الهمداني) فقال : يا أمير المؤمنين سمعاً وطاعة ووداً ونصيحة , أنا أول الناس جاء بما سألت[406].

ومن (همدان) (الحارث الأعور الهمداني)  مات 65 ه , محدّث ثقة , صادق , من أوعية العلم ومن كبار علماء التابعين , ومن أفقه علماء عصره , وتعلّم من أمير المؤمنين (علي) علماً جمّا , سيّما علم الفرائض والحساب , وكان من القراء , قرأ على (علي) و (عبد اللّه بن مسعود)[407].

ومن هذه القبيلة ايضاً (برير بن خضير الهمداني المشرقي) الشهيد 61 ه , كان زاهداً عابدا , سيد القراء , تابعياً ناسكا , من أصحاب (علي) , وأقرأ أهل زمانه , وكان من أشراف الكوفة . ولما بلغه خبر الإمام (الحسين)  وتوجهه إلى العراق سار من الكوفة إلى مكة , واجتمع به , وجاء معه إلى كربلاء , واستشهد يوم عاشوراء , له كتاب القضايا والأحكام[408].

ومنهم (يزيد بن قيس الهمداني) , والٍ من الرؤساء الكبار , أقامه قراء الكوفة أميراً عليها , ثم كان مع (علي) في حروبه , وولي شرطته , ثم ولاه أصبهان والريّ وهمذان , وكان من خطباء (صفّين) , وهو المعني بقول (ثمامة) : معاويَ ان لا تسرع السير نحونا * فبايع علياً او يزيد اليمانيا[409].

ومنهم (حجر بن قيس الهمداني المدري) من المختصين بخدمة أمير المؤمنين (علي) , ويقال له (الحجوري) , كان من خيار التابعين , وفي الطبقة الأولى ممن كان باليمن , بعد الصحابة من المحدّثين . أقامه (أحمد بن إبراهيم) أمير (بني أمية) في الجامع ليلعن (علياً) , أو يُقتل , فقال (حجر الهمداني) : أما إنّ الأمير (أحمد بن إبراهيم) أمرني أن ألعن (علياً) فالعنوه‌ لعنه اللّه . قال (طاوس) : فلقد أعمى اللّه قلوبهم , حتّى لم يقف أحد منهم على ما قال . وكان يقصد العنوا (أحمد بن إبراهيم)[410].

ومن أشهر أعلام قبيلة (همدان) في زمان العباسيين الشيخ الحافظ (احمد بن محمد بن سعيد) المعروف ب(ابن عقده) الذي كان يحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث , كان من الشيعة الثقات لدى الجميع رغم كونه زيدياً جارودياً , إلا أن العامة تركوه لأنه كان يحدّث الناس بمثالب الثلاثة في جامع (براثا) رغم اعترافهم بصدقه . وكان ابنه (ابو نعيم الحافظ) شيعياً إمامياً[411].

 

فيما يمكن معرفة عمق العقيدة العلوية في قبيلة (همدان) من موقف (سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية) , شاعرة من شواعر العرب , ذات فصاحة وبيان وقدرة , ومن نصيرات أمير المؤمنين (علي) , والتي كانت تحض الرجال على القتال . وفدت على (معاوية بن أبي سفيان) , فاستأذنت عليه , فأذن لها , فلما دخلت عليه سلّمت , فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين , قال لها: أنت القائلة لأبيك: ( شمّر لفعل أبيك يا ابن عمارة * يوم الطعان وملتقى الأقران‌ .. وانصر علياً والحسين ورهطه * واقصد لهند وابنها بهوان‌ .. إنّ الإمام أخا الإمام محمد * علم الهدى ومنارة الإيمان‌ .. فقُدْ الجيوش وسر أمام لوائه * قُدمْاً بأبيض صارم وسنان‌ ) ؟ قالت: إي واللّه , ما مثلي من رغب عن الحق , أو اعتذر بالكذب . قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب (علي) واتّباع الحق . قال: فواللّه ما أرى عليك من أثر (علي) شيئا . قالت يا أمير المؤمنين: مات الرأس وبتر الذنب , فدع عنك تذكار ما قد نسي , وإعادة ما مضى . قال: هيهات , ما مثل مقام أخيك يُنسى , وما لقيت من قومك وأخيك . قالت: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين , ما كان أخي خفيّ المقام , ذليل المكان[412]. وقد شاركت قبيلة (همدان) إلى جانب قبيلة (النخع) في ثورة (المختار الثقفي)[413].

 

 

وان كانت (طيء) و(خزاعة) و(الازد) و(مذحج) و(النخع) و(الأشعريون) و(همدان) من قبائل (سبأ) القحطانية , فقد كان خيرتهم الصحابي الجليل (عمار بن ياسر بن مالك العنسي) من (مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان) . آتاه اللّه تعالى الحكمة, وأجلسه على كرسي الاستقامة, وأشرق عليه أنوار الملكوت. من كبار الصحابة هاجر مع النبيّ إلى (المدينة), فهو من المهاجرين الأولين. وشهد (بدراً) والمشاهد كلها, وصلّى القبلتين. ولرسول اللّه فيه فضائل ومناقب وثناء. ساهم في بناء مسجد (قباء) , واشترك في حرب (اليمامة), وقطعت أذنه. استشهد ب(صفّين) سنة 37 ه, ودفنه أمير المؤمنين (علي) بثيابه, ولم يغسّله ودفنه ب(صفّين). وخلّف (سعداً) و (محمداً). وعمره يوم قتل ثلاث وتسعون سنة, له 62 حديثا في كتب السنن[414]. وقد شهد (عمرو بن العاص) عند قتله في مجلس (معاوية) ان النبي قال تقتله الفئة الباغية , فأغضب (معاوية) منه[415]. وقد كان مميزاً لأهل الباطل في زمان النبي , حتى انه كان على خلاف حاد مع (خالد بن الوليد) , وهو الخلاف الذي وصل الى سمع النبي فبيّن مقام (عمار) وأن من يعاديه يعادي الله[416]. وهو سبب تسمية الشيعة بالسبئية .

 

ابن السوداء

(السبئية) , او اصحاب (عبد الله بن سبأ) , هي التهمة التي طالما ساقها بعض الكتّاب المخالفين للتشيع ضد من يشايع (علياً) واهل بيته , اومن يدعي العصمة في الائمة من ذرية الرسول (محمد) . وبالتأكيد هي تهمة لا تستقيم مع ما يملكه مذهب التشيع من عقائد راسخة ذات براهين ساطعة , وفلسفة عالية , ومسانيد تأريخية محكمة .

لكن على كل حال , عند جمع المقالات في هذا الموضوع تبرز صورة اخرى عن حقيقة اتهام الشيعة بهذه التهمة , وتفرض سؤالاً , مفاده : اذا كان (عبد الله بن سبأ) شخصية وهمية , لماذا اختار مبتدعوها لها هذا الاسم ؟ .

وقبل الاجابة عن هذا السؤال , يجب مراجعة بعض الآراء الاسلامية وغير الاسلامية المختلفة حول حقيقة وجود هذه الشخصية وصفاتها , ثم صياغة رأي منطقي حول الاسباب الكامنة وراء اختراع هذه الشخصية , وبهذا الاسم (عبد الله بن سبأ) .

ان ملخص رواية المثبتين لوجود هذه الشخصية في التأريخ الاسلامي على النحو التالي : أنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الاسلام في عصر (عثمان بن عفان) , واندسَّ بين المسلمين , وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم , في الشام والكوفة والبصرة ومصر, مُبشّراً بأنّ للنبيّ (محمد) رجعة , كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة, وأنّ (علياً) هو وصيُّ (محمد) , كما كان لكلّ نبيٍّ وصيُّ , وأنّ (علياً) خاتم الاوصياء كما كان (محمد) خاتم الأنبياء , وأنّ (عثمان) غاصب حق هذا الوصيّ وظالمه فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله. وسمّوا بطل قصّتهم (عبداللّه بن سبأ) ولقّبوه بـ ” ابن الامة السوداء ” , وزعموا أن (عبداللّه بن سبأ) هذا بثّ في البلاد الاسلامية دُعاته , وأشار عليهم أن يُظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر , والطّعن في الاُمراء. فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين . ومن هنا ولد مذهب التشيع , على رأيهم .

وابتدأ هذا الادعاء منذ زمان (الطبري) , وهو اول راوٍ للاسم المدّعى , الى وقت تبنيه رسميا على يد الوهابية السلفية . ولعل اشهر ما كتبه السلفيون اليوم , غير ما كتبه (احسان الهي ظهير) , هي رسالة الماجستير للباحث (سليمان بن حمد العودة) بعنوان ” (عبد الله بن سبأ) وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ” .

اما المستشرقون الذين تبنوا هذه الدعوى فقد اخذوا جميعاً –على التحقيق– عن (الطبري) وراويه (سيف بن عمر) , ومع ذلك فهم عاشوا ذات التناقض الذي عاشه اصحاب هذه الدعوى من المسلمين , يقول (ولهاوزن) في كتاب ” الدولة الاموية وسقوطها ” ” وللمتطرّفين أسماء مختلفة .. وكانوا أوّلاً يُسمّون السبائية. ويقول سيف بن عمر إنّ السبائية كانوا منذ أوّل الامر أهل الشرّ والسوء .. هم قتلة (عثمان), فتحوا باب الحرب الاهلية .. وتولّد عنهم انهيار الإسلام … وكان موطنهم الكوفة وضواحيها, وليسوا من العرب وحدهم, بل معظمهم من الموالي, وهم يعتقدون بتعاليم (ابن سبأ) في تقمُّص الارواح … فمن مُؤَلِّهي (ابن الحنفية) ولد مؤلّهو ابنه وهم الهاشمية , ولم تنطفئ السبئية في الكوفة … فالمؤامرة العباسية تشابه تمام المشابهة مؤامرة السبئيّين . كما يصفها (سيف) , ومركز قيادتها في الكوفة أيضاً, فمن الكوفة كانت تنتشر دعوتها إلى خراسان .. إنّ الحركة في كلتا الحالتين دعمها الموالي الفُرس ووُجّهت ضدّ العروبة في الاسلام, … “[417].

ومن الواضح ان الذي يقرأ كلامه , دون ان يعرف اسمه , سوف يتصور ان المتحدث هو احد وهابية السلفية اليوم ! . والرجل كما يبدو كان حريصاً على دولة الاسلام ونجاتها من مؤامرات السبئية , حتى انه نسي ان يربط بين الحلقات التأريخية لظهور من يسميهم بالسبئية , وان يعالج المتناقضات في مرويات من ينقل عنهم حول فرقة السبئية ! . ونسبة قتل (عثمان) اليهم وحدهم تجنٍّ , فقد اشتركت قريش –كما اشترك المهاجرون والأنصار– في حصاره ودمه[418].

والحقيقة ان ما نسبه هؤلاء المتبنون لدعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ من قدرات وامكانيات سياسية واقتصادية واعلامية وحنكة ودهاء لهو ما لم يتوفر لأعظم الشخصيات بل المنظمات والدول على مر التأريخ , فهذه الشخصية التي غيرت مجرى الاحداث في صدر الاسلام , واثرت في كل الامصار والاصقاع المتباعدة , لتحدث ثورة الصحابة ضد (عثمان) , لهي كفيلة بالقضاء على النبوة والاسلام في مهدهما لو تبناها اليهود منذ البداية ! .

ولو تقبّل إنسان دعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ , وانها قامت بما رووه عنها , واثرت في اعاظم الشخصيات الاسلامية بالموافقة والمخالفة , وصارت هي المحرك العملي في الدولة الاسلامية , لكان من اللازم إساءة الظن بمجمل الصحابة الذين اداروا دفة الدولة الاسلامية عبر الحكم او المعارضة , لأن ذلك يوحي أنهم كانوا من السذاجة –وحاشاهم– بحيث يتلاعب شخص واحد بهم وبمقدرات دولتهم , التي انتجتها الرسالة المحمدية , رغم انه لم يُسلم الا في ايام (عثمان) , وكان يهوديا !. وبالتأكيد ان النتيجة الاخيرة غير مقبولة اسلاميا , وتدل دلالة واضحة على ضعف متن هذه الدعوى وسذاجتها .

ولكنّ الحلقة الاضعف كانت هي المستند التاريخي لدعوى وجود هذه الشخصية , وقد تكفّل ببيانه جملة من الباحثين من السنة والشيعة على حد سواء , وابرزهم الدكتور (طه حسين) في كتابه ” الفتنة الكبرى ” , الذي رأى الامر برمته منحولاً غير مقبول وغير منطقي , وقد أعرض عنه المؤرخون[419] , والدكتور (عبدالعزيز الهلابي)[420] , الذي رأى أن (سيف بن عمر) أراد طعن الشيعة في الصميم , وذلك بنسبة مذهب التشيع إلى يهودي حاقد على الإسلام , يريد تقويضه من الداخل , وأن افكار الشيعة -المعتدلين منهم والغلاة- ليست سوى أفكار هذا اليهودي[421].

وكذلك تبعهم من باحثي المسلمين السنة في نفي وجود هذه الشخصية جملة آخرون . ومختصر اعتراض الباحثين السنة :

1 – إن كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة (عبد الله بن سبأ) ولم يذكروا عنها شيئا .

2 – إن المصدر الوحيد عنه هو (سيف بن عمر) , وهو رجل معلوم الكذب , ومقطوع بأنه وضّاع .

3 – إن الأمور التي أسندت إلى (عبد الله بن سبأ) تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي , كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم (عبد الله بن سبأ) وسخّرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض في منتهى البلاهة والسخف .

4 – عدم وجود تفسير مقنع لسكوت (عثمان) وعماله عنه , مع ضربهم لغيره من المعارضين من خيرة الصحابة والتابعين ك(محمد بن أبي حذيفة) و(محمد بن أبي بكر) و(عمار بن ياسر) وغيره .

5 – قصة الإحراق وتعيين السنة التي عُرض فيها (ابن سبأ) للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر .

6 – عدم وجود أثر ل(ابن سبأ) ولجماعته في واقعة (صفّين) وفي حرب (النهروان) .

وقد انتهى (طه حسين) إلى القول : أن (ابن سبأ) شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج .

اما الباحثون الشيعة فقد فندوا الدعوى جذريا , والقوا بها نهائياً , بإجماع تحقيقي , ولعل ابرز باحثيهم الشيخ (د. أحمد الوائلي) في كتابه ” هوية التشيع – فصل : عبد الله بن سبأ ” , والسيد (مرتضى العسكري) في كتابه القيم والمتين ” عبد الله بن سبأ ” . وملخص اعتراضات الباحثين الشيعة :

1 – التناقض في مرويات الناقلين لدعوى (عبد الله بن سبأ) :

اذ قال (الطبري) ” كان (عبد الله بن سبأ) يهودياً من أهل صنعاء , أمه سوداء , فأسلم أيام (عثمان) , ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم , فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام ” .

