العقل السياسي الإخواني لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية 

Palestinian resistance

2

 

 

البسالة والشجاعة والتضحية هي الهوية الشعبية لكل حركات المقاومة في فلسطين ، لا سيما حركات المقاومة الإسلامية منها ذات القاعدة العريضة ، وأهمهما ( حركة المقاومة الإسلامية حماس ) صاحبة الدروس الميدانية النادرة في تعريض القادة للخطر المباشر تحت لواء الاستشهاد.

لكنّ هذه الحركة ( الإخوانية ) سياسياً لم تختلف عن أختها في مصر في سذاجة عقلها السياسي ، الذي انتهى بالمصرية إلى الضمورين السياسي والشعبي بعد عقود من الهيمنة الجماهيرية وبعد أن وصلت إلى ذروة السلطة ، لكنها انهارت حين لم تحسن قراءة الواقع .

فحركة حماس لازالت تظن أن دولاً صهيونية مثل قطر وتركيا صديقة ، وأن حكومة أمريكية ديكتاتورية مخابراتية مثل حكومة السيسي المصرية شقيقة .

وإذا كانت حركة حماس – بعقلها الإخواني – تجاوزت النظر إلى عشرين سنة من الديكتاتورية التي نقل (أردوغان) تركيا إليها فعلياً ، فمن المعيب أنها لم تنتبه إلى أن دولة مثلها فيها أهم قواعد ( حلف الناتو ) في المنطقة لن تكون يوماً مضادة للمصالح الأمريكية ، التي هي مصالح الصهيونية نفسها . فضلاً عن غرابة عدم انتباه العقل السياسي لحركة حماس لكون تركيا ( الإخوانية ) أهم مزود تجاري للجيش الإسرائيلي ، ثم صيرورتها أهم خطوط – لا خط واحد – الطاقة للعدو الصهيوني أثناء حرب الإبادة الصهيونية ضد شعب فلسطين في غزة . وكيف أن تركيا استطاعت استقطاب الدول الطورانية التركية لعلاقات استراتيجية – لا فقط معاهدات سلام – مع الصهاينة. وكللت كل تلك الجهود بإسقاط أهم عوامل دعم المقاومة في فلسطين ولبنان وهي الحكومة السورية العلوية. ومن ثم نجاح تركيا بإشغال الشعوب الحية المقاومة في سوريا والعراق ولبنان وإيران بنفسها وبحماية بعضها لحدوده من ( غزوات الجماعات الجهادية التركية الصهيونية الأمريكية الأوروبية ) المدربة في قواعد الناتو التركية . وهو الدور الذي مارسته السعودية ضد الشعب المقاوم في اليمن ، وتوافقت عليه كل حكومات الدول ( الصديقة والشقيقة ) لحماس . ومن ثم قطعت حكومة تركيا و ( جماعاتها الجهادية ) في سوريا الطريق الإسلامي الداعم لحركات المقاومة في فلسطين. كما – بالصدفة – قطعت حكومة مصر ( الشقيقة ) الطريق ( السوداني – السينائي ) لعبور السلاح الإيراني إلى فلسطين من قبل . والأغرب ألا تجيد حركة المقاومة الإسلامية حماس قراءة العقل التركي الذي كان يعتبر الكراغلة – الأتراك من أمهات عربية – مواطنين من الدرجة الثانية ، والذي كان يضرب السوريين قبل يوم واحد من سقوط نظام (الأسد) ، فتظنه صالحاً للتضحية من أجل فلسطين ، في وقت هو باحث دائم عن الربح السهل . بل كيف تظن بشخص مثل (أردوغان) يقطع الماء عن العراق لأغراض تجارية وسياسية أنه مسلم له دِين .

وليس من الصدفة أن يتواجد ( المال القطري ) في تعزيز كل تلك الجهود التركية والسيساوية. ومن ثم من غرائب السذاجة ألا يفهم العقل السياسي لحماس معنى أن تصبح ( قطر ) الصغيرة أهم حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية الصهيونية في زمان ترامب. وكيف لم تفهم الحركة أن قطر ليست سوى سجن مؤقت لقادة الحركة كيلا يضطروا إلى الرحيل نحو إيران ، ومن ثم يتسبب ذلك بتغيير عقيدة غالبية أهل فلسطين المقاومين حين يدركون أخيراً أنه لا هوية سنّية .

ومن الطبيعي بعد ذلك ألا يفهم هذا العقل ( المقاوم ) فكرة ( تبادل الأدوار ) بين دول الخليج وتركيا في تحويل العالم الإسلامي إلى عالم صهيوني ، لا تكون فيه الإمارات فقط شريرة ، بل كل هذه الحكومات شريرة لكنها تغازل القوى الحية في العالم المقاوم حتى تستدرجها إلى ( الجحر ) . وأنه حتى الدول ذات الشعوب الحية في الخليج ، مثل الكويت وعمان والبحرين ، ستكون صامتة تحت صمت حكوماتها الاضطراري ، كما في الكويت وعمان ، لأنها لا تملك ثقافة التضحية السائدة في العراق وإيران واليمن ، أو تحت حكومة غريبة صهيونية كما في البحرين محمية بجيش سعودي إرهابي وقاعدة أمريكية.