أما (أبي زهرة) في كتابه ” تاريخ المذاهب الإسلامية ” فقال ” (عبد الله بن سبأ) كان يهودياً من أهل الحيرة , أظهر الإسلام ” . فهو في هذه الروايات تارةً من أهل (الحيرة) وأخرى من أهل صنعاء , وهو عند (ابن حزم) و (الشهرستاني) وغيرهما ” ابن السوداء ” , بينما يذهب (ابن طاهر البغدادي) في ” الفرق بين الفرق ” و (الأسفرايني) في كتابه ” التبصير في الدين ” أن ابن  السوداء شخص آخر ليس (عبد الله بن سبأ) .

و(محمد فريد وجدي) في ” دائرة المعارف ” قال ” السبائية أتباع (عبد الله بن سبأ) الذي غلا في الانتصار ل(علي) وزعم أنه كان نبيا , ثم غلا فزعم أنه الله ودعا إلى ذلك قوماً من أهل الكوفة , فاتصل خبرهم ب(علي) فأمر بإحراق قوم منهم , ثم خاف من إحراق الباقين أن ينتقض عليه قوم فنفى (ابن سبأ) للمدائن , فلما قُتل (علي) زعم (ابن سبأ) أنه ليس المقتول (علياً) وإنما هو شيطان صوّر على صورته , وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو(علي) , وكان ابن السوداء في الأصل يهودياً من أهل (الحيرة) فأظهر الإسلام , وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة , فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصياً , وأن (علياً) وصي (محمد) (ص) , فلما سمعوا ذلك قالوا ل(علي) إنه من محبيك , فرفع (علي) قدره وأجلسه تحت درجة منبره , ثم بلغه عنه غلوه فيه , فهمَّ بقتله فنهاه (عبد الله بن عباس) فنفاه إلى (المدائن) ” .

وفي هذه المقتطفة أنه من أهل (الحيرة) لا صنعاء , وأنه ابن السوداء وأن الإمام (علياً) خُدع به , وأنه ادعى النبوة ل(علي) , ثم ادعى له الألوهية , وإلى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب , ولكن كيف يمكن بعد ذلك الجمع بين كونه ينسب ل(علي) الألوهية ثم يجعله وصياً ل(محمد) ؟! . يمكن ترك تقدير هذا إلى العقول الجبارة ك(محمد فريد وجدي) ونظائره ممن يقود خطى الجماهير في دروب الثقافة .

وبينما كان (الطبري) وجماعة معه يقولون إن دعوته اقتصرت على الغلو في (علي) والانتصار لحقّه وكل ما يدور حول (علي) فقط , كان جماعة من المتأخرين يذهبون -ومعهم أسانيدهم طبعا- إلى أنه كان في كل بلد له دعوة خاصة . فيقول (محب الدين الخطيب) بأسانيده التي ذكرها ” ومن دهاء (ابن سبأ) ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة ل(علي) (ع) , وفي جماعة الكوفة الدعوة ل(طلحة) , وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير “[422] .

2 – إن المصدر الوحيد عنه هو (سيف بن عمر التميمي) , وهو رجل معلوم الكذب , ومقطوع بأنه وضّاع . حيث قال فيه أصحاب التراجم ورؤوس أهل الحديث : (يحيى بن معين) : ضعيف . وقال : فَلْس خير منه. و (المزي) : ضعيف الحديث. و (ابن حبان) عن (محمد بن عبد الله بن نمير) : كان (سيف) يضع الحديث، وكان قد اتهم بالزندقة. و (أبو زرعة الرازي) : ضعيف الحديث. و (أبو داود السجستاني) : ليس بشيء . و (أبو حاتم الرازي) : متروك الحديث . منكر الحديث. و (الترمذي) : مجهول. و (النسائي) : ضعيف. و (العقيلي) : ضعيف. و (ابن السكن) : ضعيف. و (ابن حبان) : اتهم بالزندقة، يروي الموضوعات عن الأثبات. و (ابن الجوزي) : … هذا حديث موضوع بلا شك، وفيه جماعة مجروحون، وأشدهم في ذلك: (سيف) ، و(سعد) ، وكلاهما متهم بوضع الحديث. و (السيوطي) : (سيف) و (سعد) وضّاعان. و (الدارقطني) : ضعيف .. متروك . و (الحاكم) : ساقط في رواية الحديث. و (أبو نعيم الأصبهاني) : (سيف بن عمر الضبي الكوفي) متهم في دينه، مرمي بالزندقة، ساقط الحديث، لا شيء.[423]

3 – أن ابن السوداء هو في الحقيقة (عمار بن ياسر) , فقد كان يشتمه الأمويون وقريش بعبارة “ابن السوداء” , معيرين إياه بسواد أمه (سمية) , وموقفه من (طلحة) و(الزبير) و(عائشة) وقبلها من (عثمان بن عفان) هو ذاته الموقف الذي ينسبونه ل(عبد الله بن سبأ).

4 – ان جملة الخلاف بين الصحابة كان موجوداً قبل الزمان الذي وضعت فيه شخصية (عبد الله بن سبأ) , ولعل اشهر صور الاختلافات كانت حادثة (السقيفة) , وحرق دار فاطمة ابنة الرسول محمد وسلب بساتين (فدك) منها , واغتيال زعيم الانصار (سعد بن عبادة) , ورفض (بني هاشم) للخليفة الاول وتبعهم على ذلك قسم كبير من الأنصار , وقتل (عمر بن الخطاب) , ورفض غالبية الصحابة تولية الطلقاء من (بني أمية) على الامصار الاسلامية , واستئثار (عثمان) بالثمين من الغنائم والفيء لبني عمه , ونبذ الصحابي الكريم (أبا ذر) الى منطقة (الربذة) النائية من قبل (عثمان) , الخ من احداث سبقت وجود هذه الشخصية في تأريخ الصراع .

ومع ترك الخوض في حجج الفريقين , لوضوح تهافت هذه الدعوى وضعف متنها وسندها , يمكن الإقرار بأن مذهب الشيعة كان مذهباً سبئياً بنحو ما , ولكن من زاوية اخرى , والسبئية المقصودة ليست سبئية (عبد الله بن سبأ) اليهودي المختلق , اذ ان هذه الشخصية كانت بالتأكيد وهمية , لكنّ جذورها الاسمية حقيقية , لا بما نسب اليها من معتقدات كاذبة تمت صناعتها على ايدي تجار الكتابة للسلاطين , ولكن بما نسب اليها من تشيع ل(علي) , فالتلاعب التاريخي كان من نتائج منع تدوين الحديث , اذ ينقل (السيوطي) في “تدريب الراوي” انه كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم , فكرهها كثير منهم واباحها طائفة وفعلوها منهم (علي) وابنه (الحسن)[424] . لكن في خلق تهمة السبئية وجه آخر , كان هو السبب الاساس في اختراع اسم (عبد الله بن سبأ) , حيث ان واضع هذه الشخصية كان عالماً بالتأريخ ومسار الاحداث التي رافقت نشوء الدولة الاسلامية , ومن هنا قرأ بصورة جيدة حقيقة الاقوام التي آوت الرسول (محمد) ونصرته , بعد ان خذلته قريش سوى (بني هاشم) وبعض الافراد المتفرقين , وكذلك درس بصورة ذكية واقع الاقوام التي نصرت وصيه (علي بن ابي طالب) , وجمع النتائج ليخرج بحقيقة مفادها ان محور الحركة الاسلامية ونشاطها كان يرتكز على جملة من القبائل , كلها ترجع الى نسب واحد هو (سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان) , وفي اهم تلك البطون تركز الانتماء للإسلام المحمدي , ومن ثم التشيع ل(علي بن ابي طالب) , وهي قبائل (الازد) , فمنها كانت (الأوس) و(الخزرج) الذين ناصروا (محمداً) وآووه , والذين اصر زعيمهم (سعد بن عبادة) الّا يبايع للخلافة الا (علي بن ابي طالب) , حتى تم اغتياله في الشام , ونُسب قتله الى الجن , لكنّ اولئك الجن لم يستطيعوا ان يقتلوا ولده (قيس بن سعد) , الذي ظل مناصراً ل(علي بن ابي طالب) في كل معاركه , ومنهم كان (النخع) و(مذحج) و(همدان) , الذين ناصروا (علياً) وشايعوه , ومنهم كان قائد القوات المسلحة العلوية (مالك الاشتر النخعي) ,الذي قال فيه الامام (علي) ما مضمونه ( كان لي مالك كما كنت لرسول الله ) , وتبعه على الثورة ابنه (إبراهيم بن مالك) قائد جيوش (المختار بن عبيد الثقفي) , للأخذ بثأر (الحسين بن علي) , والنخعيون كانوا اهم اسباب الانتصار في معركتي (اليرموك) و(القادسية) , ومنهم (هانئ بن عروة المرادي) زعيم قبائل (مذحج) , الذي رفض ان يوالي (بني أمية) حتى قُتل على يد (عبيد الله بن زياد) , ومنهم (آل المهلب) الذين تزعموا ثورات متتالية على الدولة الاموية في الاهواز وجنوب العراق , ومنهم (حنظلة بن ابي عامر) غسيل الملائكة وصاحب ثورة (المدينة) على طواغيت (بني أمية) , ومنهم (عمرو بن الحمق الخزاعي) , … الخ . وقد كانت قبائل اليمن الازدية تعيش بين الديانات التوحيدية الإبراهيمية واليهودية والمسيحية , اما في العراق فقد كانوا على المسيحية , وهذا مميز آخر , يجعلهم يفضلون على غيرهم لو تم القياس . وهذا لا يلغي دور قبائل وانساب اخرى ناصرت (علي بن ابي طالب) , بل ان (الازد) كانوا محور حركة هذه النصرة , فهناك قبائل كثيرة لم تقل إقداماً في نصرة الحق مع (علي) , حيث لا يفترقان حتى يردا على رسول الله الحوض .

ان عمود الجيش والمتشيعين ل(علي بن ابي طالب) كان من قبائل (الازد) المنتسبين الى (سبأ) , لذلك شكلت هذه القبائل عقدة تأريخية لدى كل الذين اغتصبوا الخلافة وحولوها الى ملك عضوض , لا سيما مع ثوراتها التي لا تهدأ حتى اليوم , حيث لازالت هذه القبائل تشكل المكون الاساس لجنوبي العراق , ومنها اليوم جملة من العوائل الدينية المهمة مثل (آل كاشف الغطاء) و(آل شيخ راضي) و(آل اليعقوبي) , وكذلك كانت هذه القبائل محور التشيع ل(علي) في اليمن , فاغلب الزيدية او (الزيود) ينتمون لقبائل (همدان) و(خولان) وبعض قبائل (مذحج) الشماليـّة, والاشعريون الذين بنوا مدينة (قم) لتكون واحدة من ارقى معاهد العلم ونشر التشيع في العالم كانوا اخوة (الازد) من (سبأ) , وكذلك الشيعة في جنوب لبنان (جبل عامل) هم من (عاملة بن سبأ بن يشجب بن قحطان) , الى غيرها من البلدان.

لقد قرأ واضع شخصية (عبد الله بن سبأ) حروف المستقبل , من خلال سجل الحاضر لديه , لكنه لم يستطع ان يصرح بما توصل اليه , لأنه سيطعن حينها بالأفاضل من الانصار والكثير من الصحابة , لذلك عبّر عن هذه الحقيقة بفكرة لا تثير الشبهات حول دوافعها , فخلق شخصية مجهولة وعامة ليس لها اسم سوى (عبد الله) , وما اكثر عبيده ! , لكنّ عبد الله هذا لا ينتمي الى (الازد) , لأنه نسب قريب يمكن كشفه , لكنه ينتمي الى (سبأ) عموما , التي كانت محور الرفض لكل ظالم قام حكمه على الاغتصاب . ومن وجهة نظر المختلق للفكرة ان عباد الله هؤلاء هم السبب في كل فتنة .

ومن هنا ايضاً يمكن تفسير ورود عبارة (السبئية) – وليس (عبد الله بن سبأ) – في اتهام من يوالي (علي بن ابي طالب) قبل مرويات (سيف بن عمر) و(الطبري) . وكذلك يمكن فهم سبب كون قادة السبئية هم اجلّاء الصحابة والتابعين . ومن جميل ما ينسب الى امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) قوله في (الازد) : (الازد) سَيْفِي عَلَى الأَعْدَاءِ كُلِّهِمُ وَسَيْفُ أَحْمَدَ مَنْ دَانَتْ لَهُ العَرَبُ … وأَيُّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ لَيْسَ لَهُم فيهِ مِنَ الفِعْلِ ما مِنْ دُونِهِ العَجَبُ … وفيتم ووفاء العهد شيمتكم وَلَمْ يُخالِطْ قديماً صِدْقَكُمْ كَذِبُ .. يا مَعْشَر (الازد) إِنِّي مِنْ جَمِيْعِكُمُ راضٍ وأنتم رؤوس الأمر لا الذنب , لَنْ يَيْأَسَ (الازد) مِنْ رُوْحٍ وَمَغْفِرَة ٍ وَاللُه يَكْلأُهُم مِنْ حَيْثُ ما ذَهَبُوا , طِبْتُم حَدِيثا كما قَدْ طابَ أَوَّلُكُمْ والشَّوْكُ لا يُجْتَنَى مِنْ فَرْعِهِ العِنَبُ … فَاللُه يَجْزِيْهِمُ عَمَّا أَتَوا وَحَبَوا بِهِ الرَّسولَ وَمَا مِنْ صَالِحٍ كَسَبُوا[425] .

 

من هنا يمكن القول ان كل الشيعة سبئية بالانتماء او التأثر, لكنهم سبئية (سبأ بن يشجب) , لا سبئية (عبد الله بن سبأ) اليهودي المختلق[426] . ولقد ولي (علي بن ابي طالب) القضاء عن الرسول للقبائل السبئية لأكثر من سنتين[427] .

وقد اقترن اسم الامة الآرامية نتيجة لهذا كله بمصطلح السبئية , لا نسبة دم , بل نسبة ثقافة . فقد اختارت الغالبية في الحضارة الآرامية التي ذُكرت في مبحث مستقل ان تكون سبئية الثقافة علوية الهوية إسلامية الدين .

لذلك حين أرسل (زياد بن ابيه) الصحابي (حجر بن عدي الكندي) واصحابه الى (معاوية بن ابي سفيان) كتب ( إن طواغيت من هذه الترابية السبئية , رأسهم حجر بن عدي , خالفوا أمير المؤمنين , وفارقوا الجماعة جماعة المسلمين , ونصبوا لنا الحرب , فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم . وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي الستر والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا …)[428] . علماً ان ( الخيار والأشراف وذوي الستر ) الذين شهدوا زوراً على الصحابي (حجر بن عدي) – الذي كان ممن كاتب (عثمان) معترضاً على سياسته – هم ذاتهم من قادوا الجيش ضد (الحسين بن علي) في كربلاء .

ولذلك كله فقول ورواية ان رسول الله بعث (علي بن ابي طالب) بسرية الى اليمن – كما في الطبقات الكبرى لابن سعد[429] – مغلوط جداً , بثلاثة ادلة , ان الرواية ذكرت انه دخل ارض (مذحج) , ثم (همدان) , وهما من قبائل العراق الكوفية , والثاني ان ارض اليمن كانت حينها للحِمْيريين و (آل ذي يزن) وغيرهم , ولم تذكرهم الرواية , والثالث ان وفد ملوك اليمن أتى رسول الله في السنة التاسعة للهجرة مقراً بالإسلام , اَي بعد تاريخ تلك السرية او قبلها , وأرسل النبي معهم مجموعة تفقههم في الدين على رأسها (معاذ بن جبل) , ومجموعة أخرى لاحقة على رأسها (عمرو بن حزم الأنصاري) , ولو كانوا اسلموا قبل ذلك ما صح امر هذه الوفود وهذه البعثات[430] , وان كانوا اسلموا بعد هذه الوفود ما صح امر السرية والمواجهة معها , لا سيما ان (همدان) الْيَوْمَ تعادل ثلثي قبائل اليمن . إنما الامر شبهة تاريخية , اذ لم يفرِّق الرواة بين اليمانية في العراق وبين اليمن الجنوبي . ومنه يمكن معرفة ان (علياً) دخل العراق في زمان الرسول وبأمره . وان قول الرواية – على اختلافها – بانه قتل بضعة أشخاص من (مذحج) ثم جاءوه مسلمين امر فيه نظر , ف(مذحج) من القبائل الكبرى ذات البأس الشديد , ولم تكن لتهتز لثلاثمائة فارس أتوها او بضعة رجال قُتلوا منها . لكن يبدو ان التلفيق السلطوي حشر انفه هنا ايضاً . وما يعضد هذا الاستدلال ان (همدان) اسلمت كلها في يوم واحد بين يدي (علي بن ابي طالب) , مما جعل رسول الله يسجد شكراً لله ويقول ( السلام على همدان ) [431]. وكان شعراء بني أمية يطلقون على (ابراهيم بن مالك الأشتر) لقب (اليماني) , رغم أنه عراقي[432]. ومن دلائل أن اليمانية غير اليمن نسبة النحوي (الحسن بن أبي عباد) إلى اليمن ب(اليمني) في القرن السادس الهجري , لا ب(اليماني)[433].

 

ولهذا كله لم تفارق صحابية (سبئية) مهمة هي (أسماء بنت عميس) أهل بيت النبي مطلقاً , حتى يوم كانت زوجة ل(أبي بكر) , بل وأنجبت ولداً ل(أبي بكر) كان من المخلصين ل(علي بن ابي طالب) هو(محمد بن أبي بكر) , وكان لها شرف غسل بنت النبي فاطمة الزهراء دون الامة , وحين منعت خصوم فاطمة من الدخول عليها , ومنهم (عائشة) , كانت اول سبة رأتها (عائشة) وأول نبز نبزتها به حين شكتها للخليفة الأول هو انها (خثعمية) , و (خثعم) قبيلة من قبائل (أنمار) السبئية[434] . وحين هاج (الأشعث بن قيس الكندي) بعد أخذ الراية منه يوم (صفّين) واعطائها ل(ربيعة) نسبوا ان أهل اليمن (الأشتر النخعي) و (هاني بن عروة المذحجي) و(عدي بن حاتم الطائي) تكلموا في أمره . ومن الواضح ان هؤلاء كانوا من سكنة العراق[435] .

 

ومن فروع (سبأ) كان (جبل عامل) , أو جبل (عاملة) في لبنان , وهي قبيلة (عاملة بن سبأ) . هبط (عاملة) هذه الجبال وسكنها وبقيت ذريته فيها . ويسمى أيضا جبل الجليل , مشتمل على عدة قرى ومدن , وكله معمور , ويحده غرباً البحر المتوسط وشرقاً (الحولة) ووادي (التيم) و (البقاع) وبعض جبل لبنان وجنوباً فلسطين . ويقال قد تشيع أهله من عهد (أبي ذر) صاحب رسول الله , كما يدل عليه النقل المشهور المأخوذ يداً عن يد ووجود مساجد فيه تنسب إلى (أبي ذر) , فأهله من أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل (المدينة) وأهل العراق . أقر (ناصر خسرو) الرحالة الفارسي سنة 437 هجرية بتشيعهم , ومن مدنه (صيدا , صور , تبنين , هونين , الصرفند , آبل , قدس , الشقيف , ارنون , النباطية , بنت جبيل , الخيام) , اشتهر بالعلماء منذ القرن السادس الهجري , ولا يوجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الإمامية[436] .

 

اما قبيلة (تميم) فقد كانت مواطنها تمتد في البصرة التاريخية , تشاركها فيها (الازد) , وهذا ما وجده (عتبة بن غزوان) حين جاءها[437] , في المركز الحالي لمدينة البصرة العراقية حيث عشيرة زعيم قبيلة (تميم) (الأحنف بن قيس) وهم (بنو سعد) , وعندهم قبر (طلحة بن عبيد الله) الْيَوْمَ , وبدو(تميم) بقيادة ابي (الفرزدق غالب بن صعصعة) في بادية (كاظمة) اَي الكويت الحالية , وأعرابها من (بني عمرو) و(بني حنظلة) عند شمال وشمال شرق (نجد) , وكانت بعض عشائرها في الكوفة . وكانت قبيلة (شيبان) و(بكر بن وائل) تخشى إن هربت من جيش الفرس قبل معركة (ذي قار) أن تلقاها قبيلة (تميم) فتهلكها , وهو ما يشير إلى أن قبيلة (تميم) كانت في الأرض التي تلي اراضي (بكر) و(شيبان) , و(تميم) تمتد من البصرة إلى أواسط (نجد) وساحل الخليج , ما يعني أن (بكر) و(شيبان) كانت إلى شمال البصرة , لأنها لو كانت في شمال (نجد) – كما ينشر بعض المعاصرين من أهل الخليج – ما كانت ستهرب باتجاه ساحل الخليج بما تواجه به الفرس حتماً[438]. وكانت قبيلة (تميم) على ثلاثة فئات , فئة تعرف مقام (علي بن ابي طالب) وحقه , بقيادة (مالك بن نويرة) الشهيد , وقد تمت إبادة قادة هذه الفئة على يد (خالد بن الوليد) . وفئة تعرف حق (علي) في الوصية ولم تعرف مقامه في الإمامة الا بعد حين , مثل (بني سعد) الذين اعتزلوا الناس في وقعة (الجمل) ولم يشاركوا اَي من الطرفين , شكاً في ان يكون ل(طلحة) و(الزبير) مقام من الدين كما يكون ل(علي) فيكونون قد نصروا على مسلم , حتى ان (طلحة) قد دُفن بارضهم , الا انهم كانوا اول من أجابوا (علياً) في (صفّين) حتى قبل قبيلة  (ربيعة) , بعد ان خاطبهم امير (تميم) (الأحنف بن قيس) الا يخذلوا حق الوصي , واحتج عليهم شاعرهم (معاوية بن صعصعة) ابن اخ (الأحنف) بما ل(علي بن ابي طالب) من مرتبة ومناقب في الإسلام[439]. وفئة ثالثة أعرابية تقطن شمال (نجد) وغرب الكويت الحالي من بني (عمرو بن تميم) كانوا يشبهون (بني ضبة) ويحالفونهم , لم يفقهوا مقام (علي) لبداوتهم , وكان من السهل خداعهم بشعارات (طلحة) و(الزبير) ومقام أزواج النبي . كانت قبيلة (بني تميم) معروفة حتى في زمان الدولة العباسية أنها يغلب عليها حياة الأعراب الصحراوية القليلة المدنية[440]. وقد كان قسم كبير من بني (تميم) انصاراً اشداء ل(علي بن ابي طالب) بعد واقعة الحكمينِ وخروج الخوارج وبدء غارات أهل الشام .

 

ومن أصحاب (علي بن ابي طالب) منهم (الأحنف بن قيس) سيد (تميم) , متكلم شاعر خطيب, من سادات التابعين يضرب بحلمه المثل , أدرك (محمداً) النبي وأسلم قومه بإشارته, وكان متمتعاً بخصال الخير العربية والإنسانية , كان من تلامذة أمير المؤمنين (علي) و(عبد اللّه بن مسعود), قال يوماً في مجلس (معاوية) بعد سبّ رجاله ل(علي بن ابي طالب) ( إنّ هذا القائل ما قال لو يعلم أنّ رضاك في لعن الأنبياء والمرسلين لما توقف من لعنهم, فاتق اللّه, ودع عنك علياً , فقد لقي ربه بأحسن ما عمل عامل, واللّه المبرز في سبقه الطاهر في خلقه الميمون النقيبة, العظيم المصيبة, أعلم العلماء, وأحلم الحلماء, وأفضل الفضلاء, ووصيّ خير الأنبياء )[441] . وقد ذكر الشيخ (الطوسي) ولده (يزيد بن الأحنف بن قيس) في رجاله[442] . وقد فتح (الاحنف بن قيس) بلاد خراسان حتى دخل أفغانستان[443].

ومن (تميم) ايضاً (جارية بن قدامة بن مالك التميمي السعدي) , صحابي , شاعر فارس شجاع محدّث ثقة صادق , صاحب السرايا والألوية والخيل يوم (صفّين). وجهه أمير المؤمنين إلى أهل (نجران) عند ارتدادهم عن الإسلام , وروى عنه أهل (المدينة) وأهل البصرة , قدم على (معاوية) فقال له ( هل أنت إلا نحلة, قال: لا تقل فقد شبهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق, واللّه ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب, وما أمية إلا تصغير أَمَة )[444]. وكان على رأس من جاء الى (علي) ناصراً له من أهل البصرة بعد حكم الحكمين وخروج الخوارج والتوجه الثاني لقتال أهل الشام[445] . ارسله أمير المؤمنين (علي) الى جانب (وهب بن مسعود) لمواجهة غارات (بسر بن ارطأة) الدموية الأعرابية على الحجاز واليمن , فدخل البصرة والحجاز واليمن و(نجران) , وكان (بسر) يهرب أمامه الى (اليمامة = الرياض) وغيرها من بلاد الأعراب حتى أخرجه (جارية) من اعمال (علي) كلها , وتبعه حتى اتى مكة , وكان أمير المؤمنين علي قد استشهد , فطلب البيعة له من الناس , فسألوه مَن يبايعون بعد رحيله ؟ , فطلب منهم مبايعة من يبايعه أصحاب (علي) . فبايعوا (الحسن) بأمره . ثم اتى (المدينة) و (أبو هريرة) يصلي بالناس فهرب منه , فقال جارية ” لو وجدت (أبا سنور) لقتلته ” , معرّضاً ببراغماتية (ابي هريرة)  ثم من أهل (المدينة) مبايعة (الحسن بن علي) . فبايعوه , ثم عاد إلى الكوفة[446] .

 

 

ومن (تميم) كذلك (معقل بن قيس الرياحي) , صحابي شارك في فتح بلاد فارس , وكان من أمراء جيش (علي) وعلى شرطته يوم (الجمل) رغم انعزال اغلب (تميم) حينها عن القتال , قُتل في مبارزة مع الخوارج[447] .

 

ومنهم كذلك (حارثة بن ثور – بدر- بن حصين التميمي الغداني) تابعي فارس , وله أخبار في الفتوح وقصة , وكان مستشار زعيم (تميم) (الاحنف بن قيس) , قاتل الخوارج فهزموه بنهر (تيري) وغرق ومن معه[448].

ومنهم ايضاً (خباب بن الأرت بن جندلة التميمي الخُزاعي) المتوفى 37 ه. صحابي, أسلم راغباً وهاجر طائعا, وعاش مجاهدا. شهد (صفّين) و(النهروان), ولقد كان من المعذّبين, فقد كانت قريش توقد له النيران وتسحبه عليها , ولم يعط الكفار ما سألوه , وهو أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة, وصلّى عليه أمير المؤمنين , وخلّف (عبد اللّه) , وكان قديم الإسلام او ربما سادس ستة, وكان فاضلاً من المهاجرين الأولين , وله في الصحاح أحاديث[449].

ومنهم (خليفة بن حصين بن قيس التميمي المنقري) محدّث ثقة. ولد على عهد النبيّ , وقد ولى رسول اللّه جده (قيس بن عاصم) صدقات قومه , وشهد (بدراً) و(أحداً), وذكره (عبيد اللّه بن أبي رافع)[450] في تسمية من شهد مع (علي بن ابي طالب) من أصحاب الرسول.[451]

وكذلك (عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي) فارس, شاعر, اشترك في حرب (صفّين), وأعقب (محمداً), وجعله أمير المؤمنين على قبيلة (تميم) في الكوفة ب(صفّين), وكان يومئذ سيد (مضر) من أهل الكوفة, فتقدم بأصحابه وقال ” يا قوم إنّي أتبع آثار (أبي الطفيل) وتتبعون آثار كنانة ” , فتقدم برايته وهو يقول: قد ضاربت في حربها (تميم) … دين قويم, وهوى سليم‌[452].

ومن (تميم) (الأصبغ بن نباتة المجاشعي الدارمي) , قام في (صفّين) فقال ل(علي) ” يا أمير المؤمنين انك جعلتني على شرطة (الخميس) , وقدمتني في الثقة دون الناس –أو فقدمني في البقية من الناس- فإنك لا تفقد لي اليوم صبراً ولا نصرا , اما أهل الشام فقد هدّهم ما أصبنا منهم , واما نحن ففينا بعض البقية ائذن لي فأتقدم ” , فقال (علي) ( تقدم باسم الله والبركة ) , فتقدم واخذ الراية ومضى بها ورجع , وكان شيخاً ناسكاً عابدا , وكان من ذخائر (علي) وممن بايعه على الموت , وكان من فرسان أهل العراق , وكان (علي) يضن به على الحرب والقتال[453] , وهو اول من كتب كتاباً باسم “مقتل الحسين” , ومن كتبه ايضاً “عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر” , و”وصيته إلى (محمد بن الحنفية)[454] , وكان من أوثق عشرة عند (علي)[455] .

 

ومنهم (محرز بن شهاب السعدي التميمي) , من مقدمي أصحاب (علي) , كان موصوفاً بالشجاعة وجودة الرأي , قتله (معاوية) بعد أن قبض عليه (زياد بن ابيه) في الكوفة مع (حجر بن عدي)[456] , قام الى (علي) بعد الحكمين وخروج الخوارج فقال ” يا أمير المؤمنين شيعتك كقلب رجل واحد في الاجماع على نصرتك والجد في جهاد عدوك , فابشر بالنصر , وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت , فانّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب , ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال “[457] .

 

 

ومنهم ايضاً الصحابي (زياد بن حنظلة التميمي) , بعثه رسول اللّه إلى (قيس بن عاصم) و(الزبرقان بن بدر) ليتعاونوا على (مسيلمة) و (طليحة) و (الأسود) , وكان أميراً في وقعة (اليرموك) , انقطع إلى أمير المؤمنين (علي) , وشهد معه مشاهده كلها ,. وله شعر كثير في المعاجم[458].