وبالتالي لن تعي الحركة – بالشكل المطلوب – أن الخطر الذي يهدد ( حزب الله ) – المساند لها – ليس الجيش الإسرائيلي ، بل الشوكة التركية الجهادية من الخلف .

والى هذه اللحظة لم تناقش الحركة ظاهرة صهيونية أقوى دولة سنية ( تركيا ) ، وأغنى دولة سنية ( السعودية ) ، وأكبر دولة سنية ( إندونيسيا ) . فضلاً عن ترابط كل هذا في نفس الزمان .

وبالتالي من الصعب على الحركة أن تفهم كيف تقود دول صهيونية أمريكية مثل قطر وتركيا الحياة السياسية في دول ( جهادية ) مثل أفغانستان وسوريا ، وأن تقرأ ترك القوات الأمريكية لأسلحتها المتقدمة لقوات (طالبان) الإرهابية في أفغانستان ، بعد أن تأكدت من سحب جميع أسلحة القوى الإسلامية الأخرى تحت خدعة ( الدولة المدنية الديمقراطية ) ، كما تركت القوات البريطانية الأسلحة للجيش التركي الاتاتوركي بعد هزيمتها للدولة العثمانية.

ومن الصعب على عقل الحركة السياسي أن يفهم كيف أن تحريك الإمارات لقواها المحلية في السودان لارتكاب مجازر وحشية ، عبر تحويل الأسلحة والأموال عن طريق القوات الليبية للديكتاتور (حفتر) – المدعوم من حكومة مصر الشقيقة – لغرض واحد هو التشويش على ذاكرة العالم كيلا تتذكر مجازر الوحشية الإسرائيلية أثناء تصفية القضية الفلسطينية من حكومات الولايات المتحدة الأمريكية والخليج العربية وتركيا. فلا غرابة بعد ذلك أن تعلن دول مثل كازاخستان واندونيسيا تعزيز علاقاتها الصهيونية مباشرة بعد مجزرة غزة.

واذا كانت الحركة إلى هذه اللحظة لم تناقش سر عرقلة قوى إسلامية مرتبطة بتركيا وقطر والسعودية في العراق وفي اليمن ، بل وبعمليات إرهابية في إيران ، وفي لبنان ، لجهود القوى الإسلامية الأخرى المعادية للصهيونية ، بل وفي أحسن الأحوال انشغال مجمل تلك القوى بشؤونها الداخلية عن إيجاد دعم فعلي لقضية فلسطين ، فالحركة إلى اليوم تعجز عن تحليل ودراسة سبب تضحية الغالبية من شعوب دول مثل إيران والعراق ولبنان واليمن – كما كانت سوريا غير التركية – بمصالحها وأمنها وقادتها لأجل قضية فلسطين دون القوى الأخرى، وتكتفي الحركة بمحاولة تبرير قبولها لتلك ( التضحيات ) للمجتمعات السنية ! .

واذا كانت حكومة ( أمير المؤمنين ) في المغرب شرعت بصناعة طائرات القتل الصهيونية المسيّرة ، وتنتظر حكومة ( خادم الحرمين الشريفين ) السعودية طائرات ( f 35 ) الأمريكية المتقدمة ، فإن حكومة ( الخليفة ) في تركيا لن تكتفي بتلك الجوائز كما أنها لا تتوقف عند حد خيانة مقيد.

إن العقل السياسي الإسلامي السني أسير أوهام طائفية كاذبة متعددة الجنسيات والاقطاب ، ولا يسعه فهم المستقبل الدولي ، ولهذا يميل لمتابعة الأقوى كما تفعل دول الخليج ، أو مصادقة الاقوى الشرير كما تفعل تركيا . ومن ثم لا يستطيع صناعة المستقبل ، بل يعمل على التواجد فيه كأي أعرابي .

ولهذا لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي – بعزل القضية الفلسطينية وإقرار مجلس إدارة أمريكي وقوات خارجية – لتصفيتها مفاجئاً ، بل كان تتويجاً لجهود الانحطاط الدولي لإبادة شعب ( بنعومة ) ، دون جرح مشاعر الصهاينة.

وكما كان الروم خلف (سرجون) المسيحي وزير الأمويين ، وكان (سرجون) خلف إرادة ملك الأمويين (يزيد) بقتل (الحسين بن علي) ، وكان (يزيد) خلف تجمّع الأعراب على حفيد رسول الله ، كان الأوروبيون خلف وكلائهم في المنطقة وخلف الحاكمين العرب والمسلمين السنة في جميع العالم الإسلامي لوأد القضية الفلسطينية ، وكان الحاكمون خلف سلسلة من المؤسسات العسكرية والسياسية والدينية الرسمية وشبه الرسمية الراغبة في التقرّب إلى الأمير عبر المشاركة في رمي سهامها على المقاومة ، إلا أنه كما كانت القبائل الأعرابية مترددة خائفة خجلة من أيها يكون الأول في ( ذبح سيد شباب أهل الجنة ) ، فحكومات العالم الإسلامي والعربي اليوم متفقة – مع الأمريكان والأوروبيين – على إنهاء المقاومة في فلسطين ، إلا أنها قلقة من كون أيها الأولى في بدء عملية الذبح . ولهذا لم تنتصر (حماس) إذا لم تكن حسينية .

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.