ومن الواضح ان أمراء الشيعة لم يشتركوا ويقودوا الجيوش الإسلامية سوى ضد الدول المستكبرة كفارس والروم , لأنها شكلت خطراً على وجود الامة الإسلامية .

كذلك (أبو الفرزدق غالب بن صعصعة بن ناجية الدارمي المجاشعي التميمي) جواد, صحابي, كان من سراة قومه, وسيد بادية (تميم), وله مناقب وأخبار مشهورة, ومحامد مأثورة , وكان أبوه (صعصعة) من الصحابة, وكان في الجاهلية يفتدي الموؤدات – يعني البنات اللواتي كانوا يدفنونهن أحياء- وقد أحيى ثلاثمائة وستين موؤدة, اشترى كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل, ووعده رسول اللّه أن يؤجر عليها حيث أسلم , ولقي الإمام (علي بن ابي طالب) بالبصرة عام 36 هجرية , ودخل عليه ومعه ابنه (الفرزدق همام) , فمدحه علي ومدح سيرته في افتداء المؤودات وإعطاء الناس , وطلب اليه أن يعلّم ابنه القرآن , فحفظه (الفرزدق) بعد ذلك بإصرار , مات نحو سنة 40 ه, ودفن في (كاظمة[459]) وقد أشار إلى هذا الفرزدق في قوله (وناجية الخير والأقرعان* * * وقبر بكاظمة المورد)[460] . وهو امر يكشف حدود العراق التاريخي التي كانت تصل الى اليمن .

ومن شرفاء (دارم) من (تميم) (مالك بن حري بن ضمرة التميمي النهشلي) المقتول 37 ه, فارس شجاع شاعر, كان معه يوم (صفّين) لواء (بني حنظلة) , قُتل في (صفّين), اخوه وابوه شعراء , جده (ضمرة) كان سيداً ضخم الشرف, وكانوا من خير بيوت بني دارم[461] . وهم قوم الفرزدق , ومنه يُعرف مدى تشيع هذا البيت في العرب .

 

ومن (تميم) الشهيد المظلوم (مالك بن نويرة بن جَمرة التميمي اليربوعي) , أسلم وولاه رسول الله صدقات قومه (بني يربوع) , وكان من كبار بني (تميم) وبني يربوع , وصاحب شرف رفيع وأريحية عالية بين العرب , حتى ضرب به المثل في الشجاعة والكرم والمبادرة[462] , وكانت له الكلمة النافذة في قبيلته , أسلم ورجع إلى قبيلته وأعطاهم فكرة عن جوهر هذا الدين الجديد , فأسلموا على يديه جميعاً ولم يتخلف منهم رجل واحد , نال منزلة رفيعة لدى النبي , واختص بأمير المؤمنين (علي) , وأخلص له نهاية الإخلاص , ولم يبايع (أبا بكر) , وأنكر عليه أشد الإنكار , وعاتبه بقوله له ” أربِع على ضلعك , والزم قعر بيتك , واستغفر لذنبك , وردّ الحق إلى أهله , أما تستحي أن تقوم في مقام أقام الله ورسوله فيه غيرك , وما تزال يوم الغدير حجة , ولا معذرة ” ,  وامتنع عن دفع الزكاة إليه , وقام بإعادة الأموال إلى أصحابها من قومه .

 

ومنهم (نافع بن الأسود بن قطبة بن مالك التميمي) فارس, شاعر, كان ب(صفّين) , ويكنّى أيضا ب(أبي محمد الأسيدي) , شهد فتوح العراق, ونظم الشعر الكثير في (صفّين), ومنه قوله ” ألا أبلغا عنّي (علياً) تحية * فقد قبل الصمّاء لما استقلت‌ , بنى قبة الإسلام بعد انهدامها * وقامت عليه قصرة فاستقرت‌ , كأنّ نبياً جاءنا حين هدمها * بما سنّ فيها بعد ما قد أبرت “‌[463].

ومن (تميم) المرأة الفاضلة المتكلمة (جروة بنت مرة بن غالب) النجيبة , قال لها (معاوية) ” للّه أنت فما قولك في علي بن ابي طالب ؟ ” فقالت ” جاز واللّه في الشرف حداً لا يوصف, وغاية لا تُعرف “[464] .

 

كذلك من شيعة (علي) كان هناك (الموالي) من نبط العراق , العراق التاريخي الممتد من أرمينيا حتى اليمن ومن أواسط الشام حتى العمق الإيراني , وهم في الغالب يتحدثون اللغة الآرامية السريانية , التي كانت لغة العلوم حينذاك . لكنهم ابتلوا بأمرين اضاعا حقهم , كره السلطة الرسمية لهم وبالتالي كتّابها , وجهل الكثير من المحدّثين بلغتهم , وبالتالي نسبوا كل لهجة أعجمية في العراق الى الفرس وهو خلاف التحقيق , فالسريانية كانت اكثر انتشاراً من اللغة الفارسية . ومصطلح (الموالي) يطلق حصراً على نصارى الامة الآرامية , التي كانت مدنية ولم تكن تعرف العشائرية , لهذا والوا القبائل العربية وصاروا موالي لها . من هنا لم يطلق هذا اللقب على (الزط) وهم قوم من الهند , ولا على (السبابجة) وهم قوم من (السند) , كانوا يسكنون البصرة , وكانوا في طاعة (علي) , حتى قتل منهم جيش (عائشة) العشرات غدراً في ليلة مظلمة ممطرة ذات ريح , اذ كانوا يحرسون بيت مال البصرة عند قدوم الجيش بقيادة (طلحة) و(الزبير) والقرشيين وأعرابهم[465] .

ويبدو ان تاريخ (النبط) قد أهملته العنصرية العربية القبلية عمدا , فقد كان لهم سوق في (بني عامر) في مكة على مسافة تقارب كيلومتراً واحداً من الحرم وكان رسول الله يبتاع منه[466] , فكيف لم يتسنَ لهم الاحتكاك بالدعوة الإسلامية , ولم تكن لهم مواقف منها؟ , لاسيما مع ارتكازهم العقلي العراقي . وقد خلق الاختلاف في العمق الحضاري والانتساب بين (النبط) العراقيين وبين (الزط) الهنود اختلافاً معرفياً في (علي) بينهم , اذ حين ظهرت في فترة مبكرة عوائل الرواة الاصحاب من (النبط) برزت ظاهرة تأليه (علي بن ابي طالب) من قبل (الزط) , لان الأخيرين –بسبب اصولهم الهندية– لم يفهموا المعنى الولائي العلوي , فانطلقوا في خيالهم التصنيمي . فرأى (علي) من المناسب إنهاء هذه الظاهرة[467] .

وقبل معركة (صفّين) حشر (علي) أهل السواد – (النبط) – فلما اجتمعوا أذن لهم , فلما رأى كثرتهم قال إني لا أطيق كلامكم ولا أفقه عنكم فاسندوا امركم إلى أرضاكم في أنفسكم وأعمّه نصيحة لكم, فاختاروا (نرسا) وقالوا ما رضي فقد رضيناه وما سخط فقد سخطناه, فتقدم فجلس إليه, فقال : اخبرني … فقال ( يا نرسا ان الله عز وجل خلق الخلق بالحق , ولا يرضى من أحد الا بالحق , وفي سلطان الله تذكرة مما خول الله , وانها لا تقوم مملكة الا بتدبير ولا بد من امارة ) , ثم أمّر على أهل السواد امراءهم[468] .

ومنهم (زاذان فروخ) من دهاقين أسفل الفرات, وكان مواليا ل(علي) , قُتل على يد الخوارج سنة 38 ه بعد عودته من أخواله في (نفّر) من أعمال ( قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري) , فأرسل العامل لأمير المؤمنين يخبره بقتلهم له بعد قوله في (علي) انه ” أقول فيه خيراً , إنّه أمير المؤمنين , وسيد البشر, ووصي رسول اللّه ” , وعفوهم عن يهودي مرّ معه من الطريق الى الكوفة , فكتب إليه (علي) ما نصه ( أما بعد, فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرّت بعملك, فقتلت البر المسلم, وأمن عندهم المخالف المشرك, وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان, فضلوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا فأسمع بهم وأبصر, يوم تحشر أعمالهم, فألزم عملك, وأقبل على خراجك, فإنّك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك والسلام )[469] . ويبدو من قصة (زاذان) ان الانباط كانوا يقبلون على الإسلام والتشيع باستمرار , وعلى مستوى نخبتهم , الى نهاية حياة امير المؤمنين (علي) . حيث ان الخوارج عند (نّفر = موقع قريب من القادسية) اخذوه وكان قد أسلم وعرف (علياً) على منهج الحق .

ومنهم (ميثم بن يحيى -عبد اللّه- التمّار) الشهيد . كان خطيب الشيعة بالكوفة ومتكلمهم, ومن أعاظم شهداء التشيع , أخذ العلم عن (علي)  وكان من أهل الأسرار والمكاشفات والكرامات , له كتاب في الأحاديث , سُجن في الكوفة حين استشهد (مسلم بن عقيل فيها) , وصلبه (عبيد الله بن زياد) على جذع نخلة في داره سنة 60 ه , ودفن في داره, ولم تزل داره من المراقد المعروفة التي تزار في الكوفة[470] . واستمرت ذرية التابعي الولي (ميثم التمار) في صحبة الأئمة المعصومين بعد أبيهم لا سيما في زمان الائمة (زين العابدين) و(الباقر) و(الصادق)[471]. وكان (علي بن إسماعيل بن ميثم التمار) أول من تكلّم من الشيعة الإمامية في علم الكلام ووضع فيه كتاباً[472].

ومن الموالي (النعمان بن قيس بن المرزبان بن زوطي بن ماه) حامل راية (علي) يوم (النهروان) . وهو جد صاحب مذهب الرأي (ابي حنيفة النعمان)[473] . وهو على الأرجح من نبط العراق[474]. وقد ظلت في هذا العرق بعض مبادئ (علي بن ابي طالب) , اذ رفض حفيده (أبو حنيفة) –على شهرته– تولي القضاء لبني العباس , وقد ضُرب بالسوط على ذلك[475]. والاقرب ضعف مقولة ان (أبا حنيفة) من الأفغان اوالساسانيين[476] .

وقد اشتهر في موالي العراق (النبط) اسم (كيسان) . ومنهم (كيسان أبو صادق) مولى (علي) , فحين اقبل (احمر) مولى (بني أمية) الى (علي) في (صفّين) ليضربه خرج إليه (كيسان) مولى (علي) , فاختلفا ضربتين فقتله (احمر) , وخالط (علياً) ليضربه بالسيف , فانتهره (علي) ووضع يده في جيب درعه فجذبه , ثم حمله على عاتقه[477] .

وكذلك (كيسان أبوسعيد المقبري) محدث كثير الحديث , من الطبقة الأولى من أهل (المدينة) , روى عنه الجمهور في كتب الحديث , كان مولى ل(علي) , بعد ان كان مولى ل(بني جندع) , وشهد مشاهده كلها . مات بعد سنة ١٠٠ ه [478]. وكان اسم (كيسان) متداولاً متعدداً في أصحاب الإمامين (زين العابدين) وولده (الباقر)[479].

 

 

ورغم ان هناك قبائل كانت لم تفهم العقيدة في (علي) بعد , الا ان هناك اختراقاً معرفياً كان في ثناياها . ومنها (كِندة) , التي كان اميرها (الأشعث بن قيس) احد الاسباب المهمة لعرقلة الحكومة العَلَوية , وكان أبناء (الأشعث) ممن البّ الناس على أبناء (علي بن ابي طالب) , الا ان بعض أمرائها كان مواليًاً ل(علي) , وهذا امر نافع في المستقبل . حيث تنتشر اليوم فروع قبائلها في مناطق هي اقل تأثيراً في الارتكاز المعرفي للمجتمع الشيعي العراقي .

فبالإضافة الى أن من قبيلة (كندة) القديمة عشيرة (السودان) الشيعية العراقية المعاصرة في مدينة (العمارة)[480], فمن كِندة كان (زياد بن جعفر الكندي) , الذي كان شريفاً في قومه , شجاعاً , قُتل في (صفّين)[481].

ومن اجلّاء أصحاب (علي) منهم كذلك (أبو معبد المقداد بن الأسود -عمرو- الكِندي) , كان ضخماً شجاعاً , من الفضلاء النجباء, شهد (بدراً) وما بعدها من المشاهد, وتجمعت فيه شتّى الفضائل والمناقب, هاجر الهجرتين, واختص بأمير المؤمنين (علي) , ومات 33 ه, ودفن بالبقيع , له أحاديث في كتب الفقه , أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام. وأول من قاتل على فرس في الإسلام , وفي الحديث النبوي ( إنّ اللّه عزّ وجلّ أمرني بحب أربعة , وأخبرني أنّه يحبّهم , علي والمقداد وأبو ذر وسلمان )[482] , وكان على خَيل المسلمين يوم (اُحد)[483] . ومن شعراء الشيعة المعروفين بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجري كان الملا (عباس بن القاسم الزيوري الصفار) من ذرية الصحابي (المقداد بن الأسود) , وهو ما يكشف أن جذور التشيع عميقة[484].

 

 

 

ومن أصحاب (علي) من قبائل (مضر) كان ( أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري الكناني) , الصحابي الجليل الثقة الصادق الصالح, الذي قال رسول اللّه  فيه ( ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل اصدق لهجة من ابي ذَر )[485]. وفِي غزوة (تبوك) حين راح القوم يتخلفون عن رسول الله الواحد والاثنين والجماعة لشدة العطش والحر والخوف من الروم وإعدادهم , ضلت ناقة ابي ذرّ , فلحق برسول الله ماشياً , فقال النبي حين نظرته المسلمون يمشي وحيداً باتجاههم ( يرحم الله أبا ذرّ , يمشي وحده , ويموت وحده , ويُبعث وحده )[486] . نفاه (عثمان بن عفان) من (المدينة) إلى الشام, ثم نفاه (معاوية) من الشام إلى (المدينة) سنة 30 ه, وبعد فترة نفاه (عثمان) إلى (الربذة), وقام فيها إلى أن مات عام 32 ه, أوصى (أبا رافع) واصحابه ب(الربذة) ( ستكون فتنة, فاتّقوا اللّه, وعليكم بالشيخ علي بن ابي طالب فاتبعوه ) , وعند ما مرض (ابو ذر) أوصى إلى (علي) , فقال بعض من يعوده ” لو أوصيت إلى أمير المؤمنين عثمان كان أجمل لوصيتك من علي ” فقال ( واللّه لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين , حق أمير المؤمنين, واللّه إنّه للربيع الذي يُسكن إليه , ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض ) , فقالوا له ” يا أبا ذر إنّا لنعلم أنّ أحبهم إلى رسول اللّه أحبهم إليك ” , فقال ( أجل ) فقالوا له ” فأيّهم أحب إليك؟ ” قال ( هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه ) يعني (علي بن ابي طالب). ومن المشهور أنّ تشيّع أهل (جبل عامل) كان على يد (أبي ذر) , وأنّه لما نفي إلى الشام وكان يقول في دمشق ما يقول, أخرجه (معاوية) إلى قرى الشام فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت , فتشيّع أهل تلك الجبال على يده, فلما علم (معاوية) بذلك أعاده إلى دمشق ثم نفي إلى (المدينة)[487]. ولما نُفي (ابو ذر) إلى الشام تشيع منها جماعة كثيرة[488]. وقد كان إسلامه اسلام النجباء الذين اختارهم الله لدينه , كما هو اسلام سلمان , حيث رحلة البحث عن الحقيقة الحرة , اختيارا , وتحمل الأذى والمشقة في سبيل معرفتها[489]. وقد حاول (عثمان) ان يجذبه بالمال , فكان يأبى , ويصرّح علناً بولايته ل(علي بن ابي طالب) والأئمة من ولده[490] .

 

والصحابي (حذيفة بن اليمان) , صاحب سر النبي في المنافقين , وهو ما جعله والياً على (المدائن) ابعاداً له وخشية منه بأمر عمر بن الخطاب الى ما بعد وفاة عثمان[491] , لما بلغه بيعة (علي)  وكان عليلاً أمر ابنيه (صفوان) و (سعيد) إذا مات أن يكونا مع (علي)  في الحرب المهلكة فإنّه على الحق وإنّه خير من مضى بعد النبي ومن بقي إلى يوم القيامة , فقُتلا بين يدي (علي بن ابي طالب) يوم (صفّين)[492]. و(حذيفة) المتصدق بدية ابيه يوم (اُحد) على المسلمين حين قتلوه خطا[493] بعد ان قال ” يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين “[494] . وكان (سعد بن حذيفة بن اليمان) صاحب سر النبي في المنافقين من رجال وقادة ثورة ودولة (المختار الثقفي) الشيعية[495].

ومن (مصر) , ذلك البلد الذي سيكون لمدرسة (علي بن ابي طالب) دور مهم في قيامه , كان هناك نجباء اختصوا بولاية (علي) والولاء له .

منهم (عبد اللّه بن زرير الغافقي المصري) المتوفى 81 ه , محدّث تابعي , روى عنه جملة , كان ثقة , وبعث (عبد العزيز بن مروان) إليه فسأله عن (عثمان) فأعرض عنه, فقال له (عبد العزيز) ” ما حملك على حب أبي تراب , إلا أنّك أعرابي جاف لا تقرأ القرآن ” , فقال ” بلى واللّه إنّي لأقرأ القرآن وأقرأ منه ما لا تقرأ ” , جعله (ابن حبان) في الثقات , وكان من شيعة (علي) والوافدين إليه من أهل مصر , وقال ابن سعد: شهد مع (علي) (صفّين)[496].

كذلك (غرفة بْن الْحَارِث الْكِنْدِيّ المصري) , يكنى : أَبَا الْحَارِث , سكن مصر , لَهُ صحبة ورواية , من حديثه مَا رواه ابْن الْمُبَارَك أنه سمع نصرانياً يشتم النَّبِيّ فضربه ودقّ أنفه , فرفع إِلَى (عمروبن العاص) , فَقَالَ لَهُ : إنا قد أعطيناهم العهد. فَقَالَ لَهُ غرفة : مُعَاذ الله , أن نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ , إنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم , يقولون فيها مَا بدا لهم وألا نحملهم مَا لا يطيقون , وإن أرادهم عدو قاتلنا دونهم , وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم , إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا , فنحكم فيهم بحكم الله عز وجل , وحكم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ , وإن اغتنوا عنا لم نعرض لهم. فَقَالَ عَمْرو: صدقت. وهو ما يظهر جهل او تجاهل (عمرو بن العاص) لأحكام الإسلام وحق النبي . وَرَوَى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) عَنْ (غُرْفَةَ بْنِ الْحَارِثِ) , قَالَ ” شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ , وَأُتِيَ بِبُدْنٍ , فَقَالَ : ادْعُوا لِي أَبَا حَسَنٍ , فَدُعِيَ لَهُ , فَقَالَ لَهُ : خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ , وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ بِأَعْلاهَا , ثُمَّ طَعَنَا بِهَا الْبُدْنَ , فَلَمَّا رَكِبَ بَغْلَتَهُ أَرْدَفَ علياً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَذَكَرَهُ الْخولانيُّ قَالَ ” كَانَ غُرْفَةُ بْنُ الْحَارِثِ لَهُ صُحْبَةٌ , وَقَاتَلَ مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فِي الرِّدَّةِ[497] . كان من شيعة (علي) , وهو القائل (وعلمت ان علياً لم يقدم الا بما عهد اليه فيه)[498] .

ولقد ورد أنه كان مع (عمرو بن العاص) ابن عم له فتى شاب , وكان داهياً حليما , فلما جاء عمرو بالكتاب – كتاب (معاوية) له بمصر- مسروراً عجب الفتى وقال ” ألا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش؟ أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك. أترى أهل مصر -وهم قتلة عثمان- يدفعونها إلى معاوية وعليٌّ حي؟ “[499] .

وقد خطب والي امير المؤمنين (علي) على مصر (قيس بن سعد بن عبادة) أهلها ” انا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا , فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله , فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم ” , فبايعه الناس , الا أهل قرية يقال لها (خربتا) كان أهلها عثمانية , فهادنهم , وجبى الخراج ليس أحد ينازعه[500].

ومنه يُعلم ان نسبة عظيمة من أهل (مصر) كانوا عَلَوية . حتى ان احد العلويين سيطر على صعيد مصر كله في زمان (احمد بن طولون) , دلالة على كثرة أنصاره وحب اهل البيت في هذه الأرض , الامر الذي سمح بقيام الدولة الفاطمية لاحقاً واستمرارها قروناً طويلة رغم جهود بني العباس المعارضة[501].

 

 

وبذلك يمكن الإقرار ان أصحاب (علي بن أبي طالب) كانوا جميعاً من السادات والنجباء والفرسان وأهل الرأي والإيمان والبيان والثبات والجنان , عرفاء قومهم ونجباء مصرهم وحماة ديارهم وأوعية الحكمة والحكم وظهير الصالحين وانصار النبيين , وأن القبائل السبئية كانت اقرب للحق العَلَوي لقربها من الارتكاز العقلي العراقي , وأن القبائل التي فيها تردد وتذبذب في معرفة (علي) هي التي كانت تقطن جنوب البصرة باتجاه اليمن , من (تميم) الكبرى و(الازد) , فيما كانت (تميم) و (أزد) السواد في العراق المعاصر اقرب لمعرفته ونصرته .

وكذلك يمكن ادراك ان من قتلتهم سيوف (بني أمية) هم اجلّاء الصحابة وأهل الإسلام الأول والإيمان المحمدي الواعي , وان الامة فقدت بذلك دعاتها الصادقين وعلماءها العاملين وقادتها النجيبين , لذلك كانت بعد فقدهم مهيئة لمثل (يزيد بن معاوية) وحكومته .

وأصحاب (علي) كما وصفهم (معاوية بن الضحاك) صاحب راية (بني سليم) في جيش (معاوية) وأهل الشام ” فوارس (بدر) و (النضير) و (خيبرٍ)  * و (أحد) يروّون الصفيح المهندا ,, ويوم (حُنين) جالدوا عن نبيهم * فريقا من الأحزاب حتى تبددا “[502] .

ويبدو واضحاً ان الله الذي جعل ولاية (علي بن ابي طالب) ديناً قد هيّأ لاختياره ما لم يتهيأ لغيره , فمرحلة اختيار (علي) كانت الفترة الزمنية الوحيدة للرأي الحر في تاريخ الصحابة بعد رسول الله , بوجود الثورة الشعبية , فتبنته الصحابة كخيار إسلامي صالح , وهو الامر الذي سمح للعقيدة العَلَوية ان تخترق حتى صفوف حزب الطلقاء , بعد ان سرت في الجيل اللاحق , فقد كان (المهاجر بن خالد بن الوليد) مع (علي) يوم (صفّين) , وكان ابنه (خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد) مع (بني هاشم) في الشِعب في زمان (ابن الزبير)[503] , حين حصرهم فيه .

فحين اجتمع الصحابة في مسجد رسول الله بعد قتل (عثمان) للنظر في أمر الإمامة أشار (أبو الهيثم بن التيهان), و (رفاعة بن رافع) و (مالك بن العجلان) و(أبو أيوب الأنصاري) و(عمار بن ياسر) ب(علي بن ابي طالب) , وقام كل واحد منهم خطيباً يذكر فضل (علي) , سواءً على أهل عصره خاصة أو على المسلمين كلهم كافة , ثم بويع يوم الجمعة , وصعد المنبر في اليوم الثاني يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة, فحمد الله وأثنى عليه, وذكر (محمداً) فصلى عليه, ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام , ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها , وذكر الآخرة فرغبهم إليها , ثم قال ( أما بعد, فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف الناس أبا بكر , ثم استخلف أبوبكر عمرَ , فعمل بطريقه , ثم جعلها شورى بين ستة , فأفضى الامر منهم إلى (عثمان) , فعمل ما أنكرتم وعرفتم , ثم حُصر وقُتل , ثم جئتموني طائعين فطلبتم إلي , وإنما أنا رجل منكم لي ما لكم , وعلي ما عليكم, وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة , وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم , ولا يحمل هذا الامر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الامر , وإني حاملكم على منهج نبيكم صلى الله عليه وآله , ومنفذٌ فيكم ما أُمرت به , إن استقمتم لي وبالله المستعان . ألا إن موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته , فامضوا لما تؤمرون به , وقفوا عندما تنهون عنه , ولا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم , فإنّ لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا , ألا وإن الله عالم من فوق سمائه وعرشه أني كنت كارهاً للولاية على أمة محمد , حتى اجتمع رأيكم على ذلك , لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ” أيما والٍ ولى الامر من بعدي أُقيم على حد الصراط ونشرت الملائكةُ صحيفتَه , فإن كان عادلاً أنجاه الله بعدله , وإن كان جائراً انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله , ثم يهوى إلى النار , فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحر وجهه ” , ولكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم )[504] .

وكان الشيعة يزيدون ويكثرون بالتدريج في صدر الاسلام حتى بلغوا ألفاً أو أكثر. ولما نفي (ابو ذر) إلى الشام تشيع منها جماعة كثيرة ويقال أن تشيع أهل جبل عامل من ذلك الوقت , وإنه لما أخرجه (معاوية) إلى القرى وقع في جبال (بني عاملة) فتشيعوا , وفي رواية مسندة إلى (عمار بن ياسر) و (زيد بن أرقم) تدل على أنه كان زمن خلافة (علي) قرية في الشام عند جبل الثلج تسمى أسعار أهلها شيعة . ولما وقعت الفتن في الاسلام وقُتل (عثمان) ووقع حرب (الجمل) ثم حرب (صفّين) ثم وقعة (النهروان) كان أكثر الصحابة مع (علي) ومن أشياعه , وجماعة منهم مع (معاوية) , وقليل منهم اعتزلوا الفريقين منهم (سعد بن أبي وقاص) و(عبد الله بن عمر) , فقال (علي) ( ان سعداً وعبد الله لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل ) . ولما سكن (علي) في العراق تشيع كثير من أهل الكوفة والبصرة وما حولهما , ولما تفرقت عماله وشيعته في البلاد كان من دخل منهم بلاداً تشيع كثير من أهلها , وكان في مكة و(المدينة) والطائف واليمن ومصر كثير من الشيعة , مضافاً إلى من بالعراق وفارس , بل كان جل أهل اليمن شيعة , واليوم الغالب على اليمن التشيع على مذهب (زيد) الشهيد وفيها عدد كثير من الشيعة الإمامية الاثني عشرية , وكذلك أهل مصر كان أكثرهم في ذلك العصر عَلَوية ومنهم طائفة عثمانية . ولما قُتل (الحسين) استعظم أكثر المسلمين ذلك , حتى بعض الأمويين , وتنبهوا لفضل أهل البيت وما أصابهم من الظلم , وعلموا بتقصيرهم في نصرهم , وانحرف كثير عن (بني أمية) ومالوا إلى (بني هاشم) وخاصة إلى العلويين وكثرت شيعتهم . وكانت وقعة (الحَرّة) ووقعة التوابين ووقعة نهر (الخازر) وغيرهما مما أوجب انحراف الناس عن (بني أمية) , مضافاً إلى ما تأسس في نفوسهم من أفعال (بسر بن ارطأة) وغيره أيام (معاوية) . لاسيما حين طرد (بنو أمية) اهل (المدينة) في وقعة (الحَرّة) واعال (علي بن الحسين السجاد) اربعمائة امرأة من (بني عبد مناف) , منهن نساء (مروان بن الحكم) الذي يعادي (بني هاشم) اشد العداوة , وقد رفض اهل (المدينة) استقبال نسائه . وكان اهل (المدينة) قد خلعوا (يزيد) بعدما زاروه ورأوا تهتكه , فاستباح مدينتهم , وما كان ذلك من اهل (المدينة) لولا ثورة (الحسين) ودمه , ولكن هيهات وقد دفع الابناء ثمن خذلان الاباء للحق العلوي[505] . وقتل (إبراهيم الأشتر) في وقعة نهر (الخازر) ضد بني أمية , إضافة إلى (عبيد الله بن زياد) , معظم وجوه الجيل الثاني من زعماء قبائل اليمن مع أهل الشام (شرحبيل بن ذي الكلاع) و(حوشب بن ذي ظلم) , كذلك وجوه الجيل الثاني من زعماء أعراب قبائل (نجد) معهم (عبد الله بن اياس السلمي) و(الحصين بن نمير الكندي) و(ابن اشرس) و(غالب الباهلي) . رغم أن قوات (الأشتر) كانت بحدود الإثني عشرة ألفاً وقوات الأمويين كانت بحدود الثلاث وثمانين ألفاً . وحكمت دولة (المختار) بعد المعركة (الموصل) وجنوب الأناضول وشرق سوريا , كان عليها شقيق (إبراهيم) وجماعة[506].

 

كذلك قيام الإمام (علي بن الحسين السجاد) بشراء العبيد وتعليمهم الدين على منهج اهل البيت ومن ثم عتقهم[507] , وكذلك نشره العلم بين من لا يوالي اهل البيت عقائديا , كما في تعليمه ل(الزهري) شعب الصوم الواجب[508] .

فكانت الناس تعي الحاجة لأهل البيت حينها بعد ان رأت حاجة فقهائها اليهم . وكانت تلك بداية للثورة العلمية العَلَوية التي فجّرها وهج عاطفة الثورة الحسينية , وانزل غيثها الإمامان (محمد بن علي الباقر) و(جعفر بن محمد الصادق) لاحقا . كذلك الثورة الأخلاقية التي تعالج مادية ودنيوية (بني أمية) في الامة , من خلال ثقافة الدعاء والعرفان والتسامح ورعاية السنن الإلهية التي اطلقها الإمام (علي بن الحسين)[509] .

وكثر عدد الشيعة في التابعين وتابعي التابعين كثرة مفرطة , حتى قال (ابن ابي الحديد) ” أن القائلين بتفضيل (علي) على الناس كافة من التابعين خلق كثير ” , وقول (الذهبي) في “ميزان الاعتدال” ما مضمونه ” أن التشيع كثر في التابعين وتابعيهم , بحيث لو رُدَّ حديث هؤلاء لذهب جملة الآثار النبوية ” . وما زال عدد الشيعة يزداد حيناً فحيناً إلى أواخر الدولة الأموية , فظهرت شيعة (بني هاشم) من العلويين والعباسيين , وفي الدولة العباسية كثرت شيعة العلويين كثرة مفرطة في الحجاز واليمن والعراق , لا سيما الكوفة والبصرة , وفي مصر , وخراسان وسائر بلاد فارس لا سيما (قم) , وغير ذلك من البلدان وأكثرهم في الكوفة وخراسان.  ورغم ما وقع من الاضطهاد والخوف على أهل البيت وشيعتهم في الدولتين الأموية والعباسية , فقد كثر اتباع أهل البيت وشيعتهم وانتشرت علومهم كثرة ملفتة , خصوصاً في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية لقلة الخوف , لا سيما مع كون الثانية هاشمية , ففي عهد (السفّاح) و (المنصور) اشتهر مذهب أهل البيت في الناس , وخاصة في عصر الإمام (جعفر بن محمد الصادق) , ولذلك نُسب مذهبهم إليه فقيل المذهب (الجعفري)[510] . بل كان ائمة العامة من أهل السنة في القرن الأول الهجري أربعة (الشعبي) في الكوفة , (سعيد بن المسيب) في (المدينة) , (الحسن البصري) في البصرة التاريخية , (مكحول) في الشام  , وكان (سعيد) يدخل على أزواج النبي وعلى جملة من الصحابة المخالفين ويروي عنهم , لكنه كان على الأرجح على علاقة معرفية وثيقة بالأئمة المعصومين , لا سيما (زين العابدين علي بن الحسين) . لكنّ الائمة لم يكونوا بعد قد أوضحوا قواعد مذهب أهل البيت وأسسه التفصيلية , لشدة التقية في زمان بني أمية , لا سيما بعد مقتل الإمام (الحسين بن علي) , كما أن المذاهب لم تكن قد قامت , وكان العهد قريباً بزمان رسول الله , وكانت الدراسات حول تاريخ ومواقف الصحابة لم تقم بعد , لذلك كان من الصعب على بعض رؤوس التابعين بيان واستبيان الحقيقة[511]. وربما كان اثنان من الفقهاء السبعة التابعين من ائمة الجمهور العامة يرجعون إلى مذهب أهل البيت على الأرجح ومن ثقات (علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب) , وهما (سعيد بن المسيب) و (القاسم بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة) , وربما غيرهم , وربما كغيرهم ممن تركهم ائمة اهل البيت يفيضون من رشحاتهم على العامة[512].

 

 

و (عليٌ) كان كما قال (الخليل بن احمد الفراهيدي) حين سأله (يونس بن جيب النحوي) ” أريد أن أسألك عن مسالة فتكتمها عليَّ ” , فقال (الخليل) ” قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال فتكتمه أنت أيضا ” , فقال ” نعم , أيامَ حياتك ”  قال ” سل ” , قال (يونس) ” ما بال أصحاب رسول الله ورحمهم كأنهم كلهم بنو أم واحدة , وعلي بن ابي طالب من بينهم كأنه ابن علة ؟ ” , فقال (الخليل) ” أن علياً تقدمهم اسلاما , وفاقهم علما , وبذّهم شرفا , ورجحهم زهدا , وطالهم جهادا , والناس إلى أشكالهم واشباههم أميل منهم إلى من بان منهم “[513] . وكان مبتكر علم العروض (الخليل بن احمد الفراهيدي) شيعياً إمامي المذهب[514].

 

وكان ممن كتم الشهادة بحق (علي) من الصحابة (البراء بن عازب) و (أنس بن مالك) , فاصابتهما دعوة (علي) بالبلاء , فعمي (البراء) وبرص (أنس)[515] .

 

ولابد من الإشارة الى نكتة مهمة جدا , ان جميع القبائل المذكورة مع (علي بن ابي طالب) كان فيها من لا يواليه او حتى يعاديه , وان القبائل التي كانت ضده كان فيها من يواليه او يهادنه , فالقبائل كانت في الغالب على دين زعمائها وأمرائها , قد يغلب عليها ولاء ما , ويشذ فيها اخر , الا انها جميعاً كانت تشترك في الحد الأدنى من الإسلام , وهوما كان يجعل الجميع في مشروع التغيير العَلَوي , للسير بالجميع نحو مفهوم الإمامة والمرتبة العليا للإسلام . من هنا كان في (بني أسد) و(النخع) من حارب أهل البيت , رغم ان هاتين القبيلتين حملتا لاحقاً راية التشيع بوضوح .

ومن معرفة تاريخ الامة الآرامية وهذا المبحث يُعلم لماذا استخدم (علي بن ابي طالب) لغة علمية عميقة في خطبه على منبر العراق , وهي لغة لم يستخدمها رسول الله في الحجاز , حيث كان وظيفة النبي عامة لجمع الشعوب والقبائل على دين الإسلام والتوحيد , فيما كانت وظيفة (علي بن ابي طالب) صناعة النوعية العلمية من خلال استغلال العمق الحضاري للعقل العراقي الذي باستطاعته تحمّل هذه اللغة , والتي هي نبوية في أساسها . لذلك فالاعتراض على استخدام (علي) لمصطلحات اصولية ومنطقية في نهج البلاغة غير تام , لأنه انما سرد ذلك في العراق الذي كان يعي ما يقول (علي) وبين الآراميين الذي اسسوا تلك العلوم , وهو دليل على اختصاص العراقيين بعلم (علي) حينها[516].

 

 

 

[1] قصص الأنبياء , قطب الدين الراوندي , مطبعة الهادي , ص ٣٥٤

[2] أعيان الشيعة , محسن الأمين , ج ١ , ص ٢٩٠

[3] الإمامة وأهل البيت , الجزء الثاني , ص ٣٩٤ , رواه عن السيوطي في تفسيره ، وعن ابن مردويه عن ابي برزة الاسلمي , وفِي ص ٣٩٥ عن مسند احمد بن حَنْبَل عن علي بن ابي طالب

[4] السلسلة الصحيحة , الالباني , حديث ١٧٥٠ , درجته : صحيح

[5] الإرشاد , المفيد

[6] بحار الأنوار , المجلسي , ج 38 , ح ٧١

[7] تحفة الملوك في السير والسلوك , محمد مهدي بحر العلوم \\\ مناقب ابن المغازلي , ح ١٣٣ عن جابر بن عبد الله

[8] صحيح البخاري , حديث ٣٥٠٣ , عن شعبة عن سعد عن إبراهيم بن سعد عن ابيه

[9] مسند احمد بن حَنْبَل , كتاب فضائل الصحابة , حديث ٩٨٥ , عن زيد بن أرقم

[10] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , ج 1 , ح ٤٦٣٧ , قال : حديث صحيح الاسناد ولَم يخرجاه , الا انه لم يورد لفظ الحكمة في هذا الحديث , وقد أورده بطرق أخرى \\\ اما لفظ الحكمة فقد ورد في مناقب ابن المغازلي , ح ١٢٨ عن ابن عباس

[11] تفسير البغوي , ج 6 , تفسير سورة الشعراء , آية ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) \\\ مناقب ابن المغازلي , ح ٢٣٨ عن ابن بريدة

[12] المسترشد , محمد بن جرير الطبري , ص ٦٣٤

[13] دعاء الندبة , كتاب “مفاتيح الجنان” , عباس القمي

[14] سفر التكوين ١٧ : ٢٠

[15] الدراسات الإسلامية المسيحية اليهودية المقارنة , ص 88

[16] تاريخ التمدن الإسلامي , جرجي زيدان , مؤسسة هنداوي , ج ٢ , ص ١٨

[17] تاريخ التمدن الإسلامي , جرجي زيدان , مؤسسة هنداوي , ج ٢ , ص ٢١

[18] سورة التوبة 97

[19] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 2 , دار الكتب العلمية , ص 154

[20] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 40

[21] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٦

[22] السيرة الحلبية , نور الدين الحلبي , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٢٠٦

[23] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٨٧-٢٨٨

[24] مسالك الابصار في ممالك الأمصار , ابن فضل الله العمري , دار الكتب العلمية , ج ٢٣ , ص ٤١٧

[25] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٢٣٩

[26] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , دار الكتب العلمية , ج 3 , ص 49

[27] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[28] المستدرك على الصحيحين , النيسابوري , دار المعرفة , ج 3 , ص 244

[29] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار صادر , ج ٢ , ص ١٥٦

[30] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[31]البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[32] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[33] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني , ط دار الكتاب الإسلامي , ج ٢ , ص ٤٣٦

[34] السيرة النبوية , ابن هشام ال(حِمْيَر)ي ,  مكتبة محمد علي صبيح وأولاده , 1963م  , ج ١ – الصفحة ٢٣3

[35] الشيخان \ طه حسين \ ص 68

[36] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[37]   البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[38] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , مؤسسة الاعلمي للمطبوعات , ج ٢ , ص ١٩٩

[39] أعيان الشيعة , ص ٢٤٨

[40] البداية والنهاية , ج 4 , غزوة هَوازن

[41] البداية والنهاية , ج 4 , صفة دخوله عليه السلام مكة

[42] البداية والنهاية , ج 4

[43] معرفة الصحابة , أبو نعيم الأصبهاني , دار الكتب العلمية , الجزء الثاني ص ٣٢

[44] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , كتاب الإيمان , ج ١ , ح ٤٣٤٠

[45] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[46] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٧٢ – ١٧٤

[47] دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات أهل البيت , ص 137

[48] السيرة النبوية , ابن هشام , الجزء الأول , المكتبة العلمية  – لبنان , ص ١٢

[49] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[50] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ١٠٣

[51] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , ص ١٠٦

[52] السيرة النبوية , ابن هشام , العبيكان للنشر , ج ٢ , ص ٩٧

[53] البداية والنهاية , ابن كثير , دار احياء التراث العربي , ج ٤ , ص ٣٢

[54] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[55] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٧٧

[56] سورة النجم 2 – 5

[57] تهذيب الكمال , المزي , مؤسسة الرسالة , ج ٣٢ , ص ١٣٣

[58] تهذيب التهذيب , ج ١١ , ص ٣٢٨

[59] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[60] السيرة النبوية , ابن هشام , دار علوم القران , ج ٢ , ص ٤١٠

[61] تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج ٤ , ص 380 – 381

[62] الفتنة الكبرى \ طه حسين \ مؤسسة هنداوي \ ج 1 \ ص 159 – 175

[63] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , القسم الثاني , الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني , ط دار الكتاب الإسلامي , ص ٣٨٦

[64] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٧٣

[65] الفريضة الغائبة , ص 54

[66] التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان , محمد بن يحيى المالقي الأندلسي , دار الكتب العلمية , ص ٤٧

[67] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٧٢

[68] مشهد الإمام أو مدينة النجف , ج ١ , ص 103

[69] الشيخان \ طه حسين \ ص 60

[70] تاريخ المدينة المنورة , ابن شبة , دار الكتب العلمية , ص ١٢٤ , ح ١٧٤١

[71] تاريخ المدينة المنورة , ح ١٧٤٠

[72] حملة القران من الصحابة الكرام , د. سيد الشنقيطي , دار الحضارة , ط ١٤٢٧ه , ص ١٩٦

[73] مصنف ابن ابي شيبة , كتاب فضائل القران , ممن يؤخذ القران

[74] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٣٤ , ح ٣

[75] التفسير والمفسرون , د. محمد حسين الذهبي , مكتبة وهبة , ج ٣ , ص ٢١٩

[76] القمامة

[77] المعجم الكبير , الطبراني , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٤٤ , ح ١٠٧

[78] السيرة الحلبية , برهان الدين الحلبي , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٣٦٥

[79] فاطمة الزهراء والفاطميون , ص 33

[80] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٣٠٠

[81] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[82] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4

[83] البداية والنهاية , ابن كثير , ج 4 , معركة مؤتة

[84] البداية والنهاية , ج 4

[85] البداية والنهاية , ج 4

[86] الطبقات الكبرى , ابن سعد , ج ٢ , ص ١٤٨

[87] البداية والنهاية , ج 4 , فصل هزيمة هَوازن

[88] البداية والنهاية , ج 4

[89] جمهرة النسب , ابن الكلبي , مطبعة حكومة الكويت , ط ١٩٨٣ م , ج ١ , ص ٢٩٣

[90] البداية والنهاية , ج 4

[91] البداية والنهاية , ج 4

[92] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , القسم الأول , الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني , ط دار الكتاب الإسلامي , ص ٣١١

[93] اعيان الشيعة \ ج 1 \ ص 574

[94] البداية والنهاية , ج 4 , غزوة هَوازن – الوقعة

[95] السيرة النبوية , ابن هشام , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٤٢

[96] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥١١

[97] السيرة النبوية , ابن هشام , المكتبة العلمية , ج ٣ , ص ٩١

[98] نساء حول الرسول , عمر احمد الراوي , دار الكتب العلمية , ص ١٦٩

[99] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٧٢ – ١٧٤

[100] عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير , فتح الدين بن سيد الناس , دار القلم , ج ١  , ط ١ , ص ٢٤٢

[101] البداية والنهاية , ج 4 , مرجعه عليه السلام من الطائف وقسمة غنيمة هَوازن

[102] الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم , جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي , مؤسسة النشر الإسلامي , ج ١ , ص ١٨٤

[103] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٣٨٩

[104] سير اعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢ , ص ٢٥

[105] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٦٥٦

[106] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ١٩٦

[107] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٧٤

[108] البداية والنهاية , ج 4

[109] تاريخ الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٣٥

[110] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٣٨٤

[111] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٦٩ – ٧٢

[112] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد

[113] تاريخ الطبري , ج ٢ , سرية عبد الله بن جحش

[114] قاموس الرجال , محمد تقي التستري , مؤسسة النشر الإسلامي – جماعة المدرسين , ج ٩ , ص ٢٤

[115] كتاب وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , ص ٤٧ – ٥١

[116] تاريخ الإسلام , الذهبي , ج ٣ , ص ٥٦٦

[117] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢٨ , ص ٢٧٦-٢٧٧

[118] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٨٦

[119] السيرة النبوية , ابن هشام , ذكر سنة تسع سنة الوفود  , رسل ملوك (حِمْيَر)

[120] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ١٧٠

[121] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٢١

[122] روضات الجنات , ج 1 , ص 108 – 111

[123] جواهر التاريخ , علي الكوراني العاملي , ج ٣ , ص ٣٨٣

[124] موسوعة الامام علي بن ابي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري , دار الحديث , ج ٩ , ص ١١ الهامش

[125] البداية والنهاية , ابن كثير , ج ٨ , فصل قضاء معاوية

[126] ترتيب الأعلام على الأعوام , خير الدين الزركلي , دار الارقم بن ابي الارقم , ج ١ , ص ١٢٥

[127] البداية والنهاية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٣١٣

[128] وقعة صفين , المنقري , ص ٤٥٧

[129] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٠٢

[130] الامام علي بن ابي طالب , احمد الرحماني الهمداني , ط افسيت فتاحي , ص ٦٧٧

[131] غاية المرام , السيد هاشم البحراني , تحقيق السيد علي عاشور , الجزء الثاني , ص ٢٩٤ – ٢٩٥

[132] مشهد الإمام أو مدينة النجف , ج ١ , ص 167

[133] كتاب الفتوح , احمد بن اعثم الكوفي , ج ٣ , ص ١٣١

[134] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٩

[135] السيرة النبوية , ابن هشام , مؤسسة علوم القران , ج ١ , ص ٦٣٩

[136] جامع احاديث الشيعة , حسين البروجردي , المطبعة العلمية , ج ١٣ , ص ١٣٥

[137] انظر كتاب : مرويات الفتوحات الإسلامية لجبهة الروم في تاريخ الطبري من ٤٢ هج إلى ٦٠ هج , د. ستار جبار شكر محمود الجنابي , مجلة مداد الآداب – العدد الثاني – كلية الآداب – الجامعة العراقية

[138] انظر: مرويات الفتوحات الإسلامية لجبهة الروم في تاريخ الطبري من ٤٢ هج إلى ٦٠ هج

[139] سير أعلام النبلاء , الذهبي , ج ٣ , ص ١١٤

[140] بحار الأنوار , العلامة المجلسي , ج ٧ , ص ١٩٤

[141] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , ابن عبد البر , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٢١٣

[142] تهذيب خصائص الامام علي بن ابي طالب , احمد بن شعيب النسائي , دار الكتب العلمية , ص ٢٠-٢١

[143] تاريخ الأمم والملوك , محمد بن جرير الطبري , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٥٤٣

[144] المستدرك على الصحيحين , الحاكم النيسابوري , دار المعرفة ,  كتاب معرفة الصحابة ح ٤٦٩٥

[145] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه ١  , الأميني , دار الكتاب الإسلامي , الطبعة الأولى , ص ٣٤

[146] البداية والنهاية , ج 4  , سنة سبعة للهجرة معركة خَيْبَر

[147] البداية والنهاية , ج 4

[148] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٦٨

[149] تفسير مجمع البيان , الطبرسي , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٣٦١ – ٣٦٢

[150] إقبال الاعمال , ابن طاووس

[151] اعيان الشيعة \ ج 1 \ ص 539

[152] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٥٥

[153] تفسير القران العظيم , ابن كثير , دار طيبة , ج ٤ , ص ٤٣٥

[154] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٥٦

[155] الدر التنظيم , ابن حاتم العاملي , مؤسسة النشر الإسلامي , ص ١٥٧

[156][156] البداية والنهاية , ج 4  , بعثه عليه السلام خالد بن الوليد الى جذيمة بعد الفتح

[157] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢١٤ – ٢١٦

[158] تاريخ التمدن الإسلامي 2 \ جرجي زيدان \ ص 47

[159] أعيان الشيعة , محسن الأمين , دار التعارف , ج ١ , ص ٢٤

[160] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج 4  , ص ٢٣٩

[161] الاستيعاب في معرفة الاصحاب , ابن عبد البر , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٨٣

[162] نثر الدر في المحاضرات , الوزير الابي , دار الكتب العلمية , ٢-٣ , ص ٦٦

[163] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه  , الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ج ٢ , ص ٣٧٧

[164] البداية والنهاية , ج 4  , فضل جعفر

[165] البداية والنهاية , ابن كثير , دار احياء التراث العربي , ج ٣ , ص ١٠٥

[166] البداية والنهاية ج 4  , فضل جعفر

[167] تهذيب التهذيب , ابن حجر العسقلاني , دار الفكر , ط ١ , ج ٧ , ص ١١٤

[168] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٦٥

[169] كتاب الفتوح , ابن اعثم الكوفي , دار الأضواء , ج ٣ , ص ١٥٤

[170] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[171] فتح الباري في شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , دار كتاب , ج ٧ , ص ٢٢١

[172] موسوعة التاريخ الإسلامي  , محمد هادي اليوسفي , مجمع الفكر الإسلامي , ج ٢ , ص ٣٣٧

[173] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٣ , ص ١٠٢ – ١١٢

[174] البداية والنهاية , ج 4  , سرية ابي عبيدة لسيف البحر

[175] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٦٨

[176][176] البداية والنهاية , ج 4  , صفة دخوله عليه السلام مكة

[177] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ١٠٥

[178] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٧ , ص ٣٦٥-٣٦٦ \\\ السيرة النبوية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ص ١٩٥

[179] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٣٦

[180] رجال الطوسي , ص 37

[181] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٩٦

[182] فتح الباري في شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , دار كتاب , ج ٧ , ص ٢٢١

[183] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٤٧ , ح ١

[184] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٤٨ , ح ٣

[185] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٥٠ , ح ٨

[186] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٨١- ١٨٢

[187] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٩١-١٩٢

[188] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٠٥

[189] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , ج ١ , ص ٢١٥

[190] معرفة الصحابة , ابن منده , مطبوعات جامعة الإمارات , ط ١ , ج ١ , ت ٣٦٥

[191] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٣٠

[192] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٤٥

[193] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , إياد عيدان البلداوي , مؤسسة البلداوي للطباعة – ط ١ – ١٤٣٥ ه / ٢٠١٣م , ص 6

[194] ساقطات الآثار الباقية عن القرون الخالية , ص 19

[195] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٧١

[196] السيرة النبوية , ابن هشام , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ٧٧

[197] اسد الغابة في معرفة الصحابة , ابن الأثير , دار الفكر , ط ١٩٨٩ م , ج ٤ , ص ٥٥٨

[198] البداية والنهاية , ج 4  , فصل خروج النبي بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح في اثر ابيّ سفيان

[199] البداية والنهاية , ج 4  , فصل سؤال النبي عن سعد بن الربيع

[200] البداية والنهاية , ج 4  , مقتل ابي رافع اليهودي

[201] البداية والنهاية , ج 4  , غزوة هَوازن – الوقعة

[202] البداية والنهاية , ج 4  , مرجعه عليه السلام من الطائف \\\ كتاب الثقات , ابن حبان , دار الكتب العلمية , ج ١ , ص ١٣٦

[203] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٥٩

[204] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٨٢

[205] السيرة النبوية , ابن هشام الحميري , مكتبة محمد على صبيح وأولاده  , ج ٣ , ص ٦١٤

[206] دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات أهل البيت , ص 123 – 125

[207] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٠٧

[208] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٩٦

[209] كتاب صفين , ابن ديزيل , دار الكتب العلمية , ص ١٠٠ الهامش

[210] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , احداث سنة سبع وثلاثين

[211] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٠١

[212] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 49

[213] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١١٣

[214] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٦٧

[215] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٣٦ – ٢٣٧

[216] كتاب وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , ص ٤٨٤

[217] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥١٢

[218] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤١٦

[219] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٢٥

[220]تاريخ التمدن الإسلامي 2 \ جرجي زيدان \ ص 47

[221] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , دار كتاب , ج ٢ , ص ٢٠٨ – ٢٠٩

[222] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٨٦ \\\ سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , الجزء الثالث , ص ٥٣٨

[223] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٥٩

[224] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٧٨

[225] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص١٢٦

[226] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٦٠

[227] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٥٦

[228] الغارات , ج ٢

[229] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 14

[230] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٠٢

[231] الإمامة والسياسة , ابن قتيبة الدينوري , دار الكتب العلمية , ص ١١٨

[232] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٧٩

[233] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٦٠٦

[234] مقتل الحسين , أبو مخنف الازدي , تعليق : الحسن الغفاري , ص ٢٦٠

[235] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 63 – 64

[236] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 70 – 90

[237] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 62 – 63

[238] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 72

[239] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 70

[240] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ١٩٧

[241] منتظم الدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين , محمد علي التاجر البحراني , مؤسسة طيبة لإحياء التراث – الطبعة الأولى ١٤٣٠ ه ,  ج ١ , ص ٣٠١ – ٣٠٣

[242] منتظم الدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين , ج 1 , ص ٣٥٧

[243] منتظم الدرين , ج 1 , ص 356 – 357

[244] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٢١٧

[245] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٢

[246] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٥

[247] منتظم الدرين , ج 1 , ص 302

[248] معجم البلدان , ياقوت الحموي , دار الكتب العلمية , ج ٤ , ص ٤٢٩

[249] موسوعة ال بيت النبي , د. مجدي باسلوم – سميرة مسكي , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٦٣

[250] إمتاع الأسماع , تقي الدين المقريزي , دار الكتب العلمية , ج ١٣ , ص ٢٣٤

[251] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٦٤ و ص ٢١٤

[252] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤٥٤

[253] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٧٨

[254] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٩٣ – ٢٩٤

[255] مقاتل الطالبيين , أبو الفرج الأصفهاني , دار الكتب العلمية , ص ٢٢

[256] منتظم الدرين , ج 2 , ص 172

[257] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة , ميرزا حبيب الله الخوئي

[258] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , ص ٥٨١

[259] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٥٤

[260] بحار الأنوار , المجلسي , دار احياء التراث العربي , ج ٧٢ , ص ٤٣٣

[261]   رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص 82 \ ح 6

[262] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٧٦ و ٧٨

[263] منتظم الدرين , ج 1 , ص 508

[264] منتظم الدرين , ج 2 , ص 150

[265] منتظم الدرين , ج 1 , ص 508 – 509

[266] منتظم الدرين , ج 1 , ص 368 – 369

[267] منتظم الدرين , ج 1 , ص 364 – 365

[268] منتظم الدرين , ج 2 , ص 135 و 201 و 345

[269] منتظم الدرين , ج 1 , ص 70

[270] منتظم الدرين , ج 1 , ص 119

[271] منتظم الدرين , ج 2 , ص 131 – 132

[272] منتظم الدرين , ج 2 , ص 18

[273] منتظم الدرين , ج 2 , ص 143

[274] منتظم الدرين , ج 2 , ص 130

[275] منتظم الدرين , ج 2 , ص 167

[276] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[277] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٧٤ , ح ٢

[278] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٩٠ – ٥١٤

[279] اعيان الشيعة , ج ١ , ص 565

[280] العراق عرين القبائل العربية , ج 5 , ص 27

[281] البداية والنهاية , ج ٥ , وفود بني اسد

[282] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٦٠٦ – ٦٠٧

[283] رجال الطوسي , ص 71

[284] العراق عرين القبائل العربية , ج 5 , ص 9 – 24

[285] تراجم الرجال , ج ٢ , ص 412

[286] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٩٤ – ٤٩٥

[287] وقعة صفين , المنقري , ص ١٤٦

[288] الكوفة في عيون الرحالة والمستشرقين , رسول كاظم عبد السادة , ص 23

[289] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٦٨-٦٩

[290] اعيان الشيعة \ دار التعارف \ ج 1 \ ص 535 – 536

[291] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٩٧

[292] الإمامة والسياسة , ابن قتيبة الدينوري , دار الأضواء , ج ١ , ص ٧٨

[293] وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , تحقيق : عبد السلام محمد هارون , ص ٤٥٠ – ٤٥٣

[294] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٨٧  , ح ١

[295] تاريخ التمدن الإسلامي 2 \ جرجي زيدان \ ص 47  فيما كان قسم كبير منها في الجزء الجنوبي الغربي لجزيرة شمال العراق قبل الإسلام \

[296]اختيار معرفة الرجال \ الكشي \ ص 470 ح 1  يرى الشيعة ان كل فتح بغير اذن الامام المعصوم ضلال , وان للإمام المعصوم تحرير العبيد الذين اخذوا في هذا الطريق .

[297] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٦ , ص ٢٣٤

[298] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٦٢١

[299]  معجم رجال الحديث , أبو القاسم الخوئي , ط الخامسة ١٩٩٢م , ج ١١ , ص ٩٢

[300] كمامة الزهر وصدفة الدرر , ابن بدرون , دار الكتب العلمية , ص ١٥٨ الهامش

[301] وقعة صفين , ص ١٤٣

[302] الكامل في التاريخ , ابن الأثير

[303] وقعة صفين , المنقري , ص ٢٠٢

[304] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٢٢

[305] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار بيروت , ج ٢ , ص ٣٠١

[306] تاريخ التمدن الإسلامي 2 \ جرجي زيدان \ ص 73

[307] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٣٠٢

[308] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤١٢

[309] السيرة الحلبية , ج ٣ , ص ٢٨٤

[310] وقعة صفين , المنقري , ص ٤٨٢

[311] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , ج ١٦ , ص ٣٨

[312] البداية والنهاية , ابن كثير , دار الكتب العلمية , ج٤ , ص ٢٤٨

[313] وقعة صفين , المنقري , ص ٤٣٠

[314] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٧٩

[315] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٢٤٨

[316] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , احداث سنة سبع وثلاثين

[317] انساب الأشراف , البلاذري , امر صفين

[318] معجم رجال الحديث , أبو القاسم الخوئي , ج ٢٢ , ص ١٠٩

[319] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٥١ – ٤٥٤

[320] البداية والنهاية , ج 4  , غزوة الحديبية

[321] روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات , ج 3 , ص 306 – 311

[322] عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير , ابن سيد الناس , ج ٢ , ص ٥

[323] البداية والنهاية , ج 4  , غزوة الفتح الأعظم

[324] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ١٦٥

[325] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٥٣

[326] وقعة صفين , المنقري , ص ٤٠٠

[327] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , احداث سنة سبع وثلاثين

[328] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٢٨ , ص ٢٧٧

[329] ساقطات الآثار الباقية عن القرون الخالية , ص 19

[330] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٢٦٤

[331] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٤٠

[332] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٣٢٥

[333] صلح الحسن عليه السلام , السيد عبد الحسين شرف الدين , ص ٣٤٥

[334] تاريخ الطبري , ج ٢ , ذكر واقعة بدر الكبرى

[335] وقعة صفين , المنقري , ص ٢٣٢

[336] رجال الطوسي , ص 72

[337] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[338] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص١١٩

[339] الطبقات الكبرى , ابن سعد , دار صادر , ج ١ , ص ٣٣٨

[340] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٤٤

[341] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٢٨٢-٢٨٣

[342] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٣٠٦

[343]تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج ٤ , ص 575

[344] تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج ٤ , ص 580

[345] اسد الغابة , ابن الأثير , انتشارات اسماعيليان , ج ٤ , ص ٣٣٩

[346] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , دار الكتب العلمية , ج ٦ , ص ٤٤٦

[347] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[348] بحار الأنوار , المجلسي , ج ٤٢ , ص ١٦٣

[349] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٢٧٦

[350] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٧٠

[351] نهاية الأرب في فنون الأدب , شهاب الدين النويري ,  ط ٢٠١٨ , ج ١٨ , ص ٥٥

[352] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص. ٥٣٨

[353] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٧٥

[354] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٨١  , ح ٥

[355] الأعلام , الزركلي , ج ٨  , ص ٦٨

[356] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥١٠

[357] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٧٠

[358] سير أعلام النبلاء , ج 4

[359] المناقب , احمد بن محمد المكي الخوارزمي , مؤسسة النشر الإسلامي , ص ٢١٦

[360] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 7

[361] مجمع الزوائد ومنبع الفوائد , نور الدين الهيثمي , مكتبة المقدسي , كتاب المناقب , باب ما جاء في النخع , ح ١٦٥٩٥

[362] شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية , الزرقاني المالكي  , ج ٥ , ص ٢٣٤ , الوفد الخامس والثلاثون

[363] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٢٨٩

[364] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٩٧

[365] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٢ , ص ٥٩٧ – ٦٠٢

[366] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 25

[367] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 11

[368] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٠٥

[369] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , احداث سنة سبع وثلاثين

[370] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٨٨

[371] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٠٠

[372] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , ج ٨ , ص ٨١

[373] شرح نهج البلاغة , ج ١٥ , ص ١٢٢

[374] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥١٠ – ٥١٨

[375] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٦٥٩

[376] الطبقات الكبرى , ابن سعد , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ٢٠

[377] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص 125 ح 6

[378] كتاب وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , المؤسسة العربية الحديثة , ص ١٨٠

[379] بحار الأنوار , محمد باقر المجلسي , ج ٣٢ , ص ٤٣٣

[380] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , محمد هادي الأميني , دار الكتاب الإسلامي , ط ١ , ج ١ , ص ٢١٢

[381] موسوعة الامام علي بن ابي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ , محمد الريشهري , دار الحديث , ج ٨ , ص ٣٥٤

[382] الإرشاد , المفيد , دار المفيد , ج ١ , ص ٢٢

[383] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 18 – 19

[384] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٨٩

[385] سير أعلام النبلاء , الذهبي , ط : مؤسسة الرسالة , ج 4 , ص 53

[386] تنقيح المقال في علم الرجال , المامقاني , مؤسسة آل البيت , ج 17 , ص 206

[387] تهذيب الكمال , المزي , مؤسسة الرسالة , ج 18 , ص 12 – 13

[388] أعيان الشيعة , محسن الأمين , تحقيق , حسن الأمين , ج 3 , ص 444

[389] تهذيب الكمال , المزي , دار الكتب العلمية , ج 11 , ص 74

[390] اختيار معرفة الرجال , الكشي , ص 303 – 304

[391] الثقات , ابن حبان , ط: مجلس دائرة المعارف العثمانية , ج ٤ – الصفحة ٤٥

[392]  تاريخ مختصر الدول , ابن العبري , ج 1 , ص 111

[393] روضات الجنات , ج 4 , ص 179

[394] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[395] دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات أهل البيت , ص 253 – 255

[396] البداية والنهاية , ج 4  , غزوة أوطاس

[397] كتاب الأم , الشافعي , دار الفكر , ج 2 , ص 152

[398] تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم , الخطيب البغدادي , دار الكتب العلمية , ص ٤٠٤

[399] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤١٠ و ص 553

[400] عمار بن ياسر , محمد جواد الفقيه , مؤسسة الاعلمي , ج ١ , ص ٢٠٨ \\\ اعيان الشيعة , ج 1 , ص 553

[401] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٧٥ -٧٦

[402] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٨٥

[403] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٠٥

[404] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار بيروت للطباعة , ج ٣ , ص ٣٨١

[405] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٤٤

[406] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٣ , ص ١١٨

[407] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٣١

[408] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٧٧

[409] ترتيب الأعلام على الأعوام , خير الدين الزركلي , دار الارقم بن ابي الارقم , ج ١ , ص ١٢٦

[410] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٥٠

[411] روضات الجنات , ج 1 , ص 207 – 209

[412] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٦٧٠

[413] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 13

[414] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤٣٢

[415] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٤٢ , ح ١٦

[416] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٤٢ , ح ١٤

[417] عبد الله بن سبأ , السيد مرتضى العسكري , ط 6 ,  ج ١ ,  ص ٦٠

[418] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٨٨

[419] الفتنة الكبرى , دار كتاب , ص 24

[420] الاستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض

[421] كشف الحقائق , الشيخ علي آل محسن , دار الميزان , ص ١٨٧

[422] هوية التشيع , أحمد الوائلي , دار الصفوة – بيروت , ص 136

[423] تهذيب التهذيب , ابن حجر , دار الفكر – 1984 , ج ٤ , ص ٢٥٩ – 260 \\\ ميزان الاعتدال , الذهبي , دار المعرفة – بيروت , ج ٢ , ص ٢٥٥ \\\ كتاب الضعفاء , أبو نعيم الأصبهاني , دار الثقافة – المغرب , ص ٩١ \\\ أرشيف ملتقى أهل الحديث الالكتروني , بالتعاون مع مشروع المكتبة الشاملة الالكتروني , ج 8 , ص 491 \\\

[424] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 577

[425] بحار الأنوار , العلامة المجلسي , ط 1992م , ج ٣٤ , ص ٤٠٣

[426] بحث السبئية تمت الاستفادة او الاقتباس من المصادر الاتية  : (عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني بين الحقيقة والخيال – د. سامي عطا حسن) ، (عبد الله بن سبأ – السيد مرتضى العسكري) ، (عبد الله بن سبأ في ميزان البحث العلمي – د . محمد أمحزون) ، (هوية التشيع الشيخ – الدكتور احمد الوائلي) ، (العراق عرين القبائل العربية – الشيخ علي الكوراني) ،  (أنساب وملوك العرب وبطون إمارة الأوس في العراق – الشيخ جاسم محمد راضي أمير قبائل الأوس والخزرج في العراق) ، (موسوعة الناظمين في الحسين عليه السلام) ، (موسوعة المعرفة) ، (موسوعة ويكيبيديا) ، (مواقف الشيعة – علي الاحمدي الميانجي – نشر مركز الابحاث العقائدية) ، (السنة والشيعة – احسان الهي ظهير) ، (الحكم الإقطاعي لمتاولة جبل عامل في العهد العثماني – د. أسامة محمد أبو نحل) ..

[427] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤١٠

[428] تاريخ مدينة دمشق , ابن عساكر , دار الفكر , ج ٨ , ص ٢٢

[429] باب ذكر عدد مغازي رسول الله , سرية علي بن ابي طالب الى اليمن

[430] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٠٧ – ٢١١

[431] موسوعة حروب فجر الإسلام , شاكر محمود رامز , الدار العربية للموسوعات , ج ٢ , ص ٣٤١

[432] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 28

[433] روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات , ج 3 , ص 90

[434] صحيح مسلم بشرح الابي والسنوسي , دار الكتب العلمية , ج ٨ , ص ٣٢٢ الشرح

[435] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٧٦

[436] أعيان الشيعة , ج ١ , ص ١٩٩

[437] تاريخ الطبري , مؤسسة الاعلمي , ج ٣ , ص ٩٠

[438] العراق عرين القبائل العربية , ج ٧ , ص 34

[439] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٤٦٦

[440] روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات , محمد باقر الخوانساري , مكتبة اسماعيليان ١٣٩١ هجرية , ج 4 , ص 32

[441] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٥٥

[442] رجال الطوسي , محمد بن الحسن الطوسي , مؤسسة النشر الإسلامي , ص ٨٦

[443] ساقطات الآثار الباقية عن القرون الخالية , ص 20

[444] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٩٨

[445] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٢٢

[446] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٣٠

[447] المعجم الصغير لرواة الامام محمد بن جرير الطبري , أكرم بن محمد زيادة الفالوجي الأثري , المجلد الأول , ص ٥٦٨

[448] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص١٣٧-١٣٨

[449] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٨٦

[450] كتب (عبيد الله بن أبي رافع) كاتب أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) أول كتاب في الرجال في النصف الثاني من القرن الأول الهجري , ذكر فيه الصحابة الذين نصروا أمير المؤمنين . ( رجال الطوسي , محمد بن الحسن الطوسي , تحقيق : جواد القيومي الأصفهاني , مؤسسة النشر الإسلامي – جماعة المدرسين – قم – ط ٥ – ١٤٣٠ ه , ص 5 )

[451] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١٩٦

[452] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤٥٦

[453] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٠٦

[454] مجلة الإصلاح الحسيني , مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية , العدد الرابع , مبحث : مقتل الأصبغ بن نباتة التميمي الكوفي اقدم المقاتل الحسينية , عامر الجابري

[455] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٦٥٥

[456] الاعلام , الزركلي , دار العلم للملايين , ج ٥ , ص ٢٨٤

[457] اعيان الشيعة , ج ١ , ص ٥٢٢

[458] الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر العسقلاني , نسخة كلكتا , المجلد الثاني , الجزء الثالث , ص ١٨

[459] أشار الأميني في المصدر الى انه دفن في (مدينة الكاظمية) ، وهذا خطأ واشتباه منه ، بل دفن في (كاظمة) ، وهي (الكويت) الْيَوْمَ ، وهي بادية تميم ، اذ مساكن تميم في البصرة وباديتها في الكويت ، واليها أشار الفرزدق

[460] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٤٦٣ – ٤٦٤

[461] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٠٦ – ٥٠٧

[462] ذكرت كتب التراجع ورجالات الصحابة نخبة من الروايات عن حديث عمر بن الخطاب ومتمم بن نويرة اخي مالك فيها شطر كبير من بسالته وجوده

[463] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٧٠

[464] بلاغات النساء , ابن طيفور , منشورات مكتبة بصيرتي , ص ٧٤

[465] الكامل في التاريخ , ابن الأثير , دار الكتاب العربي , ج ٢ , ص ٥٧٧

[466] تاريخ الطبري , دار الفكر , ج ٢ , ص ٢٣٩

[467] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ١٠٣ – ١٠٤

[468] وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , المؤسسة العربية الحديثة , ص ١٤

[469] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٢١

[470] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٦٤

[471] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[472] دور الأحداث التاريخية في بيان معتقدات أهل البيت , ص 41

[473] التنكيل , عبد الرحمن بن يحيى المعلمي , دار الكتب السلفية , ج ١ , ص ٥٢٢

[474] تاريخ بغداد , الخطيب البغدادي , ت ٧٢٤٩

[475] سير أعلام النبلاء , الذهبي , مؤسسة الرسالة , ج ٦ , الطبقة الخامسة , أبو حنيفة

[476] اختيار معرفة الرجال , الكشي , ص 660

[477] وقعة صفين , المنقري , ص ٢٤٩

[478] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٠٠

[479] انظر كتاب ( رجال الطوسي )

[480] تاريخ العمارة وعشائرها , عبد الكريم الندواني , ص 77

[481] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ٢٢٦

[482] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٥٥٨

[483] تاريخ الأمم والملوك , الطبري , دار الكتب العلمية , ج ٢ , ص ٦٢

[484] شعراء الحلة أو البابليات , ج ٣ , ص 235

[485] سَنَن ابن ماجة , كتاب المقدمة , أبواب في فضائل أصحاب رسول الله , باب فضل ابي ذَر

[486] تاريخ الطبري , ج ٣ , ذكر الخبر عن غزوة تبوك

[487] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص ١١٤-١١٥

[488]ص ٢٥  أعيان الشيعة , محسن الأمين , دار التعارف , ج ١ ,

[489] الاستيعاب في معرفة الاصحاب – أبو ذرّ الغفاري

[490] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٣٦ , ح ٦

[491] سير أعلام النبلاء , الذهبي ,  مؤسسة الرسالة – 1993 , ج ٢ , ص ٣٦٤

[492] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ١ , ص٢٩٥

[493] فتح الباري في شرح صحيح البخاري , ابن حجر العسقلاني , دار الريان للتراث , ح ٣٨٣٨

[494] الإصابة , ابن حجر , دار الكتب اللبنانية , ج ٢ , ص ٦٦

[495] الكورد الشيعة في العراق , ص 105

[496] أصحاب الامام امير المؤمنين والرواة عنه , الأميني , ج ٢ , ص ٣٥٧ \\\ تهذيب التهذيب , ابن حجر العسقلاني , تحقيق مؤسسة الرسالة , ت ٣٧٥

[497] الاستيعاب في تمييز الاصحاب , ابن عبد البر , باب حرف الغين , الأفراد في حرف الغين

[498] اسد الغابة في معرفة الصحابة , ابن الأثير , انتشارات اسماعيليان , ج ٤ , ص ١٦٩

[499] وقعة صفين , نصر بن مزاحم المنقري , ص ٤١

[500] تاريخ الطبري , احداث سنة ست وثلاثين

[501] تاريخ ابن خلدون , دار الفكر , ج ٤ , ص 392

[502] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , دار احياء الكتب العربية , ج ١٥ , ص ١٢٠

[503] جمهرة النسب , ابن الكلبي , مطبعة حكومة الكويت , ج ١ , ص ٢٩٣ الهامش

[504] شرح نهج البلاغة , ابن ابي الحديد , تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم , ج ٧ , ص ٣٦ – ٣٧

[505] اعيان الشيعة 1 , ص 636 – 637

[506] ابراهيم بن مالك الأشتر مآثر وبطولات , ص 20 – 23

[507] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 630

[508] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 630

[509] اعيان الشيعة , ج 1 , ص 632

[510] أعيان الشيعة , محسن الأمين ,ج ١ , ص ٢٦

[511] روضات الجنات , ج 4 , ص 43 – 48

[512] روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات , ج 3 , ص 276 – 278

[513] أعيان الشيعة , محسن الأمين ,ج ١ , ص ٣٣٤

[514] روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات , ج 3 , ص 290 و 299 \\\ دور الشيعة في بناء الحضارة الإنسانية , جعفر السبحاني , دار الأضواء – بيروت – ط ١ – ١٤١٤ ه / ١٩٩٣م , ص 27 – 28

[515] رجال الكشي , مؤسسة النشر الإسلامي , ط ١ , ص ٥٢ , ح ٢

[516] أعيان الشيعة , محسن الأمين ,ج ١ , ص 540 – 541

 

 

ابو بكرالاسلامالانصارالشيعةالمهاجرينالنبي محمدخجة الوداععلي بن ابي طالبعمر بن الخطابغدير خمقبائل العربقريشوفاة النبي
Comments (0)
Add Comment